بقلم/ وليد الزبيدي

- المرحلة الأولى: التصدي للعبة الطائفية
- المرحلة الثانية: موقف ثابت
- المرحلة الثالثة: الاختطاف

لم يعتد الأجانب وبالتحديد من الدبلوماسيين زيارة مقر هيئة العلماء المسلمين في جامع (أم القرى) بالضاحية الغربية من العاصمة العراقية، كما أن وسائل الإعلام العالمية لم تهتم كثيرا بالهيئة قبل أن تبدأ ظاهرة اختطاف الأجانب في العراق، وتحديدا من الجنسيات التي تساند الولايات المتحدة بالجهد العسكري في احتلالها للعراق، ومن أبرز هذه الدول إيطاليا واليابان وإسبانيا وغيرها، كما أن وسائل الإعلام المختلفة لم تسجل أي زيارة لمسؤول في السفارات إلى وزارة الخارجية العراقية، التي تعد المرجع الأساسي لجميع الدبلوماسيين في البلد، ولم نسمع عن مناشدات دولية أو فردية في الدول التي اختطف بعض رعاياها وجهت إلى مجلس الحكم في العراق، وبالتالي فإن جميع الأنظار اتجهت صوب هيئة العلماء المسلمين.

واحتلت تصريحات كبار العلماء والأساتذة في الهيئة الصفحات الأولى في الصحف من اليابان -التي تطبع بعضها عشرة ملايين نسخة في الطبعة الصباحية ومثل هذا الرقم في طبعتها المسائية- إلى كندا -التي تنتشر فيها الصحف في جميع مدنها الكبيرة والصغيرة-، إضافة إلى الحضور الواسع في نشرات الأخبار الرئيسية في الفضائيات العربية والأجنبية.


انصبت جهود هيئة العلماء منذ الأيام الأولى على عمل كل ما من شأنه إسقاط جميع الأوراق التي يمكن أن تتحرك باتجاه إثارة الفتنة وحفر الأخاديد الطائفية والعرقية في الجسد العراقي
وسط كل هذا التزاحم على هيئة العلماء المسلمين ربما يتصور الكثيرون أن دور هذه الهيئة قد اقتصر على توجيه النداءات إلى الجماعات التي نفذت عمليات الاختطاف ضد الأجانب، وربما يعطي مثل هذا التصور انطباعا يشير إلى أن دور وفعاليات ونشاطات الهيئة ينحصر في الجانب السياسي، وحصرا بالتحرك في حدود ما يتعلق بالوجود الأجنبي في العراق، انطلاقا من حجم الأضواء التي سلطت على هيئة العلماء المسلمين خلال أيام قليلة، وهي الفترة التي تزامنت مع الحرب الأميركية على الفلوجة وحصار هذه المدينة الصغيرة من قبل قوات المارينز المجهزة بمختلف أنواع الأسلحة والتقنيات الحديثة.

صحيح أن إطلاق سراح بعض المختطفين بعد النداء الذي وجهته الهيئة والمناشدة لإطلاق سراحهم قد قفز بها إلى الواجهة، وأخذ اسمها يتردد في المحافل الدولية والدبلوماسية، لكن في حقيقة الأمر هناك ثلاث مراحل رئيسية متداخلة انشغلت بها الهيئة خلال عام من عمر الاحتلال، وجاءت قضية اختطاف الأجانب وحضورها الفاعل فيها لتشكل المرحلة الثالثة التي سنأتي على حقيقة الدور الذي أدته في هذا الجانب، وذلك بعد أن نبدأ من المرحلتين الأوليين، وهما كالآتي:

المرحلة الأولى: التصدي للعبة الطائفية
من الناحية الزمنية تمثل هذه الفترة الأسابيع الأولى من احتلال بغداد حتى بداية الحديث عن تشكيل مجلس سياسي من قبل إدارة الاحتلال، ومن ثم انتقل الحديث عن مجلس سياسي ذي طبيعة استشارية، ثم جاء منتصف يوليو/ تموز 2003 ليتم الإعلان عن تشكيل مجلس الحكم.

ويمكن القول إن تلك الفترة قد شهدت ضبابية عارمة سيطرت على الغالبية العظمى من العراقيين، وسط حالة الفوضى والانفلات الأمني، مع ارتفاع المخاوف من احتمالات نشوب حرب طائفية أو عرقية في العراق، استنادا إلى الضخ الإعلامي الهائل الذي استهدف العراقيين، وقادته الولايات المتحدة بآلتها الإعلامية المعروفة بإمكاناتها، والتلويح الدائم باحتمالات حصول حرب طائفية قد تأتي على الأخضر واليابس في العراق.

لذلك فإن جهود بعض العلماء انصبت منذ الأيام الأولى على عمل كل ما من شأنه إسقاط جميع الأوراق التي يمكن أن تتحرك بهذا الاتجاه، وتحاول أن تحفر الأخاديد الطائفية والعرقية في الجسد العراقي، وكانت ثمرة تلك الجهود أن أدى المسلمون من الطائفتين صلاة مشتركة، في حين لم يكن في الشارع أي رجل أمن أو شرطة ولم يكن المصلون بحاجة إلى من يوفر لهم الحماية، ونقلت الفضائيات مقاطع من الخطب التي ألقاها الأئمة والعلماء.

ونعتقد أنها القنبلة الأولى التي ردعت الذين كانوا يخططون لإشعال فتنة في العراق، وفي تلك الأيام لم يكن هناك تيار كهربائي في بغداد والمدن العراقية الأخرى ولم تكن هناك أجهزة استقبال فضائي مثلما الحال عليه الآن، لكن أخبار تلك الصلاة المشتركة التي قادها علماء الإسلام من الطائفتين قد انتشرت بسرعة فائقة في جميع أنحاء العراق، ولا شك أنها شكلت الصدمة الأولى لمن كانوا يخططون ويرسمون المسارات القاتمة لأبناء هذا البلد.


شكل موقف هيئة العلماء من مجلس الحكم الانتقالي ضربة للإدارة الأميركية، إذ يعبر هذا الرفض عن إغلاق الكثير من نوافذ النجاة بوجه الاحتلال في العراق
في الواقع ذكرت هذه المرحلة بالذات لأنها أسست لمرحلة مهمة برز فيها دور رجال الدين في العراق، بعد أن غابت أجهزة الدولة من (سلطة الأمن والجيش والإعلام) التي سارعت قوات الاحتلال إلى حلها ورمي العراق في أتون الفوضى.

في وقت مبكر من تلك المرحلة التقيت رجل الدين البارز في مدينة الكاظمية الشيخ جواد الخالصي وأعلمني أن لقاءاتهم متواصلة بكثافة مع هيئة العلماء المسلمين، وأن الجهود تنصب بالدرجة الأولى على منع الذين يريدون إشعال فتنة طائفية من تحقيق أغراضهم.

وتحرك أعضاء هيئة العلماء المسلمين لتكون خطبهم من على المنابر بمثابة الدليل اليومي للعراقيين ليحافظوا على بلدهم وعلى وحدته وعلى مستقبل أجياله، في هذه الأثناء وكما قلنا كانت حالة من الضبابية تلف أذهان العراقيين، لذلك انصب دور الهيئة على ما ذكرناه، أما علاقتها بالسياسة فكانت الاتجاه إلى مناوأة الاحتلال والإعراب عن رفضه بصورة قاطعة.

المرحلة الثانية: موقف ثابت
رغم أنه ليس هناك تقسيمات زمنية وفواصل ذات مؤشرات واضحة فإن موقف هيئة العلماء المسلمين من تطورات الأوضاع في العراق يمكن عدها مرحلة أخرى، وهذه أخذت مدتها مع تشكيل مجلس الحكم، وقد وقفت بالضد منه كما وقفت ذات الموقف المرجعيات الدينية الأخرى وبعض القوى الوطنية، واستندت في موقفها الرافض هذا إلى تشكيل مجلس الحكم الذي اعتمد التقسيمات العرقية والطائفية والدينية، وشمل ذلك (25 عضوا)، وتم الاعلان عن تشكيل المجلس في 13 يوليو/ تموز 2003.

وقد مثل هذا الأمر صدمة قوية للشارع العراقي، ولأن العراقيين لم يعتادوا على مثل هذه التقسيمات الطائفية والعرقية، فقد تمكن علماء الهيئة وغيرهم من الإمساك بهذه القضية والحديث عن أخطار الاحتلال والعواصف التي يراد الإتيان بها في العراق، لتؤسس لنعرات طائفية وعرقية، ما يدلل على أن الاحتلال الأميركي جاء لتحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها بما يطرحه في خطابه المعلن، ومن هذه البوابة انطلقت الهجمات على الاحتلال ووجد المنتقدون الثغرة المناسبة لقول ما يرونه مناسبا سواء كان من خلال المنابر أم من خلال وسائل الإعلام المتاحة.


لم تتوسط هيئة العلماء بين المختطفين ودولهم، وإنما كان دورها محصورا في توجيه نداءات في سبيل إطلاق سراحهم, ونظرا لتوفر الثقة فقد استجاب الخاطفون لنداءات الهيئة
لم تمر انتقاداتهم بسهولة، فقد سارعت قوات الاحتلال إلى اعتقال العشرات من أئمة المساجد والعلماء، ولكن لم يتوقف الهجوم، وعندما طرحت إدارة الاحتلال مشروع نقل السلطة في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2003، وصاحب ذلك تصريحات لمسؤولين كبار في البنتاغون ووزارة الخارجية، تتحدث عن إعطاء ما أسموه بثقل أكبر للسنة ويقصدون بذلك الواجهة، وهي هيئة العلماء المسلمين.

سألت الأمين العام للهيئة د.حارث الضاري -وكنا قد التقينا في نقاش سياسي حول ذلك المشروع- عما إذا كانت الهيئة ستدخل في المشروع الأميركي الجديد، فأجابني بالنفي القاطع، وقال لي "لن نشترك في حكومة طالما بقي الاحتلال".

جاء موقف هيئة العلماء المسلمين هذا ليشكل ضربة أخرى للإدارة الأميركية، التي كانت قد بدأت تعي وتتفهم جزئيا حقيقة المأزق الذي تعيشه في العراق، إذ يعبر هذا الرفض عن إغلاق الكثير من نوافذ النجاة بوجه الاحتلال في العراق.

المرحلة الثالثة: الاختطاف
هذه المرحلة لم تخترها الهيئة ولم تكن طرفا بها، وخلافا لما حاول البعض إشاعته فإنها لم تتوسط بين المختطفين ودولهم أو ذويهم، وإنما كان دورها محصورا في توجيه نداءات في سبيل إطلاق سراح المختطفين، ومن الواضح أن الخاطفين يثقون بهيئة العلماء المسلمين فاستجابوا لتلك النداءات.

وفي اعتقادي أن هذا الحجم من الثقة نجم عن وجود هدف مشترك بين الخاطفين الذين يريدون طرد الاحتلال ومن تسانده من الدول وموقف هيئة العلماء المسلمين المعلن من الاحتلال ومع عدم وجود قنوات اتصال بين الطرفين، وهذا ما أعلنه أكثر من مسؤول في الهيئة، إلا أنه يمكن القول إن هناك علاقة في الأهداف، وهي علاقة روحية، إذ تسعى للوصول إلى نتيجة واحدة تتمثل بعراق مستقل ذي سيادة وطنية كاملة.

وأطلق سراح عدد كبير من المختطفين، وإذا كان ذلك قد قفز باسم الهيئة إلى الواجهة فإنه لم يكن الفعل الوحيد، بل كان أحد فعالياتها الوطنية، وجاء منسجما مع توجهاتها وموقفها الواضح والصريح من قضية الاحتلال.
ــــــــــــــــــ
كاتب عراقي

المصدر : غير معروف