بقلم/ توجان الفيصل

إذا كانت لياسر عرفات مكانة خاصة لدى الشعب الفلسطيني, فإنها نابعة من كونه رمزاً لنضال ذلك الشعب لاسترجاع حقوقه التاريخية, ولأنه وقف في وجه سلسلة التفريط التي بدأت بما أسميها مفاوضات السلام, عند بعض الثوابت على الأقل ولم يرض التفريط بها.

ولكنه حين يبدأ التفريط بأهم الثوابت فإن الشعب الفلسطيني سيسقطه كما أسقط غيره. ولعل في ما حدث لأبومازن عبرة لعرفات, فما كان مطلوباً من أبومازن أقل مما هو مطلوب من عرفات الآن، على الأقل في ظاهر الأمر.

فعندما جيء بأبومازن لم تكن مخططات شارون قد تكشفت كما هي الآن, وكان بالإمكان على الأقل أن يحتج من يضع يده بيد شارون بأنه تم الغدر به وتضليله ونكث الوعود المقطوعة له.

أما الآن فإن كامل صورة المستقبل الذي يعدّه شارون لفلسطين مشروح بخرائط وشروط وإملاءات استعبادية للشعب الفلسطيني, لا تحمل في طياتها دولة ولا سلاماً ولا حتى الأمان لليلة واحدة.


المستقبل الذي يعدّه شارون لفلسطين مشروح بخرائط وبشروط وإملاءات استعبادية للشعب الفلسطيني, لا تحمل في طياتها لا دولة ولا سلاماً ولا حتى الأمان لليلة واحدة
فإعادة الاجتياح والاعتقال والقتل والاغتيالات منصوص عليها في بنود خطة شارون للفصل وما يقترحه معها وفي متنها من حلول دائمة, وذلك في إبقاء باب الحفاظ على الأمن الإسرائيلي مفتوحاً, وحتى النص على حق القيام بعمليات في الأجواء والمياه الفلسطينية, وفي البر حيث يلزم!!

وكمثال نورد عبارات "إعادة الانتشار" حول المستوطنات التي يتم الانسحاب منها, وعدم بقاء أي وجود أمني "ثابت أو دائم" في كل مرة يتم فيها ذكر انسحاب أو إخلاء لمستوطنة أو منطقة محتلة، مما يعني أن الوجود "المتقطع" وارد بل هو منصوص عليه في خطة الفصل في احتفاظ إسرائيل بحقها فيما تسميه "بالدفاع عن النفس, بما في ذلك القيام بخطوات مانعة وكذلك بالرد من خلال استخدام القوة ضد التهديدات التي ستنشأ في المنطقة. ولاحظ عبارة "ستنشأ" وليس "قد تنشأ", وكلمة "مانعة" التي هي رديف "الاستباقية" الأميركية التي رأيناها في الحرب الاحتلالية لأفغانستان والعراق!!

هذا بالضبط ما يقدمه شارون "جغرافيا " على الأرض, ولكن ما يطلب من العالم الاعتراف له به هو الأخطر, وهو إلغاء "الحق التاريخي" للفلسطينيين في فلسطين, وهو ما أعطته له أميركا ممثلة بإدارة بوش، وهو للأسف ما تطوع عرفات كعادته في الاندفاع بأكثر مما يتطلب أي موقف في إظهار الود للأعداء (تذكرون يده التي تركها رابين معلقة أمام العالم مظهراً تعففه عن مصافحتها في حديقة البيت الأبيض) حين أسقط حق العودة للفلسطينيين أمام مندوب صحيفة هآرتس قبل أيام!! فما سأله عنه مندوب الصحيفة هو عما إذا كان "يتفهم أن تبقى إسرائيل دولة يهودية".

ولكن عرفات لم يتوقف عند حد "التفهم", بل "أكد" حقها في ذلك، مدعياً أن المجلس الوطني الفلسطيني وافق على ذلك "رسمياً وبشكل علني" في اجتماعه في الجزائر عام 1988.

هذا مع أن المجلس الوطني أقر حق إسرائيل في العيش "داخل حدود آمنة" ولم يشر إلى الطابع اليهودي للدولة. ويندفع عرفات أكثر لينزع أيضاً عن غيره من القياديين الفلسطينيين -حتى أولئك الموجودين خارج المجلس الوطني الفلسطيني- حقهم في رفض هذا التنازل الممتزج بتزوير للحقائق التاريخية.

فعرفات أكد لهآرتس أنه لا يمكن لأي قيادي فلسطيني التنكر لحق إسرائيل في الوجود بتهربه من قرار المجلس الوطني!!! وما ينساه أو يتناساه عرفات هنا، إضافة إلى غياب أي حق "تاريخي" للصهاينة الذين لا تربط غالبيتهم الساحقة أية صلة باليهود الذين سكنوا فلسطين "العربية" قبل ثلاثة آلاف عام -في الأرض التي اغتصبوها حينها أيضاً من أهلها- هو أن إسرائيل هي التي لا يمكنها الادعاء بحقها في الوجود -والذي أسبغته عليها الأمم المتحدة عام 1947- دون التزامها بالشرط الأساسي الذي اشترطته المنظمة الدولية عليها حينها, وهو قبولها بالقرار رقم 194 الذي ينص على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم, إضافة إلى تعويضهم عما لحق بهم من أضرار بسبب التهجير.

وقد قبلت إسرائيل بهذا الشرط وهي التي لا يمكنها "التنكر" لهذا الحق دون التنكر لشرعية وجودها "الدولية", في حين يظل الزعماء الفلسطينيون زعماء بشرعية الدعم الشعبي لهم, سواء اعتقدوا بحق إسرائيل في الوجود أم لا, ولا يحتاجون إلى شرعية لا من عرفات ولا من المجلس الوطني ولا حتى من المنظمة الدولية!!

هذه بعض مغالطات عرفات التاريخية والقانونية الدولية في حديثه ذاك, ولكنها ليست كل مغالطاته!! فهو يقول إن "المجلس الوطني الفلسطيني يمثل الفلسطينيين في العالم أجمع", ثم يقول إن غالبية الأربعة ملايين لاجئ لا يريدون العودة!! فمن أين له هذان اليقينان؟؟

أولاً- المجلس الوطني يتألف من ممثلين عن فصائل المقاومة الفلسطينية, إضافة إلى ممثلين عن هيئات تطوعية كاتحادات الطلبة والشباب والمرأة وغيرها, وأعضاء "مستقلين" معينين توافقياً من الفصائل ومن بقية أعضاء المجلس, وليس للمجلس سقف عددي لأنه غير تمثيلي بالمعنى التقني.

وإذا كان يمكن اعتبار تشكيلة كهذه ممثلة للشعب الفلسطيني في غياب آليات الانتخاب السياسي الصحيح, وتم الرضا بها أو السكوت عنها في فترة كان المجلس يمثل مظلة للتنسيق النضالي للتحرير واستعادة الحقوق المسلوبة, فإن اعتباره كذلك في وقت يمكن فيه إجراء انتخابات واستفتاءات, وبعد كل الانقسامات والاستقالات و"التطفيش" الذي مورس على العديد من أعضائه, ولأغراض التنازل عن حقوق الفلسطينيين, يصبح أمراً غير معقول ولا مقبول إلا في قاموس الدكتاتوريات!!

فعندما تطرأ أحداث مصيرية -حتى المجالس النيابية المنتخبة ديمقراطياً وفي فترة قريبة من الحدث- يتم تجاوزها إلى الاستفتاء الشعبي, فكيف بحق العودة الذي هو حق شخصي لكل لاجئ ويرثه عنه أبناؤه, ولا يسقط عنهم حتى لو أسقط الأب حقه!!

ثانياً- سقوط المجلس الوطني بعد أن حظي بتوافقية عالية -ولا أقول شرعية تمثيلية- لعقود, كان بالذات بعد استخلاص عدد من التنازلات منه في الاجتماع السيئ الذكر في غزة عام 1996, والذي يستشهد به عرفات في حديثه ليضفي مصداقية على قوله مع أن في هذا مغالطة تاريخية ثانية, فالمجلس رغم كل ما اقترفه يومها لم يقل "بدولة يهودية" كما يزعم عرفات. ولعل الشيء الوحيد الذي يطمع عرفات في تعزيز دوره بالتذكير به, هو وجود كلينتون في ذلك الاجتماع.


إذا تذكرنا التنازلات التي قدمها عرفات لرئيس أميركي في نهاية دورته الثانية, فإننا ندرك أكثر فأكثر مجانيتها وعبثيتها, لكونها أرست الحد الأدنى الذي لن يقبل بأقل منه أي رئيس جديد
وهذا ما نستذكره نحن بخجل, فحجم التفخيم الذي أعطي لكلينتون لا يزيد عليه سوى حجم التنازلات, وكلاهما قضيا على المجلس شعبياً قضاء تاماً. وإذا تذكرنا أن مثل هذه التنازلات قدمت لرئيس أميركي في نهاية دورته الثانية, فإننا ندرك أكثر فأكثر مجانيتها وعبثيتها بل وضررها لكونها أرست الحد الأدنى الذي لن يقبل بأقل منه أي رئيس جديد, وحتماً سيسعى لا لمكافأة الفلسطينيين عليه وإنما للتفوق على سلفه باستخلاص تنازلات أكبر.

وقد فعل خلفه هذا ونجح للأسف, وها هو التنازل المجاني الأكبر يأتي من الزعيم الفلسطيني الأول (على الأقل حتى لحظة تصريحه هذا), وفي خضم انتخابات رئاسية لا تبدو ميسرة أمام الإدارة الأميركية الحالية, وإن تيسّرت لا تؤمًل بخير بعد وعود بوش لشارون وتأييده المطلق له!! أما كان من الأفضل العمل بحكمة "أن السكوت من ذهب", وانتظار إدارة جديدة قد تعود عن التزامات بوش التي أطلقها بالجملة, إن ثبت أنها غير مقبولة ولا تؤدي إلى تسوية لا مؤقتة ولا دائمة؟!!

ومع علم الجميع بأن ما قدم لكلينتون لم ينتج شيئاً, وهذا ليس رأيي الشخصي, وإنما أستشهد هنا بعدد كبير من المسؤولين في السلطة الفلسطينية الذين خرجوا علينا مؤخراً بحقائق ما عرضه عليهم كلينتون في كامب ديفد ثم طابا لتبرير رفضهم له. فإن التنازلات لكلينتون في غزة كانت مجانية حتى قبل طابا, لأن "المكتوب يقرأ من عنوانه" كما يقول المثل الشعبي العربي. وعنوان كلينتون كان في قلب أكبر تكتل لقوى الصهيونية العالمية في القوة الكبرى بالعالم.

فالذي أسقط بوش الأب في انتخابات عام 1992 لصالح كلينتون هو اللوبي اليهودي -حسب عدد كبير من المحللين السياسيين- وبشهادة الصحفي اليهودي المعروف ج. غولدبيرغ في كتابه "القوة اليهودية" الذي أصدره عام 1996, وذلك بسبب دعوة بوش هو ووزير خارجيته جيمس بيكر إلى ممارسة ضغوط محدودة على إسرائيل.

هذا رغم كل ما قدمته إدارة بوش للصهيونية بما فيه العدوان الثلاثيني على العراق والذي تمت حماية إسرائيل أثناءه بدل إشراكها في التحالف (عبء إضافي كبير في زمن الحرب) الذي كان يضم دولا صغيرة بلا حول ولا طول, لمجرد زيادة العدد. ثم حصار العراق الذي طمأن إسرائيل تجاه أكبر مخاوفها, وبدأ بتدمير آخر معقل عسكري وتكنولوجي وسياسي عربي كانت تخشاه!!

وفي عهد كلينتون ازداد النفوذ اليهودي في الإدارة الأميركية بشكل غير مسبوق. فعلى سبيل العينة نذكّر بأن نسبة اليهود إلى سكان أميركا هي 2%, ومع ذلك نجد أن أربعة من وزراء كلينتون كانوا يهوداً بمن فيهم وزراء الخارجية والدفاع والمالية, إضافة إلى مساعدي وزيري الخارجية والمالية, ونائب وزير الخارجية لشؤون أوروبا, ونائب وزير الخارجية المفوض, ومديرة القسم السياسي لوزارة الخارجية, ورئيس البنك المركزي ونائبه, ورئيس المجلس الاقتصادي القومي الأعلى, والممثلة التجارية الأميركية المعنية بملف التجارة الخارجية, ورئيسة مجلس المستشارين الاقتصاديين, ورئيس ومفوض مجلس الأمن القومي وثلاثة من أعضاء المجلس, والمستشار السياسي الرئيسي للرئيس إضافة إلى عدد من المستشارين للرئيس وللبيت الأبيض لا يقل عن خمسة, ومحامي الرئيس ذاته, وقائمة طويلة لا نغفل منها المبعوث الخاص إلى الشرق الوسط دينس روس, ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية جورج تينيت. وحتى هيلاري كلينتون أحيطت بمستشارين ومساعدين يهود, لهذا فقد "لحست" تصريحها بالتعاطف مع معاناة الأسر الفلسطينية أثناء زيارتها مع زوجها إلى غزة, وهي بعد في الأجواء الفلسطينية!!

فلمن قدم عرفات تنازله الذي يفخر به ويزيد عليه فوق حقيقته, وبمن يستقوي وعلى من؟؟ من الذي ينبغي أن يخشاه إن كان الأمر خشية تهديدات؟ وإن كان طموحاً أين يجب أن يبحث الآن بالذات -في نهاية العمر الآفل- عن الرضا؟؟ رضا الأميركان واليهود أم رضا أربعة ملايين فلسطيني مهجرين في أصقاع الأرض, وما يقرب من أربعة ملايين آخرين من الصامدين على أرض فلسطين, الذين يجري الإعداد لتهجيرهم بأكثر من وسيلة, ليس القتل الجماعي وتقطيع شتات الأسر والأرض بالجدار الأمني إلا بعضها الظاهر؟؟

مزاعم الصهيونية لجلب التأييد العالمي لقيام إسرائيل تتلخص في أن فلسطين أرض اليهود, وأنها بخروجهم منها أصبحت أرضاً بلا شعب, ولهذا فإن عودتهم إليها أمر طبيعي وإعادة شعب إلى وطنه, وبالتالي فإن المطالبة بحق العودة للاجئين الفلسطينيين, مع ما يتبعه من عرض حقائق أمام العالم, يسقط العمود الفقري الذي قامت عليه الدعاوى الصهيونية في فلسطين.


تفهم عرفات لمخاوف إسرائيل من واقع الحال الديمغرافي على الأرض لا يقف عند إلغاء حق العودة "التاريخي" لملايين الفلسطينيين المهجّرين, وإنما يعني إلغاء هوية وتاريخ شعب بأسره
وما تخشاه إسرائيل الآن بعدما انتقلت من التعذر بالشرعية التاريخية والدينية إلى التعذر "بالأمر الواقع على الأرض"، هو وجود أغلبية سكانية فلسطينية في الضفة المحتلة, وأغلبية فلسطينية في ما يسمى إسرائيل لو تمت لمن يرغب من المهجرين في العودة إلى أرضهم. وحتى لو لم تعد أعداد كبيرة الآن, فإن الزيادة السكانية بين العرب تشير إلى أنهم سيصبحون الأغلبية في إسرائيل قريباً.

ومن هنا فإن معنى "تفهم" عرفات لمخاوف إسرائيل من "واقع الحال الديمغرافي على الأرض", لا يقف عند ما ذكرناه من إلغاء حق العودة "التاريخي" لملايين الفلسطينيين المهجّرين, بل يعني إلغاء هوية وتاريخ شعب بأسره. والقفز تطوعاً إلى إعطاء شرعية لكون دولة إسرائيل "يهودية" معناه نزع المواطنة عن كل عربي فيها وإعطاء موافقة على البدء بحملة جديدة من التهجير القسري (الترانسفير) لعرب فلسطين 1948!!

فهل يساوي كل هذا عودة "الختيار" إلى دائرة الرضا الصهيوأميركي كرئيس على مساحة "جغرافية" من أرض الضفة والقطاع لا تزيد عن مساحة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي نصبت لهم في أكثر من وطن مضيف أو بديل, مساحة مشتتة الأوصال معزولة عن بعضها كتلك المخيمات, لبضع سنوات أو بضعة أشهر متبقية من حياته, أم أن الأفضل هو حسن الختام؟؟

سبق أن نبهنا الرئيس عرفات إلى مصير أبومازن, ولكن ربما كان الأجدى أن نذكّره بمصير السادات. فقصة الأخير أقرب إلى الحال التي دخل فيها عرفات منذ أوسلو, والتي أوغل فيها دونما أدنى متطلبات الحكمة والحذر, حين أطلق تصريحاته تلك على صفحات هآرتس. فالسادات لم تشفع له مساحة مماثلة من الجغرافيا العربية حين قايضها بحقوق تاريخية للأمة!!
________
كاتبة أردنية

المصدر : غير معروف