بقلم/ سعيد ثابت*

- ملتقى أبناء الجنوب والشرق مظهر أزمة
-
حقيقة الخلاف بين الرئيس الشمالي ونائبه الجنوبي
- الصراع بين يافع وأبين وعودة سالم صالح

ثمة جدل سياسي واسع يدور في أوساط الرأي العام اليمني, حول دلالات عودة سالم صالح محمد, عضو مجلس الرئاسة في دولة الوحدة اليمنية, وعضو مجلس الرئاسة في الدولة الانفصالية في جنوب اليمن, التي قامت إبان الحرب المندلعة مطلع مايو/أيار عام 1994 بين أتباع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح وأنصاره من جهة, وبين نائبه علي سالم البيض, الذي كان يشغل أيضا منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي، وماتت بعد حوالي أربعين يوما, إثر دخول قوات الرئيس صالح مدينة عدن وحضرموت الجنوبيتين.

اختلط خبر عودة القيادي الاشتراكي من منفاه في الإمارات العربية المتحدة, برفقة الرئيس صالح, الذي قام بزيارة إلى أبو ظبي استغرقت ساعات, يوم الاثنين الماضي, بالإشاعات والمعلومات المتضاربة, وذهبت تحليلات بعض المراقبين إلى القول إن المرحلة القادمة ستشهد فيها الساحة السياسية اليمنية خريطة تحالفات جديدة, وستتغير مواقع الحلفاء والخصوم, بالنسبة للسلطة في صنعاء، وستتبدل الوجوه, التي ظلت على كراسي الدولة والحكومة منذ عام 1994م، وراحت بعض التحليلات تربط هذه المستجدات المحلية بما ظهر على الساحة الدولية, وما أفرزته أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

ملتقى أبناء الجنوب والشرق مظهر أزمة

سبق عودة القيادي الاشتراكي سالم صالح محمد, الذي ينحدر من محافظة لحج الجنوبية, وينتمي إلى قبائل (يافع) المعدودة في القبائل المنافسة لقبائل محافظة (أبين) على السلطة, طوال التاريخ السياسي في جنوب اليمن, تأسيس تجمع يضم عددا من الواجهات السياسية والاجتماعية الجنوبية, أثار غضب السلطة في صنعاء واستياءها, وقد أطلق مؤسسوه عليه تسمية "ملتقى أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية", الذي أعلن عن نفسه مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي, من خلال رسالة وجهها إلى رئيس الجمهورية, تضمنت عددا من القضايا, قالوا إنها "نماذج تمثل جزءا يسيرا من إجمالي معاناة أبناء هذه المحافظات".

أهم مطالب الملتقى
وتتلخص تلك القضايا في خمس هي:

  • الفرص المتساوية, إذ يشعر الملتقى أن الكثير من الفرص في جهازي الدولة المدني والعسكري, يتم حرمان أبناء هذه المحافظات منها.
  • والثانية الحكم المحلي, حيث يلمس الملتقى أن الحكم المحلي يواجه عقبات, ربما تكون مقصودة, أمام تفعيل دوره, في تحقيق الحد الأدنى من متطلبات المواطنين.
  • والثالثة الكادر الوظيفي، ويرى الملتقى أن هناك ضغوطا يعاني منها الكادر من أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية, تتمثل في الإبعاد والتغيير والتهميش, دون مراعاة للكفاءة والتأهيل والنزاهة, ويترتب على ذلك استبعاد أعداد كبيرة من هؤلاء الكوادر في معظم مرافق الدولة.
  • والرابعة الاستثمار، ويؤكد الملتقى في رسالته الأولى للرئيس صالح أن مجالات الاستثمار قسمت إلى مربعات محدودة لعدد محدود من ذوي رأس المال دون سواهم.
  • الخامسة الأراضي, وتتهم الرسالة السلطة بتوزيع غير عادل, وسطو على الأراضي في المحافظات الجنوبية والشرقية, دون مراعاة للعدالة تجاه المستحقين, وأن ثمة أطقما عسكرية رسمية تحمي مثل هذه الممارسات, وأن نصيب الأسد لهذه الممارسات هم أصحاب النفوذ والسلطة".

وأعلن مؤسسو الملتقى عن تجمعهم في رسالة مطلبية, قالوا إنها تعبر عن أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية, ولم ينفوا أن تكون هذه المطالب مطالب لكل المحافظات اليمنية, لكن قدرهم أن يكونوا هم المعبرين عنها بالنسبة لمناطقهم, بحسب قولهم.

الملتقى مبادرة نيابية


يترأس الملتقى العميد علي محمد القفيش رئيس هيئة رعاية أسر الشهداء ومناضلي الثورة اليمنية, وهو من القيادات العسكرية المشهورة بمقاومة المد الشيوعي, واختير الدكتور أحمد باسردة عميد كلية الإعلام بجامعة صنعاء متحدثا باسم الملتقى الذي ضم أيضا فيصل بن شملان وزير النفط والثروات المعدنية الأسبق, وعضو مجلس النواب
فكرة إنشاء الملتقى, الذي اتهمته وسائل إعلامية في الحكومة بالانفصالية, وبأنه يخدم مخططات خارجية, ويضر بالمصلحة الوطنية العليا, جاءت بمبادرة من عدد من أعضاء مجلس النواب, الذين يمثلون دوائر انتخابية في المحافظات الجنوبية والشرقية, والتي كانت تسمى قبل إعلان الوحدة اليمنية بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

وتبلورت المبادرة لينضم إليها أشخاص من خارج البرلمان, واختاروا رئيسا للملتقى العميد علي محمد القفيش رئيس هيئة رعاية أسر الشهداء ومناضلي الثورة اليمنية, وهو من القيادات العسكرية المشهورة بمقاومة المد الشيوعي, الذي حكم جنوب اليمن, وظل من العناصر المعارضة لهذا النظام لأكثر من عشرين عاما متخذا من الشمال مقرا له, في حين اختير الدكتور أحمد باسردة عميد كلية الإعلام بجامعة صنعاء متحدثا باسم الملتقى، وضم الملتقى أيضا شخصية تحظى باحترام قطاعات شعبية وسياسية واسعة هي فيصل بن شملان وزير النفط والثروات المعدنية الأسبق, وعضو مجلس النواب.

ويعتقد كثير من المراقبين أن أهم حافز لتشكيل الملتقى كان إعلان الحكومة عزمها إحالة ما يقرب من عشرين ألفا في الجهاز العسكري إلى التقاعد, معظمهم من المحافظات الجنوبية, وهو ما أكده العميد قفيش, عندما قال "حصلت قضية المتقاعدين, فوجدنا أن التقاعد غير عادل, والتوظيف غير عادل" أيضا, حسب قوله.

بينما يرى علي سيف حسن, الأمين العام السابق للتنظيم الوحدوي الناصري, وعضو اللجنة المركزية للتنظيم, "أن لجوء أعضاء مجلس النواب إلى مثل هذه الملتقيات جاء بعد يأسهم من إمكانية تحقيق مطالب مواطني دوائرهم عن طريق أحد الأحزاب, وبالذات حزب المؤتمر الشعبي الحاكم, الذي ينضوي تحته من يمثلون معظم مكوني هذه الملتقيات الجهوية, وكذلك لاستحالة تنفيذ مطالبهم من خلال وجودهم في البرلمان, أو من خلال أجهزة السلطة التنفيذية والخدمية"، لكن حسن دافع عن خلفية نشوء الملتقى التي عزاها إلى وجود قوى اجتماعية تمارس ضغطا اجتماعيا مشروعا من أجل تلبية مطالب شعبية, ولا يرى أن فيها أي خطر على وحدة اليمن.

اتهامات متبادلة

وشن عبد الله أحمد غانم, وزير الشؤون القانونية, وهو من أبناء مدينة عدن, جنوبي اليمن, هجوما حادا على الملتقى, في مقال له نشرته إحدى الصحف الأهلية تصدر من محافظة عدن, إذ رأى في الملتقى أنه "استمرار هزيل لمحاولات سابقة ضد الوحدة الوطنية, والإضرار بها", واعتبر أنه "نوع من الخداع والالتفاف غير المشروع على الدستور والقانون, مثله في ذلك مثل اللجان الشعبية". واتهم غانم الملتقى بأنه "ينفخ في مشاعر الانتماءات الضيقة, وينمي روح العصبيات القبلية والمناطقية والفئوية, ولا يحمل في طياته غير مخاطر لا تحصى على الوطن".

ويرد العميد علي القفيش رئيس الملتقى الاتهامات, التي أطلقها وزير الشؤون القانونية, ويصفها بالمزايدة، وقال إن "القانون الذي تكلم عنه لا يطبق على أرض الواقع"، ووصف الذين يتهمون الملتقى بالانفصالية بأنهم "عبارة عن أبواق.. وأنهم انفصاليون, ولدينا أشرطة موثقة تدمغهم بذلك". وقال "إن العناصر الفاسدة في الحكومة, هي التي تمارس الانفصال من خلال سلوكها", حسب قوله.

وعن الدوافع الشخصية, التي اتهم بها الملتقى, قال القفيش "أنا موظف, ومعظم عناصر الملتقى موظفون, ولا نبحث عن مطالب أو مصالح شخصية, ونحن نركز على قضايا مطلبية, والرئيس (صالح) متفهم لقضايانا, ويعتبرها مطالب, وبدأ يعالج بعضها, وسيعالج الأخرى بحكمته", على حد تعبيره.

تشكيل الحكومة بداية الخلاف
وبالإعلان عن قيام الملتقى انتشرت إشاعات بشأن موقف عدد من الشخصيات المحسوبة على اللواء عبد ربه منصور هادي نائب الرئيس صالح مثل اللواء حسين عرب وزير الداخلية السابق, والعميد أحمد مساعد حسين وزير الثروة السمكية السابق, وهما شخصيتان خرجتا من التشكيل الحكومي, وأثير حولهما الكثير من اللغط, عندما لم يتم تمثيلهما في التشكيل الحكومي برئاسة عبد القادر باجمال في أبريل/ نيسان الماضي.

وتحدثت أوساط سياسية مقربة من الحكومة يومها عن أن خلافا قد برز بين الرئيس ونائبه بشأن الحكومة, التي انفرد الرئيس صالح بتشكيلها, والتي دخلها لأول مرة أكثر من 18 شخصا, وغادرها لأول مرة أيضا وزراء ظلوا لعقود في الحكومات المتعاقبة.

وتحدثت تلك الأوساط عن عدم رضا نائب الرئيس على استبعاد اللواء حسين عرب, والعميد أحمد مساعد, على اعتبار أنها الخطوة الأولى على طريق فك التحالف القائم منذ حرب صيف العام 1994، لكن العميد القفيش ينفي أن يكون هؤلاء يقفون وراء تأسيس الملتقى, ويقول "هذا الكلام غير صحيح". ويضيف "في الحقيقة يمكن أن نلاحظ أن بعض الصحف تركز على مسألة تغيير وزراء, وأنهم فقدوا مصالح معينة, ويذكرون أحمد مساعد وحسين عرب, والحقيقة أنهما وغيرهما تم تغييرهم قبل سنة تقريبا, وهؤلاء لم يعملوا معنا, ولم يحضروا أي لقاءات". وتحدى القفيش أي شخص أن يثبت أن هذه الشخصيات حضرت اجتماعات الملتقى ولو حتى ليوم واحد, على حد تعبيره.

حقيقة الخلاف بين الرئيس الشمالي ونائبه الجنوبي


اضطرت صحيفة (الثورة) الرسمية لتكذيب خبر إقالة نائب الرئيس لكن المفارقة هي أن النفي قد اقترن بافتتاحية شديدة اللهجة, ضد من وصفتهم بالواهمين, تضمنت تلميحات لأصحاب الملتقى, وإلى حلفاء الرئيس وهم الذين يطلق عليهم الشارع اليمني اسم "جماعة الزمرة" نسبة إلى أنصار الرئيس الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد
بدا للمراقبين أن ثمة أزمة سياسية تكاد تطل برأسها في البلاد, وربما وصلت إلى رأس الهرم السياسي للدولة, خاصة وأن الرئيس صالح, الذي أدان أي جهة تتحدث باسم محافظات معينة, كرر في خطابات وجهها في عدد من معسكرات الجيش والأمن في المحافظات الجنوبية والشرقية, بعد عيد الفطر, أنه "لا يجوز إطلاقا لأحد أيا كان, التحدث باسم مناطق أو محافظات معينة".

تقليص صلاحيات
وجاءت تلك التصريحات في ظل ما أشيع عن تقليص الرئيس لصلاحيات نائبه المالية, قبيل زيارته إلى الولايات المتحدة منتصف رمضان المنصرم، ثم دخلت الصحافة الرسمية "الزفة", وبدأت الصحف الرئيسية الثلاث وهي "الثورة" و"الجمهورية" و"14 أكتوبر", إضافة إلى أسبوعية "26 سبتمبر" التابعة للجيش تكتب مقالات افتتاحية تهاجم فيها دعاة الملتقى بصورة غير مباشرة, وتتهمهم بالبحث عن مصالح شخصية, والإضرار بالوحدة الوطنية.

وفي خضم الزوبعة الإعلامية تسرب خبر مفاده أن الرئيس صالح, الذي يقيم حاليا في مدينة عدن, باعتبارها عاصمة شتوية لليمن, قد اتخذ إجراءات لتقليص صلاحيات نائبه اللواء عبد ربه منصور هادي, وأن الرئيس يبحث عن نائب جديد بدلا عنه.

"الثورة" تكذب وتهاجم
وانتشر الخبر كالنار في الهشيم, مما اضطر صحيفة "الثورة" الرسمية لأن تنشر تكذيبا له في التاسع من الشهر الجاري, لكن المفارقة التي لفتت انتباه عدد من المراقبين والمهتمين بالخريطة السياسية المحلية, أن النفي المنشور في الصحيفة الحكومية الأولى, قد اقترن بافتتاحية شديدة اللهجة, ضد من وصفتهم بالواهمين, وهو نفس عنوان الافتتاحية, التي تضمنت تلميحات تكاد تقترب من التصريح إلى أصحاب الملتقى, وإلى حلفاء الرئيس في الدولة, وهم الذين يطلق عليهم الشارع اليمني اسم "جماعة الزمرة" نسبة إلى أنصار الرئيس الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد, الذين اقتتلوا, بوصفهم جناحا في الحزب الاشتراكي مع رفاقهم الآخرين, وذلك في الثالث عشر من يناير/كانون الثاني 1986م في مدينة عدن, وأصبحوا شركاء في السلطة بعد إزاحة الحزب الاشتراكي من مفاصل الدولة, إثر حرب طاحنة صيف 1994, مع أتباع ومؤيدي الرئيس صالح.

وجاء في افتتاحية "الثورة" يوم التاسع من يناير/ كانون الثاني الجاري "من المؤسف أن يظل البعض متشبثا بذلك التفكير الماضوي للحقبة الشمولية, وما قبلها, وبنفس تلك المفاهيم الناشئة عن دوافع أنانية"، وأضافت تقول "إن على هؤلاء أن يدركوا جيدا أن محاولاتهم لتغطية عورات ماضيهم الأسود, أكان ذلك خلال سنوات الكفاح المسلح ضد المستعمر الأجنبي, أو في المراحل التي تلتها, إنما هي رهانات وأوهام خاسرة، وبالتالي فإنه يتعين على من يمارسون السباحة ضد التيار, أن يستفيدوا من تجارب الماضي, حتى يفهموا تماما أن الوحدة الوطنية صارت ثابتا راسخا وصلبا, ولن يسمح الشعب لأحد بالمساس أو الإساءة لصورتها, وما تحمله من قيم التماسك والتلاحم".

"26 سبتمبر" تهاجم
ثم نشرت في اليوم التالي صحيفة "26 سبتمبر" العسكرية, التي يترأس تحريرها السكرتير العسكري للرئيس صالح, ويحتل منصب نائب رئيس تحريرها السكرتير الصحفي لرئيس الجمهورية, مقالا رئيسا في صفحتها الأولى, ولكن بتوقيع مدير تحريرها, بعنوان "مرضى الضمير المتصدع" وورد فيه تشخيصه لهؤلاء بقوله "منهم من يحاولون أن يذكروا مرتبتهم العلمية ودرجات الدكتوراه التي نالوها من بعض المعاهد, وهم يعلمون أن تلك الشهادات التي يحملونها ما هي إلا أوراق مزورة, وغير ذات قيمة علمية على الإطلاق, وأنها مجرد شهادات منحت في أحسن الأحوال بعناية الأجهزة الاستخبارية", حسب قوله.

اتهام عرب في تفجير السفارة

حسين محمد عرب
وهكذا بدت الأمور كما لو أنها تتجه نحو التأزم السياسي بين حلفاء الأمس, وخاصة أن أحد المتهمين بحادث تفجير السفارة البريطانية كان قد اتهم أمام المحكمة اللواء حسين عرب وزير الداخلية السابق والمقرب جدا من نائب الرئيس, بأنه كان على علم بعملية التفجير, مما اعتبره الوزير السابق في تصريحات سابقة بأنه أكذوبة كبيرة, وفرية من صنع ووهم المتهم.

ولم تطلب المحكمة الوزير السابق, على الرغم من أنها كانت قد أشارت إلى فعل ذلك, ورأى بعض المراقبين أن اتهام الوزير السابق, الذي يحمل الدكتوراه في مجال الأمن من معهد في إحدى الدول الاشتراكية السابقة, يأتي في سياق صراع مراكز القوى في البلاد.

نائب الرئيس بين العرفية والدستورية

علي عبد الله صالح (وسط) يعانق نائبه السابق علي سالم البيض
لكن السياسي علي سيف حسن, ينفي وجود علاقة ما بين ما تم تداوله مؤخرا, وبين الخلاف حول الرئيس ونائبه من جهة, وبين إنشاء ملتقى أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية, قائلا "لا أعتقد ذلك, ولكن لا بد من ملاحظة مهمة, وهي مسألة منصب نائب الرئيس, فاللواء عبد ربه منصور يمارس منصبه كنائب رئيس جمهورية بصورة عرفية, وليس بصورة قانونية ودستورية, فهو حتى الآن نائب عرفي, وليس دستوريا, لأنه لم يصدر بتعيينه قرار جمهوري منذ انتخاب الرئيس في سبتمبر/أيلول عام 1999"، وأوضح كلامه قائلا "أعتقد أن الوقت قد حان, وفي ظل الظروف الحالية ليتم ملء الفراغ الدستوري القائم على مستوى رئاسة الجمهورية, وذلك بتعيين نائب لرئيس الجمهورية بصورة قانونية ودستورية, فالدستور يمنح الرئيس صلاحية اختيار النائب الذي يراه مناسبا".

نائب الرئيس اليمني وقائد المحاولة الانفصالية سابقاً
علي سالم البيض
يذكر أن الأزمة السياسية التي نشبت أواخر عام 1992 بين الرئيس علي عبد الله صالح ونائبه السابق علي سالم البيض, وأفضت إلى اشتعال حرب أهلية طاحنة استمرت سبعين يوما, وأودت بعشرة آلاف قتيل ومئات الجرحى, كانت بداية شررها هو الخلاف حول مسألة منصب نائب الرئيس, إذ كان يصر علي سالم البيض على ضرورة أن يتم عبر انتخابات شعبية, مثل منصب رئيس الجمهورية, بينما رفض الرئيس صالح ذلك المقترح، ثم تطور الأمر إلى قضايا خلافية أخرى.

الصراع بين يافع وأبين وعودة سالم صالح


الأزمة السياسية التي نشبت أواخر عام 1992 بين الرئيس علي عبد الله صالح ونائبه السابق علي سالم البيض, كانت بداية شررها هو الخلاف حول مسألة منصب نائب الرئيس
ولكن ما علاقة كل هذه التطورات والأحداث بعودة القيادي الاشتراكي من منفاه في هذا الوقت بالذات؟ ولماذا اصطحبه الرئيس في طائرته الخاصة, أثناء زيارته القصيرة إلى الإمارات العربية, وهل كانت هناك بالفعل مساع خليجية, وخاصة إماراتية وسعودية لعودته؟.

بين يافع وأبين
أسئلة مشروعة في ظل كل هذا اللغط الدائر حاليا في الساحة السياسية في اليمن، لكن ما ينبغي التنويه إليه هنا هو أن القيادي الاشتراكي وعضو مجلس الرئاسة السابق سالم صالح محمد, يمثل أهم قبائل الجنوب اليمني وهي قبائل "يافع" المنافسة لقبائل "أبين". والقبيلتان كانتا ولاتزالان تتنازعان قيادة المحافظات الجنوبية, وادعاء تمثيلها.

وأكد سالم صالح في اتصال هاتفي من منزله بمدينة عدن بأن عودته برفقة الرئيس صالح من الإمارات, جاءت نتيجة الظروف والمتغيرات الدولية الهائلة, التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الماضي، وأضاف "أن تلك الظروف تجعلنا ملزمين بمساعدة بعضنا بعضا, وأن نتغلب على كل الصعوبات الخارجية". وقال إن عودته كانت بناء على رغبة مشتركة منه ومن الرئيس صالح. وأشار إلى أن عودته ستكون بداية عودة قيادات كثيرة في الحزب الاشتراكي, كانت قد هاجرت على إثر حرب صيف العام 1994, إذ قال "أصبح الوقت مهيأ لعودة كل القيادات أكثر من أي وقت مضى".

صالح هل يعين صالحا
فهل سيستلم سالم صالح محمد منصب نائب الرئيس؟ سؤال مثير وبسيط, لكن الإجابة عنه تحمل الكثير من الألغاز, التي تحتاج إلى إعادة تفكيك، ولاسيما أن عملية تغيير نائب الرئيس ليست بالبساطة, التي يتصورها البعض, لكون الإقدام على عملية بهذا الحجم قد يعني إدخال البلد في دوامة أزمة عاصفة وخطيرة جدا, ربما تمس أمن الوحدة الوطنية, خاصة وأن أتباع نائب الرئيس الحالي ومعظمهم من قبائل محافظة أبين, يعتقدون أن لهم الحق في اقتسام فريسة السلطة, التي ساعدوا الرئيس صالح بعناصرهم المسلحة الموجودة أصلا جنوبي اليمن, على استخلاصها من أنياب الحزب الاشتراكي, بقيادة علي سالم البيض وسالم صالح محمد العائد إلى الوطن, وغيرهما من قيادات الانفصال, عندما أرادوا تفكيك اليمن, وإعادة عجلة التجزئة والتشطير في الجسد اليمني, وإقامة دويلة انفصالية في الجنوب.

ولذلك فإن الأيام القليلة القادمة ستكشف الكثير من الغموض, الذي يلف التطورات الراهنة في اليمن، ولا بأس هنا من استحضار عبارة قالها أمين عام مساعد الحزب الحاكم عقب الانتخابات المحلية, التي جرت في فبراير/شباط 1999, إذ قال "ينبغي أن ندرك أن خريطة التحالفات السياسية سنقوم بتغييرها قبل عام 2003م وسيكون للحزب الاشتراكي دور مهم فيها, استجابة لمطالب خاصة, وقطعا لأي محاولات للعب على الورقة الجنوبية", بحسب قوله.. فهل جاء وقت تحقيق ذلك؟.

_______________
*صحفي وكاتب يمني

المصدر : قدس برس