بقلم/ د. برهان غليون*

بقدر ما ساهم نظام القطبية الثنائية وما رافقه من استقطاب دولي في الحقبة السابقة في تجميد النزاعات أو بالأحرى تقنينها والحد منها بسبب ما تميز به من توازن في الرعب، أدى سقوط جدار برلين وما تبعه من انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية إلى فتح التاريخ أمام حقبة من النزاعات الكبرى ناجمة عن نزوع الدول العظمى، لإعادة ترتيب الأوضاع حسب مصالحها الخاصة وفي مقدمة هذه الدول الولايات المتحدة الأميركية.

ويتناقض هذا التوجه مع ما ذهب إليه صاحب نظرية نهاية التاريخ التي تعني أن النزاعات التاريخية -أي التي تقرر مصير البشرية- قد أصبحت من الماضي بقدر ما كرس سقوط الكتلة الشيوعية انتصار الليبرالية، حتى لو استمرت بعض المقاومات غير المتسقة مثل مقاومة الإسلام التقليدي في الوجود. فنهاية الصراع بين الليبرالية والشيوعية لم تزل أسباب النزاعات الدولية، بقدر ما أدخلت العالم في دينامية صراعية جديدة يغلب عليها طابع حصول النزاعات من داخل النظام الموحد أو المندمج نفسه.


أدى تفجير النظام السابق إلى خلخلة التوازنات الدولية والإقليمية والوطنية كلها، كما عمل زوال الشيوعية والخوف المشترك المرافق لها على بروز التناقضات التي كانت ثانوية في السابق إلى السطح وفضح التفاوت الفاحش في النمو ومستويات المعيشة والحياة بصورة لم يسبق لها مثيل
وهذا ما يسعى إلى التعبير عنه مفهوم الإمبراطورية الذي شاع استخدامه اليوم من قبل منظري العلاقات الدولية. وأكثر فأكثر يبدو العالم وكأنه مرجل يغلي بالصراعات والنزاعات. فقد أدى تفجير النظام السابق إلى خلخلة التوازنات الدولية والإقليمية والوطنية كلها، كما عمل زوال الشيوعية والخوف المشترك المرافق لها على بروز التناقضات التي كانت ثانوية في السابق إلى السطح، وفضح التفاوت الفاحش في النمو ومستويات المعيشة والحياة بصورة لم يسبق لها مثيل، على مستوى الكرة الأرضية وفي داخل التكوينات الوطنية والإقليمية ذاتها.

لا شك أن انهيار الشيوعية كنمط تنظيم مجتمعي قد فتح المجال أمام التعميم الواسع لنمط الإدارة الاقتصادية الليبرالية أو لاقتصاد السوق. إلا أن ذلك لا يعني خمود النزاعات الدولية والداخلية ولا جفاف ينابيعها داخل الرأسمالية ذاتها. فلم يكن سبب نشوء الشيوعية ذاتها شيئا آخر سوى تناقضات الرأسمالية الداخلية وآثارها الاجتماعية. وربما لن نخطئ إذا قلنا إن الرأسمالية الليبرالية التي واجهت العديد من الأزمات الاقتصادية الدورية في الماضي، تتجه اليوم نحو مواجهة أول أزمة من طبيعة بنيوية وتاريخية. وليست المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها الرأسمالية اليوم وفي مقدمتها انهيار الأسواق المالية وتراجع مردود الاستثمار، إلا النتيجة المباشرة لهذه الأزمة البنيوية الناجمة عن تفاقم التناقضات داخل النظام بعد أن أصبح نظاما عالميا واحدا يستحيل ضبط دينامياته، كما كان يحصل في عصر الرأسماليات الوطنية، في الوقت الذي يتزايد فيه الوعي بانعدام وجود حلول محتملة ومنظورة لهذه التناقضات، وفي مقدمتها التنمية البشرية التي تعاني من غيابها ثلاثة أرباع الإنسانية.

ولم تبد آثار التدمير المنظم الذي أحدثته الليبرالية الاقتصادية أي الرأسمالية في المجتمع العالمي عميقة وشاملة في أي حقبة سابقة كما هي عليه اليوم. فالأزمة لا تتعلق اليوم برأسماليات أو بأسواق مالية وطنية ولا حتى بالرأسمالية من حيث هي دينامية تراكم رأسمالي وآليات استثمار، ولكن من حيث هي نموذج في إدارة الموارد البشرية والمادية معا، أي أنها تتعلق بالأسس الفلسفية والمجتمعية والسياسية والإستراتيجية العميقة للنظام وليس فقط بآليات عمله الاقتصادية.

ونستطيع أن نقول ببساطة إن تعميم نموذج الرأسمالية الليبرالية الذي أشار إليه عن حق فوكوياما لم يكن تعبيرا عن الانتصار النهائي لها. ولكنه كان المفجر الفعلي لأزمتها التاريخية، أي بداية العملية الطويلة لوضع صدقيتها وصلاحية سياساتها وبالتالي شرعية وجودها موضع الشك والتساؤل لدى الرأي العام العالمي. فلأول مرة توضع الرأسمالية على المحك كإطار لإدارة الموارد العالمية المادية والبشرية معا، ولأول مرة تحول الشعوب آمالها في العدالة والحرية والأخوة التي علقتها على الاشتراكية والشيوعية نحو الليبرالية ورأسمالية السوق.


إذا استمرت الأمور على ما هي عليه من تنافس معمم على السيطرة واستغلال الموارد بالمنطق القومي للدول الأقوى، فلن يكون بإمكان النظام الليبرالي العالمي الجديد الاستجابة لأي مطلب من المطالب البشرية المتوحدة
وإذا استمرت الأمور على ما هي عليه من تنافس معمم على السيطرة واستغلال الموارد بالمنطق القومي للدول الأقوى، فلن يكون بإمكان النظام الليبرالي العالمي الجديد الاستجابة لأي مطلب من المطالب البشرية المتوحدة. ولن تشهد العقود القادمة بالتأكيد تزايد الاعتقاد بصلاح النموذج الرأسمالي، ولكن العكس تماما: الاقتناع المتزايد بأن هذا النموذج من التسيير والحكم والإدارة والاستثمار لا يحمل أي حلول ممكنة للمشاكل العالمية المتفاقمة الكثيرة. وفي هذه الحالة لن تكون الحرب العالمية المعلنة ضد الإرهاب والتي جعلت منها الإدارة الأميركية عقيدة سياسية وإستراتيجية دولية، سوى وسيلة لحرف النظر عن الأسئلة المصيرية التي يواجهها تعميم النموذج الرأسمالي الليبرالي وما يجر إليه من تدمير منظم للمجتمعات والتوازنات العالمية.

بالتأكيد زادت سيطرة الرأسمالية ومن ورائها سيطرة الولايات المتحدة التي تشكل اليوم مركزها الأقوى على المصائر العالمية، لكن ينبغي أن نميز بين السيطرة والانتصار. فمن الممكن للزيادة في السيطرة والانتشار أن تدفع القوة المسيطرة إلى التفكك بسبب المهام والتحديات الجديدة التي يثيرها هذا الانتشار المتزايد والبسط في النفوذ. وفي هذه الحالة قد يشكل التوسع فخا لنظام الرأسمالية المعولم أكثر مما يمثل فرصة لإنقاذه. وقد يخلق هذا التوسع المتزايد شروط تقويض الأسس التي يقوم عليها النظام بدل أن يعزز قواعده، ويفتح بالتالي آفاقا جديدة أمام نشوء آليات تنظيم مختلف للعالم، وإن كان ذلك لا يمكن أن يأتي بشكل سريع ولا قابل للحساب والتنبؤ.

وما ينطبق على النموذج الرأسمالي ينطبق على مصير السيطرة الأميركية. فبالرغم من أن أحدا لا ينازع اليوم في حقيقة التفوق الأميركي في الميادين الإستراتيجية بل والاقتصادية والثقافية أيضا. إلا أنه ليس من الصحيح والثابت أن هذه السيطرة الأميركية قد تحولت إلى هيمنة عالمية، أو أن هذه الهيمنة قد استقرت أو أنها تملك فرص استقرارها. فالسيطرة التي تضمنها القوة يمكن أن تنقلب أيضا إلى وبال على القوة المسيطرة إذا لم تعرف كيف تحولها إلى رأسمال رمزي، أي كيف تجعل الخاضعين لها ينظرون إليها على أنها سيطرة إيجابية تحمل لهم منافع وتضمن لهم مصالح ليس من الممكن تحقيقها وضمانها بسيطرة أخرى. وهو أساس حصول الاقتناع عند الخاضعين لها بشرعيتها. ولا تتحقق هذه الشرعية إلا عندما تبدو السيطرة بالفعل كإطار ومصدر لبلورة حلول مشاكل وصراعات وتناقضات كبيرة غير ممكنة من دونها.

وبذلك يشعر الخاضعون أنهم بقبولهم لأسس السيطرة الجديدة لا يخسرون شيئا وإنما يضمنون مصالحهم أو جزءا مهما منها. ويحصل بذلك ما يشبه الشراكة غير المعلنة أو التفاهم وتقاسم المصالح بين القوى المسيطرة والقوى الخاضعة لها. وهذا التفاهم وما يعنيه من انصياع القوى الخاضعة وقبولها بقواعد العمل وبالتعامل الإيجابي مع القوى المسيطرة هو الذي يسمح للسيطرة بأن تدوم، ويوفر عليها التكاليف المادية والمعنوية الكبيرة للاستخدام المباشر والمستمر للقوة، أي هو الذي يجعل من السيطرة المادية هيمنة معنوية. ولا تتحقق مثل هذه الهيمنة طالما استمر المخضعون يعتقدون أن السيطرة عليهم لا تجلب لهم سوى المضار، وأنهم يستغلون ومواردهم الخاصة كأدوات لخدمة مصالح أخرى. وفي هذه الحالة ليست هناك وسيلة لإبقاء السيطرة إلا بالاستخدام المتزايد للقوة والقهر، إلى أن يصل الوضع إلى حالة تكون فيها تكاليف السيطرة على المسيطرين والمسيطر عليهم أكبر مما يمكن احتماله.

ربما كان هذا هو وضع الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس الراهن جورج بوش الابن، وإدارته التي لا شك في أنها سقطت ضحية غرور القوة والتفوق الإستراتيجي والعسكري. ولا يمكن لأي مراقب محايد ألا يلاحظ جنوح هذه الإدارة المتزايد إلى استخدام القوة والتهديد بها في كل مكان، وقطع الطريق على أي مفاوضات أو مناقشات دولية جدية حتى مع الحلفاء الرئيسيين التقليديين كالأوروبيين، واستسهال البطش بخصومها مهما كان حجمهم ووزنهم وعدم مراعاتها لأي مصالح اجتماعية أو وطنية أو إقليمية أخرى غير مصالحها القومية. وليس هناك أي شك في أن هذا الاستخدام الموسع للقوة والتأكيد على التفوق العسكري والإستراتيجي يفجر من النزاعات في العالم وعلى الصعد الإقليمية والوطنية أكثر مما يحل بكثير من التناقضات.

ويبرهن تفاقم هذه النزاعات التي تفجرها الإدارة الأميركية في صراعها من أجل السيطرة العالمية، إلى أي حد لا تزال الولايات المتحدة بعيدة جدا عن أن تحقق هيمنتها، أي أن تنقل سيطرتها المادية العالمية إلى مستوى السيطرة الرمزية المستبطنة والمقبولة بقناعة من قبل القوى الأخرى، بل إلى أي حد لا تزال بعيدة عن أن تؤكد سيطرتها العالمية.

في اعتقادي أن مثل هذه السيطرة أصبحت مستحيلة بسبب دينامية الاندماج العالمي من جهة، والتعدد اللانهائي للقوى ولمصادر القوة والمقاومة في هذا العالم نفسه أيضا.
بل ربما كان الدرس الرئيسي الذي ينبغي استخلاصه من خبرة سنوات الصراع القليلة الماضية منذ حرب الخليج الثانية، هو أن التفوق الإستراتيجي الساحق لم يعد يضمن بالضرورة -في عصر العولمة الذي نعيش- السيطرة حتى الإقليمية منها ومن باب أولى العالمية، وأنه لن يكون من الممكن لأي قوة وطنية أو إقليمية أو عالمية أن تصل إلى الهيمنة، أي أن تفرض جدول أعمال يستجيب أولا لمصالحها الأساسية، عن طريق استخدام القوة فحسب، ولا تستطيع تحقيق ذلك إلا بإبرازها تفوقها المعنوي، وفي هذه الحالة تتحول السيطرة إلى نفوذ أو قدرة على النفوذ المعنوي.


الهيمنة لم تعد مرتبطة في عالم اليوم المتفاعل والمتداخل بالقدرة على السيطرة والإخضاع أو بالقوة المادية بقدر ما أصبحت ترتبط بإظهار القدرة على القيادة أي بالقوة المعنوية السياسية والفكرية والقدرة على إبداع الحلول المفيدة والإيجابية للمشاكل الكبيرة التي خلفتها الحقب الماضية وتلك النابعة عن الاندماج العالمي الراهن
وهذا يعني أن الهيمنة لم تعد مرتبطة في عالم اليوم المتفاعل والمتداخل بالقدرة على السيطرة والإخضاع أو بالقوة المادية بقدر ما أصبحت ترتبط بإظهار القدرة على القيادة، أي بالقوة المعنوية السياسية والفكرية والقدرة على إبداع الحلول المفيدة والإيجابية للمشاكل الكبيرة التي خلفتها الحقب الماضية وتلك النابعة عن الاندماج العالمي الراهن.

يبدو لي أن مشكلة الإدارة الأميركية الحالية أنها لا تزال تفكر تفكيرا قوميا محضا، في الوقت الذي تطمح أن تلعب فيه دور القيادة العالمية. ومن هنا يتحول سعيها المشروع للقيادة -نظرا لموقع الولايات المتحدة وإمكاناتها وقدراتها المادية والعلمية والأخلاقية معا- إلى مشروع استعادة فجة لنموذج السيطرة الاستعمارية القديمة على العالم.

ولا شك عندي في أن غرور القوة وحده هو الذي يمنع الإدارة الأميركية الحالية من إدراك الطريق المسدود الذي تسير فيه لتأكيد قيادتها الدولية. وبينما يحتاج تأكيد مثل هذه القيادة إلى الإدراك العميق للمشاكل والمسؤوليات العالمية والمشاركة في حلها، لا تزال الإدارة في واشنطن تسعى وترى في هذه القيادة مجرد وسيلة لتعزيز دور الولايات المتحدة ومكانتها وضمان مصالحها القومية، من دون أي اعتبار لمصالح الآخرين أو لدورها في المساهمة في حل المشاكل العالمية. وهنا يكمن بالضبط مأزق الإستراتيجية الأميركية للهيمنة العالمية.

ففي غياب تكتل دولي فاعل لا توجد هناك أي قوة عالمية قادرة على تحييد الآثار التدميرية لسياسة القوة الأميركية الجامحة. فكما أن الولايات المتحدة الأميركية لا تزال تحتاج إلى جهد كبير وحروب كثيرة، قبل أن تدرك صعوبة تحقيق هيمنتها وفرض قيادتها على المجموعة الدولية بالأساليب الراهنة، لا تزال هناك في بقية أنحاء العالم وفي المجتمعات الصناعية الكبرى نفسها مصادر قوة كبيرة معنوية ومادية لمقاومة السيطرة الأميركية بالقوة والتصدي لسياساتها، حتى لو كان الكثير من هذه المقاومات يائسا أو غير قادر على كسر الجموح الأميركي.

ومن دون شك سيمر وقت طويل قبل أن تدرك الولايات المتحدة أن من الصعب إعادة ترتيب العالم، بالقوة وبالطريقة التي تسمح للولايات المتحدة بأن تكون هي الفاعل الوحيد والمنظم الرئيسي للعلاقات الدولية.

لكن الحديث عن هذا المأزق لا ينبغي أن يخفي عنا المشكلة التاريخية الحقيقية المطروحة على المجموعة الدولية، أعني أزمة القيادة العالمية. فبقدر ما أدى الاندماج العالمي المرتبط بالثورة العلمية والتقنية إلى تكوين إطار للتفاعل وللمصالح المشتركة بين جميع البلدان والمجتمعات، خلق شروط نشوء سياسة عالمية، أي قرار يخص المصير العالمي بأكمله.

وفي غياب أي آلية قانونية وسياسية وأخلاقية واضحة ومعروفة للتصدي للمصالح والمشكلات العالمية المشتركة وأخذها بالحسبان، ومنها مصالح تتعلق بحفظ الأمن وتحقيق التوازن بين الكتل البشرية وضمان التنمية البشرية في مواجهة تفاقم ظواهر الفقر والبطالة والهجرة والإحباط تحاول كل دولة على حسب قوتها، أن تستملك لنفسها ميدان السياسة العالمية وتحل المشاكل المطروحة من وجهة نظر مصالحها الخاصة القومية وعلى حساب الآخرين، وفي مقدمة هذه المشاكل مسائل البيئة والأوبئة والكوارث الطبيعية والتهديدات المختلفة التي تتعرض لها الكرة الأرضية.

هذا هو المضمون الرئيسي لتجربة ما عشناه من صراعات عنيفة في العقدين الماضيين، أعني نزوع الولايات المتحدة الجامح لاستغلال انهيار القطبية الثنائية من أجل إقامة قطبية أحادية وقيادة العالم، وتأكيد هيمنتها وسيطرتها الأحادية من جهة. وفي الوقت نفسه عجزها عن تأكيد هذه الهيمنة، بسبب وجود مقاومات وصعوبات موضوعية وهيكلية تجعل من المستحيل اليوم إخضاع العالم لقوة واحدة ومن الاستحالة أكثر إخضاعه بالقوة.

وفي اعتقادي لن تخرج المنظومة الدولية من الفوضى والنزاع ما لم تنجح قواها المتعددة في التفاهم النسبي، وإعادة ترتيب الأوضاع العالمية على أسس تحترم هذا التعدد وتتعامل معه كمصدر ثروة وإغناء لا منبع تنافس وصراع واقتتال، أي ما لم تبرز فرص بناء تعددية عالمية على مستوى القيادة وبلورة السياسات الدولية المشتركة وعلى مستوى التفاعلات الحضارية.

ولعل ما يفسر تأخر ظهور ملامح هذه القيادة المعنوية والتعددية ليس نقص التفاهم بين الأطراف الدولية. فالتفاهم القائم في إطار حلف الأطلسي بين القوى الفاعلة في المنظومة الدولية ومن حول الولايات المتحدة لم يمنع النزاعات الدولية ولا حتى بين أطراف الحلف نفسه، ولو أنه شكل الأساس لسياسة عالمية وحيدة قائمة هي سياسة إملاء الدول الأطلسية لمطالبها على جميع الدول الأخرى.

إن سبب تأخر ظهور قيادة عالمية بالمعنى الحقيقي للكلمة هو العجز عن بلورة مفهوم سليم وجديد للقيادة الدولية، وصوغ إطار عملي وناجع لممارسة هذه القيادة الجماعية التي يحتاج إليها عالم اليوم والغد، إطار يسمح بإشراك جميع البلدان وجميع المجموعات الحضارية في التفكير والمشاركة في المصير العالمي والشؤون الدولية، ومن وراء ذلك غياب مفهوم جدي وواضح لمفهوم السياسة العالمية نفسه.

ولا شك أن تعلق الدول جميعا والدول الصناعية المؤثرة أساسا بمفهومها الكلاسيكي للمصلحة القومية وعدم اكتراثها بالمصير العالمي، وتسليمها الأمر للولايات المتحدة أي للأقوى فيها في سبيل فرض مصالحها القومية، قد لعب دورا كبيرا في طمس الحاجة إلى مثل هذه السياسة والقيادة المرتبطة بها. لكن السبب الأهم في نظري هو ميل نخب وحكومات الجنوب نفسها إلى الاستقالة السياسية وانهيار معنوياتها وتخليها عن مسؤولياتها الوطنية والعالمية معا.

إن جوهر ما نعيشه اليوم ليس هو في الواقع إلا الصراع العنيف على تحديد جدول أعمال السياسة العالمية، وصعوبة التوصل إلى مثل هذا الجدول العملي.

فالولايات المتحدة تريده أن يكون مطابقا تماما لجدول أعمال السياسة القومية الأميركية، والدول الصناعية الأخرى تسعى إلى جعله مطابقا لجدول أعمال التحالف الصناعي بأكمله لضمان مصالحها الوطنية، في الوقت الذي لا يجد فيه الجنوب أي قوة قادرة على طرح جدول أعمال يعبر عن مصالح المجتمعات الفقيرة، مما يترك ميدان المبادرة كاملا للقوى الصناعية من جهة في تحديد مضمون السياسة العالمية، ويدفع بالمجتمعات الفقيرة الفاقدة لأي قوة ومبادرة إلى الانكفاء على إستراتيجية العصيان والمقاومة السلبية والعداء للعولمة والشك في كل السياسات الدولية.


طالما بقيت الدول الصناعية بمجموعها رافضة لمشاركة الدول الفقيرة في بلورة جدول أعمال السياسة العالمية لن يكون هناك أي استقرار عالمي، وسوف تستمر حالة الاضطراب والنزاع والفوضى
وطالما بقيت الدول الصناعية بمجموعها رافضة لمشاركة الدول الفقيرة في بلورة جدول أعمال السياسة العالمية لن يكون هناك أي استقرار عالمي، وسوف تستمر حالة الاضطراب والنزاع والفوضى.

ولن يمكن الوصول إلى حد أدنى من الاستقرار إلا مع بلورة مفهوم السياسة العالمية، ونشوء قيادة دولية تأخذ بالاعتبار مشاكل المجتمعات الفقيرة التي تمثل ثلاثة أرباع البشرية. ولن يكون ذلك ممكنا من دون القبول بمشاركة هذه المجتمعات عن طريق ممثليها الحقيقيين وعبر التكتل في بلورة السياسة العالمية، وهو الأمر الذي يستدعي بناء هذه السياسة أيضا على أسس أخرى غير القوة المادية، ويعني بالتالي القبول بمبدأ المفاوضات الدولية الجماعية، وما يفرضه تحقيق ذلك من بناء الإطار السياسي والقانوني والفكري اللازم لتنظيم هذه المفاوضات والمساهمة في تحويلها إلى مفاوضات مثمرة وناجعة فعلا.

وفي اعتقادي أن الاعتراف بنشوء مجال للسياسة العالمية وبضرورة مشاركة جميع التكتلات الدولية في بلورتها وإنجازها أصبحا اليوم شرطا لاستمرار المنظومة الدولية واستقرارها، سواء من حيث هي منظومة اقتصادية أو أمنية أو ثقافية حضارية.
فمن هو الذي سيصوغ هذه السياسة العالمية؟ هذا هو السؤال والتحدي الرئيسي اليوم للمجتمعات كافة ولجميع أولئك المهتمين بمصير المجتمع الدولي الإنساني. بالتأكيد يعتقد الأميركيون من دون تردد أنهم الأولى بهذه القيادة وما تعنيه من تحديد مضمون السياسة العالمية، لما تملكه الولايات المتحدة من موارد ومصادر وقوة مادية وتقانية.

وإذا كان الأوروبيون لا ينازعونهم صراحة على مركز القيادة ولكنهم يطالبون بموقع لهم فيها وبدور واضح في بلورة السياسة الدولية، فإنهم لا يخفون شعورا عميقا بأنهم الكتلة الوحيدة التي تمتلك إرثا ثقافيا وخبرة حضارية عالمية راكمتها في الحقبة الاستعمارية، وأنهم أقدر على فهم مشكلات العالم الفقير من أشقائهم الأميركيين. لكن ليس هناك من يطرح -لا في الولايات المتحدة ولا في أوروبا ولا في الجنوب- فكرة أن يكون العالم بأجمعه مسؤولا عن بلورة هذه السياسة العالمية ومشاركا في تحقيق أهدافها، أي في تنظيم شؤون العالم كله وليس في تنظيم شؤون كل دولة من دوله. وهذه في نظري هي السمة الأبرز لأزمة العلاقات الدولية والوضع الدولي اليوم.

_______________
*أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بباريس

المصدر : غير معروف