بقلم/ نجيب الغضبان

صور الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين التي بثتها وسائل الإعلام العالمية وهو يستسلم لفحص طبي من قبل أحد أطباء جيش الاحتلال الأميركي، وقد بدا فيها حاكم بغداد أشعث أغبر، وظهرت عليه علامات الذلة والخضوع.. هذه الصور ستكون على الأغلب هي الأكثر انطباعا في ذهن رجل الشارع عن هذا الحاكم الذي احتل مكانة حيوية في تاريخ العراق المعاصر ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها. كما أن هذه الانطباعات هي التي ستطغى على تركة الرجل الذي حكم بغداد لحوالي 24 عاما، وقد كان ولمدة عشرة سنوات سلفت الرجل القوي في نظام الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر.


التاريخ يكتبه الرابحون في الحروب، والصفحات الأخيرة من تاريخ نظام صدام يخطها الآن أعداؤه سواء أولئك الذين أفرزتهم ممارسات النظام القمعية أو أولئك الذين تحداهم الدكتاتور المخلوع
بداية لابد من التذكير أن هذه المشاهد لم تأت عفوية وإنما تم اختيارها بعناية فائقة من قبل خبراء الحرب النفسية والمعلوماتية الأميركان، وذلك بهدف كسر الصورة التي كان يبثها النظام العراقي السابق عن رئيسه على أنه رجل شجاع مغوار يتحدى الهيمنة الأميركية الصهيونية في المنطقة.

المشاهد التي وزعتها القيادة العسكرية الأميركية أرادت لها أن تكسر كبرياء الرجل، خاصة أمام مؤيديه داخل العراق -وهم قلة بعد سقوط نظامه- وخارجه.

هذه القلة من المؤيدين كانت تتمنى أن يذهب الرئيس المخلوع وهو يقاوم كما ذهب ولداه وحفيده. لكن إرادة الله شاءت غير ذلك، فلعل في ذلك عبرة لأهالي ضحايا نظامه على مدى العقود التي حكم فيها.

التاريخ يكتبه الرابحون في الحروب، والصفحات الأخيرة من تاريخ نظام صدام يخطها الآن أعداؤه سواء أولئك الذين أفرزتهم ممارسات النظام القمعية أو أولئك الذين تحداهم الدكتاتور المخلوع.

النقطة الثانية الهامة أن النظام الصدامي قد بلغ حدا من الاستبداد والقمع يجعله بحق يصنف في مصاف أكثر الأنظمة انتهاكا لحقوق الإنسان منذ سقوط الأنظمة الشمولية في منتصف القرن المنصرم. لكن يبقى من المهم في زحمة الأحكام القاسية التي ستنزل على الرجل وبعض أقطاب نظامه، الإشارة إلى عدة أمور وحقائق من الإجحاف القفز فوقها.

أولا- لابد من محاكمة صدام في إطار نظام استبدادي تسلطي نشأ وترعرع على مدى زمني طويل، وحقق بعض الإنجازات -خاصة في عقد السبعينيات- في مجالات التنمية والتطوير واستثمار عائدات النفط في إنشاء بنية تحتية متطورة، وتوسيع التعليم والضمان الصحي وإعطاء المرأة العراقية حقوقا هامة.

لكن هذه الإنجازات كانت على حساب توسيع دائرة المشاركة السياسية، وعلى حساب الحقوق الأساسية للإنسان العراقي. هذا النهج "التنموي" لم يكن خروجا على المألوف في كثير من دول العالم الثالث، بما فيها الدول العربية التي انتهجت خطا "تقدميا" لتسريع خطى الحداثة والتقدم. كما أن كتلة دولية هامة قادها الاتحاد السوفياتي السابق كانت تقدم نفسها كنموذج وكداعم لهذا النهج.

في الحالة العراقية من المعلوم أن المثل الأعلى للرئيس العراقي كان الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين. النموذج الستاليني في التنمية نجح في تحقيق معجزة في التصنيع ورفع مكانة الاتحاد السوفياتي إلى مراتب الدول العظمى، لكن الثمن الإنساني كان باهظا جدا إذ تجاوز الملايين من أرواح البشر الذين عارضوا هذا النهج.

في الحالة العراقية، سجلّ النظام العراقي في مجال انتهاكات حقوق الإنسان جعله يحتل أسوأ مرتبة بين كل الأنظمة العربية.

الدرس الثاني الذي تثبته تجارب الحكم الفردي أن مثل هذه الأنظمة وإن نجحت في تحقيق بعض المنجزات فإنها لا تلبث أن تهدم ما بنته بحكم نزعتها الطبيعية لإساءة قراءة الواقع السياسي.


الأنظمة العربية التقدمية ومعها بعض الأنظمة التقليدية وقعت كلها فريسة الدكتاتورية والقمع، لكن الاختلاف كان اختلافا في الدرجة، والنظام العراقي القمعي لم يكن الاستثناء الوحيد في واحة الديمقراطية والازدهار الاقتصادي العربي
ثانيا- وكحال كثير من الأنظمة الاستبدادية وقع النظام العراقي ضحية ظاهرة تعظيم وعبادة الفرد الحاكم الملهم (صدام). لكن هذه الظاهرة ما كان لها أن تتحقق لولا بطانة الحاكم التي ما تفتأ تزين له هذا الأمر، ولولا القائمون على أجهزة القمع الذين يميلون إلى المبالغة والمنافسة في قمع معارضي الحاكم الملهم تزلفا إليه.

الأنظمة العربية التقدمية -ومعها بعض الأنظمة التقليدية- وقعت كلها فريسة الدكتاتورية والقمع، لكن الاختلاف كان اختلافا في الدرجة. وبكلمة أخرى فإن النظام العراقي القمعي لم يكن الاستثناء الوحيد في واحة الديمقراطية والازدهار الاقتصادي العربي.

ثالثا- عانى النظام العراقي السابق من نفس التناقضات التي صبغت الحياة السياسية العربية، حيث عملت كل الأنظمة العربية على توظيف مقولات الوحدة العربية والسعي لتحرير فلسطين، مع فعل كل ما بوسعها لترسيخ خيارات التجزئة وإخضاع القضية الفلسطينية لمصالحها الوطنية الضيقة.

ويكفي للتدليل على ذلك أن أسوأ علاقات رسمية نشأت بين دولتين عربيتين كانت تلك التي صبغت العلاقات بين العراق وجارتها سوريا المحكومة من قبل الحزب ذاته الذي يتخذ من "الوحدة العربية" شعاره الأول.

والفشل في تحقيق هذه الأهداف لم يكن حكرا على النظام العراقي، بل ساهمت كل الأنظمة العربية -كل بنصيبه- في هذا الفشل. مرد الفشل الرئيسي أن النخب العربية -كلها دون استثناء- كانت تسعى إلى الحفاظ على مصالحها الضيقة في إطار الدويلات التي رسمها الاستعمار الأوروبي، ومع أن الأنظمة العربية رفضت بألسنتها هذه الدويلات فإنها فعلت كل ما بوسعها لترسيخها والسيطرة على مقدراتها.

في الحالات المتطرفة (كحال العراق)، كان هدف صدام المحافظة على حكمه وتوريث حكمه لأولاده من بعده، ورعاية مصالح أعوانه ومساعديه، ومن ثم النظر في شؤون الدولة ككل. هذا هو ترتيب أولويات أغلب النخب الحاكمة العربية، ومن بينها العراقية.

من هنا لم يكن الرئيس المخلوع مجافيا للحقيقة عندما أعلن أنه انتصر في كارثة حرب الخليج الثانية، لأنه خرج من المعركة وقد دمرت بلاده وقواته المسلحة، لكنه حافظ على كرسي الحكم.

رابعا- لعبت القوى الدولية الفاعلة دورا أساسيا في تزكية الصراعات المحلية والإقليمية التي شهدتها المنطقة، بدءا من وصول حزب البعث إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري عام 1968، وبعلم ودعم من وكالة الاستخبارات الأميركية التي كانت ترى في نزعته الوطنية خطرا أقل من الحزب الشيوعي، كل ذلك في إطار الحرب الباردة.

كما أن هناك أدلة كبيرة على أن صدام لم يهاجم إيران عام 1980 إلا بعدما أخذ مباركة أميركية، حيث كان النظام الإيراني يمثل الخطر الرئيسي لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة.

وعلى الرغم من أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الرئيس العراقي في مهاجمة إيران، فإن الشركاء في استمرار الحرب لمدة ثمانية أعوام قاسية هم الخميني الذي أصر على عدم وقف الحرب حتى تتم الإطاحة بنظام صدام، والدول المجاورة والولايات المتحدة التي كانت مستعدة لدفع وقود هذه المعركة مالاً ومعلومات استخبارية ودعماً سياسياً.

خامسا- لم تكن الولايات المتحدة لتناصب النظام العراقي السابق العداء إلا بعد أن هدد في بداية عام 1990 بحرق نصف إسرائيل إن هي أقدمت على ضرب العراق، وقيامه بعد ذلك بغزو الكويت.


قرر المحافظون الجدد غزو العراق بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول رغم عدم وجود دليل على أن النظام العراقي كان يملك أسلحة دمار شامل أو أن له علاقة بمنفذي الهجمات الإرهابية من قريب أو بعيد
واشنطن لم تهب لنجدة الكويت إيمانا منها بمبدأ الحفاظ على سيادة الدول المستقلة الصغيرة وحق تقرير المصير، بقدر ما كانت مدفوعة بالحفاظ على مصالحها الحيوية في عدم السماح لدكتاتور في السيطرة على نفط البلدين.

غزو العراق للكويت كان الكارثة الكبرى التي نزلت بالعرب كلهم، وإذا كان صدام يتحمل المسؤولية الأساسية والمباشرة عن نتائجها فإن النظام الرسمي العربي لا يمكنه التنصل من المسؤولية في الفشل الذي أدى إلى الغزو، وفي فشله في إجبار العراق على الانسحاب وتجنب حرب كارثية لا تزال المنطقة تعاني من تداعياتها.

سادسا- صحيح أن النظام العراقي لم يكن يبالي كثيرا بالمعاناة التي أصابت الشعب العراقي نتيجة الحصار الدولي الذي فرض على العراق بعد اجتياحه للكويت، وحصد حياة ما يزيد عن نصف مليون عراقي.

الولايات المتحدة أصرت على الإبقاء على الحصار حتى بعدما ثبت أنه يساهم في قتل أطفال العراق وتفكيك أوصال المجتمع العراقي، بينما لم يكن يضعف نظام صدام.

سابعا وأخيرا- قرر المحافظون الجدد غزو العراق بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، رغم عدم وجود دليل على أن النظام العراقي كان يملك أسلحة دمار شامل أو أن له علاقة بمنفذي الهجمات الإرهابية من قريب أو بعيد.

هذه الحرب الأخيرة التي ذهب ضحيتها الآلاف من المدنيين العراقيين عارضتها أغلب دول العالم، والقبض على صدام حسين لا يغير حقيقة أن المبررات التي ساقتها واشنطن لتبرير حربها على العراق كانت ومازالت باطلة.

تصور الإدارة الأميركية حربها على النظام العراقي والقبض على رأسه وإذلاله أمام مسمع ومرأى العالم كله، على أنه جزء من الحرب على الإرهاب.. هذه المقولة غير صحيحة إلا بالقدر الذي يعني أن نظام صدام كان يرهب شعبه وجيرانه. بيد أن المفارقة تكمن في أن النظام العراقي لم يثبت أنه مارس أو دعم بشكل مباشر أي عملية إرهابية ضد الولايات المتحدة أو أنه كان يمثل تهديدا لها.

وإذا كان من الصحيح أن لصدام نصيبه من المسؤولية في الصراعات التي شهدتها المنطقة بدءا من عام 1980، فالحقيقة أنه لا يمكن اختزال أسباب مثل هذه الأحداث أو تحميل مسؤوليتها لفرد واحد مهما بلغت درجة حذقه وشره.

إن القبض على صدام قد يساهم في إثبات أن الأنظمة السياسية التي لا تقيم وزنا لحقوق الإنسان ولم يكن لشعوبها دور في اختيارها أو بقائها في الحكم، إضافة إلى أن النظامين الإقليمي والدولي اللذين يحكمهما منطق القوة وتسيطر عليهما دولتان (إسرائيل والولايات المتحدة) تحاولان فرض إرادتهما بالقوة وتتصرفان وكأنهما فوق القانون، هي عوامل تغذي التطرف والسيارات المفخخة والإرهاب المتنامي في العالم حاليا.
ـــــــــــــــــــــــ
أستاذ العلوم السياسية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة أركنسا الأميركية

المصدر : الجزيرة