بقلم محمد المحفوظ

هناك مقتضيات وضرورات عديدة تدفعنا إلى الاعتقاد بأن طبيعة الظروف والمرحلة التي يمر بها وطننا العزيز تقتضي من جميع الفعاليات والنخب الوطنية التفكير الجاد في بلورة وصياغة مشروع ميثاق للوحدة الوطنية نبلور من خلاله ثوابت الوطن التي نعمل جميعا من مواقعنا المتعددة على تعزيزها وحمايتها، كما يجيب هذا الميثاق على أهم الأسئلة والتحديات التي تواجه حاضر الوطن ومستقبله.


ينبغي أن يثبت الميثاق الوطني المطلوب مرجعية الإسلام (الكتاب والسنة)، ولكن هذا لا يعني عدم القبول بقراءات متعددة ومنضبطة بضوابط الاجتهاد والفهم السليم للإسلام
ولا شك في أن حضور المجتمع بقواه المتعددة في الساحة وإصرارها ومطالبتها المتواصلة بتطوير الأوضاع وإصلاح الأحوال، هو مربط الفرس وحجر الزاوية في مشروع الإصلاحات السياسية، إذ إنها تحتاج إلى حضور متواصل ومتميز في مختلف الساحات والمواقع، وإلى تنظيم صفوفها وتكثيف جهودها من أجل خلق كل الظروف المفضية لعملية الإصلاح والتطوير.

وإن الوحدة الوطنية اليوم بحاجة إلى رؤية جديدة وميثاق وطني حديث يستوعب متغيرات الواقع ويستجيب لتحدياته وهواجسه. لذلك كله هناك ضرورة ملحة على مختلف الصعد لصياغة ميثاق للوحدة الوطنية يأخذ بعين الاعتبار العناصر التالية:

طبيعة النظام السياسي والاجتماعي والمرجعية الإسلامية، حيث إنها من الثوابت العليا التي تستمد كل القوى والتعبيرات شرعيتها ووجودها من قبولها بالمرجعية الإسلامية واحترامها لمقتضياتها ومتطلباتها. ولكن من الضروري أن ندرك جميعا أن استناد الجميع إلى المرجعية الإسلامية بما تشكل من قيم ومبادئ خالدة لا يعني بأي حال من الأحوال قسر الناس على رؤية وفهم واحد لهذه المرجعية.

إن الميثاق الوطني المطلوب، ينبغي أن يؤكد ويثبت مرجعية الإسلام (الكتاب والسنة)، ولكن هذا لا يعني عدم القبول بقراءات متعددة ومنضبطة بضوابط الاجتهاد والفهم السليم للإسلام.

لذلك وبعيدا عن المزايدات، فكل مجتمعنا بمختلف أطيافه وتعبيراته يقبل بالإسلام مرجعية عليا لأحواله وقضاياه، ولأنظمته ومؤسساته. ولكن الاختلاف يبدأ حينما نعمل على فرض فهم واحد ومعين للإسلام، ونجعله هو المعيار والضابط.

من هنا فإن الميثاق الوطني الذي يعزز مشروع الوحدة الوطنية في السعودية هو الذي يقر بمرجعية الإسلام واحترامه التام لكل الاجتهادات الفقهية والثقافية المتعددة في الدائرة الإسلامية.

فمجتمعنا يحتضن سبعة مذاهب فقهية إسلامية، وإن مقتضى المشترك الوطني يلزمنا بتوفير كل مستلزمات الاعتراف والاحترام لهذه الاجتهادات والتعبيرات الإسلامية، وفسح المجال القانوني والثقافي والاجتماعي لها، لكي تمارس دورها في إثراء الوطن وتعزيز وحدته الداخلية.

كلنا مع الإسلام مرجعية وقيما وأخلاقا، ولكننا ضد قسر الناس على رؤية واحدة باسم الإسلام.

ولا بد من الإدراك أن الاندماج الوطني لا يتأتى بنفي الخصوصيات المذهبية والثقافية المتوفرة في مجتمعنا، وإنما بصياغة أوضاعنا وعلاقاتنا على قاعدة الاعتراف والقبول بالتعددية المتوفرة في فضائنا الاجتماعي والوطني.


الإسلام هو المكون الأساسي لهويتنا ووحدتنا والديمقراطية بقيمها وإجراءاتها وآلياتها هي خيارنا الممكن للانعتاق من مآزقنا وأزماتنا
وإن الطريق الصحيح لذلك هو إقامة حوارات وطنية علنية وجادة تسهم في بناء واقعنا على أساس احترام التنوع والإيمان العميق بالمواطنة ومقتضياتها.

إن من أهم التحديات التي تواجه فضاءنا الاجتماعي والوطني طبيعة العلاقة والموقف من منجزات العصر السياسية والثقافية والحضارية، إذ ما الإمكانية الفعلية للاستفادة من هذه المكاسب مع الاحتفاظ بمرجعيتنا وأصالتنا الإسلامية.

ولا ريب في أن هذا التحدي لا يمكن مواجهته إلا بمصالحة حقيقية وجادة بين الإسلام والديمقراطية، إذ بدون ذلك ستتفاقم مشاكلنا وتزداد أزماتنا، ولا خروج من هذه المآزق على الصعيد الوطني إلا بإعادة تنظيم وصياغة العلاقة بين الإسلام والديمقراطية. وذلك لأن الإسلام هو المكون الأساسي لهويتنا ووحدتنا، كما أن الديمقراطية بقيمها وإجراءاتها وآلياتها هي خيارنا الممكن للانعتاق من مآزقنا وأزماتنا.

والديمقراطية هنا ليست حلا سحريا، وإنما هي سبيلنا لتنظيم اختلافاتنا وضبط نزاعاتنا وتطوير حياتنا السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية. فهي ضرورة سياسية ووطنية، وإن أي تأجيل لهذه الضرورة تحت أي مبرر أو مسوغ كعدم نضج مجتمعنا أو أن الديمقراطية لا تناسب مجتمعنا، لا يفضي إلا إلى المزيد من تدهور أوضاعنا على مختلف المستويات.

فنضجنا الاجتماعي لا يتحقق إلا بممارسة الديمقراطية. وإن أي محاولة إصلاحية أو تطوير، تستثنى لممارسة الديمقراطية، لا تجنى إلا التراجع والتقهقر. ونرتكب جريمة كبرى بحق حاضرنا ومستقبلنا حينما نصور الإسلام وكأنه يناقض الديمقراطية ومتطلباتها، وذلك لأن الديمقراطية ليست تفلتا من القيم أو خروجا على مقتضيات الصراط المستقيم.

وإنما هي منجز تاريخي إنساني وفر للإنسانية جمعاء إمكانية الانعتاق من الأنظمة الشمولية والاستبدادية، وتنظيم أوضاعها الداخلية على أسس المسؤولية والمشاركة والمراقبة الدائمة.

لذلك فإن الديمقراطية ليست شعارا يرفع، بل هي برنامج عمل متكامل يتواصل مع كل حقائق المجتمع، ويحملها مسؤولية العمل على تصحيح الأوضاع وتطويرها الدائم نحو الأحسن.

لذلك كله فإن الخيار الديمقراطي الذي يمارس القطيعة الحقيقية مع النزوع الاستبدادي والشمولي، هو أحد مرتكزات الميثاق الوطني المنشود. لأن الديمقراطية بمقتضياتها الثقافية والسياسية هي القادرة على تجسير الفجوة وردم الهوة بين مختلف مكونات وتعبيرات المجتمع والوطن، وهي عتبة الانتقال إلى عصر وطني جديد.

وإن طبيعة الظروف والتحديات التي تواجهنا تتطلب تجديد الوفاق الوطني، وتفعيل الحياة السياسية، وتطوير تجربتنا باتجاه الديمقراطية والحرية، وذلك عبر إدخال نظام الانتخاب المباشر للكثير من مؤسسات وهياكل الدولة والمجتمع، وصياغة دستور وطني، يحدد الحقوق والواجبات، وينظم عمل المؤسسات، ويوفر الأرضية القانونية والدستورية لانطلاقتنا الوطنية الجديدة.

ولا بد من الإدراك العميق بأن تحسين قدرات الدولة وتطوير مؤسساتها مرهون بقدرة الدولة على تجاوز كل العقبات التي تحول دون انطلاقتها في مشروع الإصلاح السياسي.

إن بناء دولة حديثة، عصرية، مدنية، تجسد قيم الإسلام الأصلية ومنجزات الحضارة الحديثة بحاجة إلى تطوير علاقة مؤسسة الدولة بمواطنيها، بمعنى أن تكون الدولة دولة للجميع دون استثناء، وتكون مؤسساتها وهياكلها ومناصبها ومسؤولياتها متاحة للجميع دون تحيز لفئة أو تهميش لأخرى، بحيث تكون مؤسسة الدولة على علاقة مباشرة بمواطنيها دون وسيط قبلي أو مناطقي أو مذهبي، فهي دولة جميع المواطنين بصرف النظر عن أصولهم القبلية ومنابتهم الأيديولوجية والمذهبية.

من هنا فإن الدولة بمؤسساتها المتعددة تتحمل مسؤولية كبرى في تعزيز مشروع الوحدة الوطنية. فإذا كانت دولة منحازة لفئة أو منطقة أو شريحة، فإنها ستسهم من خلال مشاريعها ومواقفها وإجراءاتها المنحازة في دق إسفين بين مكونات وتعبيرات الوطن. أما إذا كانت دولة لكل مواطنيها، وتخطط وتنفذ مشروعات التنمية والرعاية لكل المناطق وفق مقتضيات المساواة والعدالة فإنها ستغرز كل موجبات الوحدة الوطنية.

فعدالة الدولة وانفتاح مشروعاتها ومؤسساتها على كل المواطنين، هو أحد أعمدة تعزيز الوحدة الوطنية.

لذلك فإن مشروع الميثاق الوطني ينبغي أن يبلور مسؤوليات الدولة تجاه مواطنيها، بحيث تكون العلاقة بين الدولة والمواطن علاقة مباشرة ودون وسائط مناطقية أو مذهبية، وتنصت بشكل متساو لكل الحاجات والمتطلبات.

من هنا وعلى هذا الصعيد تحديدا نجد أن الدولة بحاجة لأن تمارس عملية نقد ذاتي لأدائها وممارساتها في هذا المجال، حتى يتسنى لها تطوير أدائها وانفتاحها وتواصلها الدائم مع مختلف تعبيرات الوطن.


الخطوة الأولى لإنجاز وحدة وطنية متينة هي عقد مؤتمر وطني عام يضم جميع الفعاليات والقوى ويناقش بحرية وشفافية كل قضاياه، ويتوج بميثاق جديد للوطن في دوائره المتعددة
ولعلنا لا نجانب الصواب حين نقول إن قوة الدول وعزتها تقاس بمدى تمثيلها لمواطنيها، فإذا كانت دولة المواطنين جميعا فإنها ستمتلك كل أسباب القوة والمنعة والعزة، أما إذا مارست الإقصاء والنبذ لبعض مواطنيها، فإنها بذات القدر ستخسر من قوتها ومنعتها، لذلك فإننا نتطلع إلى أن تكون الدولة دولة للجميع في الحقوق والواجبات والمسؤوليات والخدمات.

فالميثاق الوطني المنشود هو الذي لا يلغي خصوصيات المواطنين، كما أنه لا يضخمها إلى حدود التنافر مع الآخرين وخصوصياتهم، وبهذه الصيغة المعتدلة والواعية تتشكل علاقة رشيدة بين خصوصيات الوطن قوامها الاحترام والانفتاح والتفاعل.

وبهذا يزيل مشروع الميثاق الجديد عناصر التوتر المفتعلة بين بعض مكونات الوطن حيث الخصوصيات منفتحة ومتفاعلة بعضها مع بعض، ووطن يسع الجميع ويستفيد من كل الإمكانات والقدرات ويحترم كل التنوعات وينجز وحدته على قاعدة أن الاختلاف والتنوع ليس انقطاعا عن الوحدة، كما أن الوحدة ليست توقفا عن الاختلاف والتنوع.

وحده الوطن المنفتح والمتفاعل مع خصوصيات مواطنيه، القادر على تأسيس وحدة وطنية صلبة ومتينة. ولعل الخطوة الأولى لإنجاز ذلك هي عقد مؤتمر وطني عام يضم جميع الفعاليات والقوى والتعبيرات، ويناقش بحرية وشفافية كل القضايا والأمور المتعلقة بحاضر الوطن ومستقبله.

ويتوج هذا المؤتمر حواراته وأنشطته ببناء ميثاق جديد للوطن في دوائره المتعددة، حيث يحدد نمط العلاقات الداخلية المأمولة بين مكونات المجتمع، ويعزز ثوابت الوطن، ويبلور إستراتيجيات البناء الوطني في حقول الحياة المختلفة.

فميثاق الوحدة الوطنية، المبني على أسس المواطنة والمساواة والعدالة، هو سبيلنا لمجابهة التحديات وبناء منجزنا الوطني على هدى الإسلام ومنجزات العصر ومكاسب الحضارة.
ــــــــــــــــــ
كاتب سعودي

المصدر : غير معروف