بقلم/ إلياس حنا*

قبل 11 أيلول، كانت أميركا قويّة كما هي الآن. لكنها لم تكن جشعة لمزيد من الهيمنة. بعد 11 أيلول، تماهت القوة مع الجشع وأصبحت أميركا عدائيّة جداً. يقول المفكّرون الصينيون الاستراتيجيّون إنه لا يمكن للعالم أن يكون أحادي القطب. فلا بد من قيام تعدّديّة عالميّة. وهم يصفون الواقع الأميركي الحالي بأنه وصل إلى مرحلة مأسسة الهيمنة على العالم. فأميركا مرّت بمرحلة قيامها كدولة-أمّة، إلى مرحلة تثبيت نفسها كدولة كبرى بين دول متعدّدة، إلى المرحلة الحاليّة حيث تتفرّد بمصير العالم. لكن هذا الواقع سوف لن يدوم، لأنه يعاكس سنن التاريخ.


أميركا الأقوى في العالم، والأكثر قدرة على التدخل عسكريا أينما كان. لكن وضعها الأمني هو الأكثر معطوبية
تحتار أميركا في معرفة من أين تبدأ في حربها على الإرهاب. فما أن تنتهي من حرب محدودة، حتى يعود الإرهاب ليطل برأسه. تكمن معضلة أميركا في أنها الأكثر قدرة في العالم، لكنها أيضا الأكثر معطوبيّة أيضا. وقد يقودنا هذا الأمر إلى ما كتب عنه المفكّر السياسي الأميركي روبرت جرفيس حول مفهوم المعضلة الأمنيّة ( Security Dilemma). يقوم هذا المفهوم على ما يلي: كلما شعرت دولة ما أن أمنها مهدّد، سعت هذه الدولة إلى تحسين وضعها الأمني. إن تحسين وضعها الأمني، حتى ولو كان لأهداف دفاعيّة سوف يجعل الدول الأخرى تشعر أن أمنها مهدّد، فتسعى أيضا إلى تحسين وضعها الأمني، وهكذا دواليك. لكن الأكيد أنه كلما تم تحسين الوضع الأمني لأية دولة، شعرت هذه الدولة أن درجة معطوبيتها ارتفعت أيضا. يمكننا في هذا الإطار أن نلاحظ الوضع الأميركي التالي: أميركا الأقوى في العالم، والأكثر قدرة على التدخل عسكريا أينما كان. لكن وضعها الأمني هو الأكثر معطوبية. فهي وبمجرّد أن تتعرض لأي حادث بسيط، فقد يعني هذا الأمر المزيد من التدابير الأمنيّة، ليرتفع معه مستوى المعطوبية.

لا تعرف أميركا من تفاوض لوقف الإرهاب، كما لا تنفع قدرتها الردعيّة مع هذا الإرهاب. في الحرب الباردة، كان الاتحاد السوفياتي عدوا عقلانيا يمكن ردعه، وكان يحب الحياة ولديه درجة من المعطوبية. مع الإرهاب، لا حب للحياة إلا في جنان الله. يسبّب الإرهاب لأميركا أزمة ثقة بالنفس. فما أن يعلن الرئيس بوش على ظهر حاملة الطائرات وقف العمليات العسكرية في العراق، حتى يعود إلى نقطة الصفر في حربه على الإرهاب.

تخوض أميركا معاركها العسكرية والسياسية باتجاهات ثلاث: الأول، منع قيام أية دولة، أو تحالف منافس لها. وقد يؤدي هذا الأمر إلى الحرب الشاملة. ثانيا، ضرب أية دولة ترعى أو تمول أو تدعم الإرهاب. يندرج هذا الوضع في خانة الحروب المحدودة (أفغانستان والعراق). ثالثا، ملاحقة المنظمات الإرهابية أينما كانت. ويطلق على هذه الملاحقات الميكرو-حروب. ويتساءل المحللون في هذا الوضع عن إمكانية انتصار الديموقراطيات في الحروب الصغيرة، خاصة أن أميركا لديها تجارب في هذا النوع من الحروب وكانت قد فشلت فيه، تندرج فيتنام في قمة هذه الحروب.

تزامنت التفجيرات في كل من الشيشان، الرياض والدار البيضاء. والعامل المشترك بينها كلها، أنها إرهابية. هذا بالطبع مع الاختلاف في الظروف وطريقة التنفيذ. في الشيشان الهدف هو استقلال المسلمين عن روسيا. وترفض روسيا هذا الأمر، فيقاوم الشيشانيون، فيصفهم بوتين بالإرهابيين ويطلب دعم أميركا بسبب تقاطع المصالح. بالاضافة إلى التفجيرات، هناك خوف من عمليات إرهابية في كل من كينيا ولبنان بعد أن أعلنت السلطات اللبنانية إحباط المحاولات الإرهابية. لكن الأمر في الرياض والدار البيضاء مختلف. فماذا عنهما؟

السعوديّة


يعرف تنظيم القاعدة أنه سيكون الهدف المستقبلي لقوات الأمن السعوديّة، لذلك كان الاستباق. يريد تنظيم القاعدة تقويض النظام السياسي في المملكة، عبر إظهاره عاجزا

تشير التحليلات إلى أن التفجيرات التي حصلت في الرياض هي من عمل تنظيم القاعدة. فالأسلوب هو هو، انتحاريون يقتحمون أهدافهم لتدميرها غير عابئين بالنتائج. إذا ما سلمنا أن العمل هو من تنفيذ القاعدة، فلماذا السعوديّة؟

  • تعتبر السعودية البلد الأساسي الذي انطلق منه زعيم تنظيم القاعدة. وتعتبر أيضا ملاذا آمنا لعناصره. ويمكن للمؤمنين به أن ينفذوا مباشرة كل فتاواه حول ضرب الكفار لإخراجهم من جزيرة الإسلام. في السعوديّة، يمكن لخلايا القاعدة أن تتحرّك بحريّة كبرى، كما أن الأهداف متوفّرة بكثرة. فهي وإن لم تكن غربية، فالأهداف السعوديّة الرسمية متوفرة.
  • بالرغم من بدء خروج القوات الأميركية من المملكة، يعرف تنظيم القاعدة أنه سيكون الهدف المستقبلي لقوات الأمن السعوديّة، لذلك كان الاستباق. يريد تنظيم القاعدة تقويض النظام السياسي في المملكة، عبر إظهاره عاجزا.
  • من خلال عمليات التفجير في المملكة، يهدف تنظيم القاعدة إلى ضرب العلاقات الأميركية-السعودية.

ما تفسير هذه التفجيرات؟
إذا كانت القاعدة هي المنفذة فعليا فهذا يعني الأمور التالية:

  • أن التنظيم حي يرزق، وأنه استعاد دوره بعد أن وصلت الحملة عليه بعد أفغانستان والعراق إلى ذروتها.
  • أثبت التنظيم أنه من الصعب التنصت عليه وخرقه استخباريا، وإلا فما معنى نجاحه الأخير؟ كما أثبت أنه قادر على التنفيذ حتى ولو توفرت لأميركا معلومات معينة.
  • أثبت التنظيم أنه استعاد ترتيبه القيادي، وأصبح قادرا على القيام بعملياته المعهودة. وهذا يعني بالطبع استعادته لإمكاناته المادية. باختصار أصبح لديه غرفة عمليات جديدة، مع قيادات جديدة.

ما الجديد في هذه العمليات؟
لم تكن هذه العمليات بالحجم السابق لعمليات القاعدة. فهي استهدفت أهدافا ثانويّة طريّة كما يقال Soft Targets. وهي تبدو كأنها عمليات لإثبات الوجود. لذلك نتساءل هنا، هل هناك استراتيجيّة جديدة للقاعدة، أم أن هذه العمليات أتت بما توفّر، وكيفما كان؟ هل هي من تخطيط وتنفيذ القيادة العليا الأساسية في القاعدة، أم أنها من عمل الصف الثاني في القيادة وبمبادرة منه؟

هل يمكن لتنظيم آخر القيام بهذا النوع من العمليات؟
ممكن، لأنه أصبح من السهل القيام بهذه العمليات. فهي لا تستلزم وسائل معقدة جدا. إنها سلاح الضعيف ضد القوي. كما أن التجارب السابقة أصبحت ماثلة للعيان تبث على شاشات التلفزة. لكن الأكيد، أن العمليات التي نفذت في الرياض، تستلزم عملا متخصصا. لذلك هي ليست من عمل أناس عاديين، لأن المطلوب لتنفيذ هذه العمليات المعقدة تخطيطا واستعلاما من الطراز الأول.

ما الدروس المستفادة سعوديا؟
تندرج الدروس المستفادة في ما ورد في المؤتمر الصحفي الذي عقده مستشار الأمير عبد الله عادل الجبير. فماذا عنه؟

  • أعلن المستشار بصراحة عن تقصير السعودية في بعض النواحي، كما دافع عن بعض الأمور.
  • الجديد في الأمر هو في "العلنية" التي لم نتعوّد عليها في الأمور الداخلية والتي تتعلّق بالمملكة. وقد بدا الأمر كأن الرسائل السعودية موجهة إلى الإرهابيين، وإلى الرأي العام الأميركي والكونغرس.
  • وردت في المؤتمر أمور تتعلق بالمصالح المشتركة بين أميركا والمملكة، فالعدو المشترك هو القاعدة والإرهاب دون شك. كما وردت في المؤتمر وعود بتغييرات جذرية مقبلة تتعلق بالتعليم والاقتصاد وما شابه ذلك.
  • يدل المؤتمر على أن السعودية سوف تشهد في المستقبل القريب إعادة ترتيب داخلية مهمة على رأسها الأمور الأمنية.

الدار البيضاء
شهد المغرب عمليات إرهابية سابقة. وهو البلد العربي الوحيد الذي يقيم علاقات مع إسرائيل، ولديه جالية يهودية كبيرة في نفس الوقت. وقعت التفجيرات قرب مصالح تتعلق بكل من: اليهود، بلجيكا وإسبانيا.

وتختلف التفجيرات في المغرب عنها في السعودية، وذلك لأن الأهداف المقصودة لا علاقة لها مباشرة بالمصالح الأميركية. فبلجيكا كانت ضد الحرب على العراق. إسبانيا كانت معها، لكنها لم تشارك فعليا. هذا مع العلم أن كل الضحايا هم من المغاربة المسلمين الأبرياء. لم تكن كل التفجيرات في المغرب من عمل انتحاريين، بل كان هناك سيارات مفخخة. ماذا تعني هذه الأمور؟

  • قد يعني هذا الأمر أن العمل قد لا يكون من صنع القاعدة. وقد يوضع في خانة الصراع القائم على الصحراء الغربية مع عناصر البوليساريو.
  • قد تعني طبيعة الأهداف المستهدفة وتؤكّد ما قلناه أعلاه، من أن القاعدة مستعجلة لإثبات وجودها، وقد صارت تختار الأهداف الأسهل، وكيفما كان.
  • إذا كان العمل من صنع القاعدة، فهذا يعني أن القاعدة أصبحت قادرة على العمل في إطار قاري، وحتى دولي.
  • الهدف من التفجير في الدار البيضاء هو توسيع رقعة القلق والاهتمام أمام أميركا لإظهارها عاجزة.
  • قد يعني أيضا هذا الأمر أن القاعدة كالعادة تستهدف الأهداف الطريّة، حيث التركيز الأمني هو الأقل. وقد يعني أيضا أن حريّة حركة القاعدة أصبحت محدودة تقريبا. وإلا فما معنى اختيار كينيا؟

هل هناك تفسير آخر للتفجيرات في المغرب؟


إن هذه التفجيرات سوف تزيد الضغوطات على العرب والمسلمين وسوف تُستهدف المجتمعات العربية-الإسلامية في خصوصياتها الحضارية والدينية أكثر فأكثر
لأن طريقة التفجير تختلف عن أسلوب القاعدة. ولأن المصالح الأميركية لم تكن مقصودة مباشرة، يمكننا التكهن بما يلي مع محاولتنا الابتعاد قدر الإمكان عن السقوط في فخ نظرية المؤامرة:

  • المقصود من التفجير هو النظام المغربي، أو بالأحرى الاقتصاد المغربي. فالمغرب هو في انتظار توقيع اتفاق التجارة الحرة مع أميركا، الأمر الذي يفتح عليه إمكانية تدفق رؤوس الأموال الأجنبية. الخلل الأمني، يبعد الأموال.
  • المقصود من التفجير هو وضع الكثير من الضغوطات الأميركية على الأنظمة العربية، وإبعاد أميركا عنها. أي ضرب الصداقات العربية-الأميركية.
  • الهدف من التفجيرات قرب التجمعات اليهودية، قد يضع المزيد من الضغوطات على الجالية اليهودية لتشعر أنها ليست آمنة، فتفتح بذلك طريق الهجرة إلى إسرائيل. وبذلك قد يتحقق حلم شارون باستقدام مليون مهاجر يهودي جديد على عهده.

من خلال هذا العرض الموجز، هل يمكن استبعاد تورّط الموساد الإسرائيلي؟ هل هذه التفجيرات مفيدة للقضية العربية؟

إن هذه التفجيرات سوف تزيد الضغوطات على العرب بشكل عام، والمسلمين بشكل خاص. وسوف تُستهدف المجتمعات العربية-الإسلامية في خصوصياتها الحضارية والدينية أكثر فأكثر. وهي ستقرّب أوروبا الممانعة للهيمنة الأميركية، خاصة فرنسا وألمانيا إلى أميركا المهيمنة.

في الختام، وإذا كانت كل هذه التفجيرات من صنع القاعدة، يبقى على الشيخ أسامة بن لادن أن يطل علينا بشريط جديد يعلن فيه مسؤوليته، فيكون بذلك يستهلك صورة ورصيد الرئيس بوش.
ـــــــــــــــــ
* كاتب وباحث، عميد شؤون الطلاب في جامعة السيدة لويزة NDU، ومحاضر، وعميد ركن متقاعد.

المصدر : غير معروف