بقلم: غراهام فولر*

ظهرت توترات في العلاقة بين واشنطن والقاهرة مؤخرا لتزيد من أزمة إدارة الرئيس بوش في المنطقة بعد تدهور العلاقات بين واشنطن والسعودية. وهناك أسباب عدة لهذه التوترات آخرها قضية الدكتور سعد الدين إبراهيم وهو أحد أشهر الأكاديميين والناشطين في مصر المدافعين عن الحريات السياسية والديمقراطية والذي أصدرت محكمة مصرية حكما آخر بسجنه لمدة سبع سنوات. ويحمل الدكتور سعد الدين إبراهيم جنسية مزدوجة، مصرية وأميركية. وقد وجهت له اتهامات بقبول أموال من الاتحاد الأوروبي دون إذن من الحكومة المصرية، كما اتهمته المحكمة بتشويه سمعة مصر بين الأجانب بسبب انتقاده الحكومة المصرية ونظام الرئيس مبارك على وجه الخصوص. إضافة إلى ذلك وجهت له تهمة "اختلاس" الأموال الأوروبية التي منحت له، وهي تهمة أنكرتها المؤسسة الأوروبية التي منحته الأموال لإجراء بحوث بشأن قضايا تتعلق بالمجتمع المدني والديمقراطية.

ولم يكن الحكم بحبسه ليتحول إلى قضية كبيرة بين واشنطن والقاهرة لو لم تقرر واشنطن وقف تقديم أي مساعدات إضافية لمصر هذا العام احتجاجا على حبس سعد الدين، إذ اعتبر البيت الأبيض أنه عوقب بسبب نشاطاته في مجال حقوق الإنسان.


إدارة الرئيس بوش لا تبدي اهتماما كبيرا بقضايا التحول إلى الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط
والواقع أن إدارة بوش لم تبد اهتماما كبيرا في مسألة الدمقرطة والإصلاح في منطقة الشرق الأوسط باستثناء مسألة فلسطين حيث يسعى بوش لإزاحة عرفات، وكذلك في العراق حيث يريد بوش التخلص من الرئيس صدام حسين. وبما أنني من المطالبين الدائمين بالديمقراطية في الشرق الأوسط، فإنني أثمن دعم البيت الأبيض لقضية سعد الدين إبراهيم. ويبدو الأمر وكأن الرئيس بوش بدأ يتحرر من سياسة المعايير المزدوجة الأميركية عندما يطالب الأصدقاء والأعداء على حد سواء بتطبيق الديمقراطية. إلا أنه قد يكون هناك عوامل أخرى تلعب دورها في هذه القضية.

يشكك كثير من المفكرين العرب بالدكتور سعد الدين إبراهيم بسبب علاقاته القوية بنظام الرئيس مبارك خلال سنوات حكمه الأولى وكذلك بسبب نشاطه في الدعوة إلى المصالحة بين تل أبيب والقاهرة وهي دعوة لا تلق ترحابا شعبيا في هذه المرحلة بالذات من انتفاضة الأقصى. كما أن لسعد الدين إبراهيم خصوما كثيرين ومعارضين مستاءون من بروزه في الدوائر الدولية ومن قدرته على الحصول على تمويل غربي لمشاريعه والتي تشمل مشاريع مهمة مثل دراسته للخلفية الاجتماعية للإسلاميين الراديكاليين في مصر قبل عدة سنوات. إلا أنني أعتقد أن مسألة حب المفكرين لسعد الدين إبراهيم أو كراهيتهم له ليست ذات قيمة، وإنما المهم هو المبدأ. فهل من المناسب أن تحاول الولايات المتحدة الدفاع عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر أم لا؟ بعض القراء سيعارضون ويتساءلون لماذا تهتم الولايات المتحدة بسعد الدين إبراهيم ولا تحتج على حبس قياديين في جماعة الإخوان المسلمين، أو على عدم الترخيص لإنشاء حزب الوسط الإسلامي المعتدل؟ أو لماذا لا تحتج على انتهاكات إسرائيل لحقوق الفلسطينيين؟ إنني متفق مع هؤلاء في تساؤلاتهم هذه، فينبغي على الولايات المتحدة أن تصرح حيثما كان ذلك ممكنا في صالح حقوق الإنسان والديمقراطية، إلا أن ذلك لا يعني أنه من الخطأ دعم سعد الدين إبراهيم. فهل قرر المفكرون العرب عدم دعم قضية سعد الدين إبراهيم، وهو ناشط بارز في مجال حقوق الإنسان، فقط لأن واشنطن تدعمه؟ وإذا صح ذلك فإن فلسفة المفكرين العرب هي المعارضة المبدئية لكل شيء تفعله واشنطن وهو موقف أعتقد أنه غير مبرر، فقضية سعد الدين إبراهيم تعني كل المصريين، وبشكل غير مباشر كل المفكرين العرب الذين تسحق أصواتهم في غالبية الدول العربية. والواقع أن هناك قضايا أخرى تحتاج إلى التركيز عليها حتى لا يكون دعم قضية سعد الدين إبراهيم عملا خاطئا، لكن هذه القضايا لا تلق نفس الاهتمام.


مصر غاضبة من واشنطن بسبب تحول الاهتمام الأميركي بالسعودية ودور الرياض السياسي على حساب الدور المصري في المنطقة وكذلك بسبب تجاهلها في المفاوضات بين حكومة الخرطوم والمتمردين التي تمت برعاية أميركية
هناك بالطبع عوامل أخرى سببت التوتر بين واشنطن والقاهرة، فمصر غاضبة، ولها الحق في ذلك، من السياسة الأميركية في فلسطين خصوصا أن واشنطن لم تصغ لوجهات نظر الرئيس مبارك بهذا الخصوص. إضافة إلى ذلك أبدت الولايات المتحدة اهتماما بالسعودية أكبر من اهتمامها بمصر بشأن عملية السلام، عندما وافقت في البداية على مبادرة الأمير عبد الله، وهو اهتمام يبدو أنه تلاشى الآن بسبب عدم اهتمام واشنطن به. كما أن واشنطن استبعدت القاهرة من المباحثات التي عقدتها في محاولة لتحقيق مصالحة بين الخرطوم وقوات المتمردين بقيادة قرنق. إضافة إلى ذلك فإن الرئيس المصري لا يؤيد رغبة بوش في الإطاحة بالرئيس صدام حسين مستخدما القوة العسكرية. وهكذا فهناك أسباب كثيرة تسببت في التوتر بين الولايات المتحدة ومصر لكن قضية سعد الدين إبراهيم استخدمت كأداة في لعبة أكبر.

وعلى الرغم من انتقادي لسياسة بوش في الشرق الأوسط فإنني أؤيد دعوته لتحقيق العدل في قضية سعد الدين إبراهيم. وهل يجب على الولايات المتحدة التدخل في مسألة داخلية في مصر؟ بعض العرب يقولون لي إنهم لا يريدون أي تدخل من جانب أميركا في أي قضية مهما كانت. لكن آخرين يسألونني لم لا تتدخل الولايات المتحدة تأييدا لقيمها السياسية التي تدافع عنها كالديمقراطية وحقوق الإنسان. والحقيقة أنني أريد من الولايات المتحدة دعم الناشطين الديمقراطيين في كل مكان في العالم الإسلامي وليس فقط القلة الذين يحملون الجنسية الأميركية، فجنسية سعد الدين إبراهيم الأميركية ليست مهمة كأهمية مبدأ حرية التعبير والحق في العمل من أجل إنشاء منظمات غير حكومية قادرة على ترويج الديمقراطية والانتخابات النزيهة. وهكذا فإن تدخل بوش في هذه القضية يعتبر مجرد خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح لكنها تظل خطوة في الاتجاه الصحيح. إن العرب يعلمون أن أحد أكبر أسباب ضعفهم الحالي هو انعدام الديمقراطية وعدم قدرة المواطنين العرب على التعبير عن رأيهم في المسائل الهامة وفي انتقاد الأخطاء التي يرتكبها حكامهم وفي عجزهم عن تغيير هؤلاء الحكام عندما يثبتون عجزهم أو يمارسون الظلم ضد شعوبهم. إن سعد الدين إبراهيم مجرد واحد من كثيرين من الناس الذين يعملون من أجل تعزيز المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية التي ستعمل على تنفيذ الديمقراطية وتوثيق الانتهاكات التي تمارس بحق الديمقراطية. إن أوروبا تساعد في تمويل هذه المشاريع بطريقة أفضل مما تفعله أميركا لأن الناس في الشرق الأوسط ينظرون إلى هذه الأخيرة بعين الريبة.

وهكذا فإن صمت المفكرين العرب في هذه القضية يخدم عملية إضعاف مستقبل الديمقراطية في المنطقة. هناك قضايا مهمة أخرى مثل الظلم الواقع على الفلسطينيين وأنا اتفق مع القائلين بأن الولايات المتحدة تمارس معايير مزدوجة في هذا الجانب، لكن لا ينبغي الصمت على قضية حبس سعد الدين إبراهيم لمجرد أن هناك قضايا أخرى مهمة مثل الاعتقالات التي تقوم بها الحكومات العربية بحق الناشطين الديمقراطيين. ولو لم يتحدث بوش عن هذه القضية فإن العرب قد يشعرون بحرية أكبر في دعم سعد الدين إبراهيم. (المفارقة أن بوش نفسه واجه انتقادات حادة من كثير من المحافظين والليبراليين الأميركيين الذين اتهموه بالصمت عن حبس سعد الدين إبراهيم على الرغم من دعواته من أجل الديمقراطية والإصلاح في خطاباته المتكررة. ويفسر هذا السبب الذي دفع الإدارة الأميركية إلى الحديث -ربما كارهة- عن هذه المسألة حتى لو جاء ذلك متأخرا). إن قضية سعد الدين إبراهيم ليست القضية الوحيدة وقد لا تكون الأكثر أهمية لكنها استمدت أهميتها من سمعة هذا الرجل وشهرته الدولية. ويجب على كل من يسعى إلى الديمقراطية في الشرق الأوسط أن يتحدث علانية بشأن هذه القضية وكل القضايا الأخرى. هذا هو الوقت الذي ينبغي على الناس فيه عدم البقاء صامتين وإنما عليهم أن يصدحوا بأصواتهم من أجل عملية ستؤدي تدريجيا إلى تحويل العالم العربي إلى عالم أكثر حرية وقوة. أما أنا فإنني أفضل أن تركز أميركا جهودها على مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان وليس على الإطاحة بأعدائها.

المصدر : غير معروف