بقلم/ ياسر الزعاترة

- الطرح الإسرائيلي الأخير للخطة
- موقف قوى المقاومة
- لماذا تدخل المصريون؟
- موقف عرفات
- مستقبل الخطة

من الصعب الحديث عن التدخل المصري القادم في قطاع غزة دون الحديث عن قصة الانسحاب الإسرائيلي منه، ذلك الذي مر بمراحل عديدة قبل أن يقر في السادس من شهر حزيران/يونيو الجاري من قبل الحكومة الإسرائيلية.

نتذكر على هذا الصعيد المخاض الذي مرت به خطة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة منذ طرحها للمرة الأولى منتصف شهر نيسان/مايو، ومن ثم الاستفتاء الذي أجري عليها داخل الليكود وأفضى إلى رفضها بعد الترحيب الأميركي بها، الأمر الذي لم يدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون إلى التنازل الكامل عنها، بل تعديلها ومن ثم تمريرها بصيغتها الجديدة بعد معركة داخل الحكومة مع الأعضاء المتطرفين من حزبي المفدال والاتحاد الوطني.

لا شك أن العرض المصري بالتدخل لصالح الخطة قد شكل منعطفا أساسيا بالنسبة إليها، ففي حين كانت الخطة مؤشرا واضحا على الهزيمة أمام قوى المقاومة وانسحابا من جانب واحد، جاء التدخل المصري ليمنحها دفعة كبيرة بوصفها خطة سياسية تخلص الإسرائيليين من مستنقع القطاع، وتمنح أفقا بوقف الانتفاضة، ومن ثم دفعة أكبر لعملية سلمية جديدة تتم وفق المنطق الذي يتبناه شارون أو قريبا منه في أقل تقدير.

لقد جاء قرار شارون بالانسحاب من القطاع بمثابة محاولة أخيرة من قبله للبقاء في السلطة بعد أن لم يتبق لديه ما يعد به الإسرائيليين إثر معالم الفشل الأميركي في العراق، ومعه فشله في قمع المقاومة وإنهائها. وهنا جاهدت الدوائر الإسرائيلية ومن ورائها الأميركية من أجل إيجاد شريك سياسي يتعامل مع الخطة، وهو أمر كان على درجة من الأهمية كي لا تتحول إلى وصفة نهاية لشارون حين ينسحب وتبقى المقاومة مستمرة ويبدو الموقف انتصارا مؤزرا للمقاومة.

في خلفية تمرير الخطة إسرائيليا كان هناك التوجه الأميركي القاضي بإيجاد مسار سياسي فلسطيني يخفف من الانتقادات الموجهة لإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش بشأن القضية الفلسطينية، ولا شك أن الفشل في العراق هو الجانب الأساسي في بناء هذا التوجه، أما وقوف الشارع الإسرائيلي إلى جانب الخطة فقد منحها دفعة أخرى لا تقل أهمية.

الطرح الإسرائيلي الأخير للخطة


تنص الخطة على إبقاء وجود عسكري على طول الحدود بين قطاع غزة ومصر، لكن النص لم يقفل الباب أمام إخلاء المنطقة في حال التعاون المصري وثبوت مصداقيته
من الواضح أن التعديلات التي أجريت على الخطة الإسرائيلية بعد رفضها من قبل أعضاء الليكود، ومعها المداولات الحامية بين أعضاء القيادة في الحزب والحكومة اليمينية، قد أفضت إلى تفريغها من جزء كبير من مضمونها الأولي.

في هذا السياق لا تبرز مسألة الجدولة فقط، حيث تحول الانسحاب من فوري أو شبه فوري إلى مرحلي ينتهي في سبتمبر/أيلول من العام القادم، بل تبرز مسألتان أخريان لا تقلان أهمية تتعلق الأولى بالجانب الأمني، حيث تنص الخطة على سيطرة الدولة العبرية على البحر والجو، إلى جانب إبقاء القطاع مجردا من السلاح مع الاحتفاظ بالحق الأساسي "في الدفاع عن النفس"، بما في ذلك استخدام القوة. أما الثانية فتتعلق بما يعرف بمحور فيلادلفيا، أي المعبر الحدودي للقطاع مع مصر. وفي هذا السياق تنص الخطة على "الإبقاء على وجود عسكري على طول الحدود بين قطاع غزة ومصر". لكن النص لم يقفل الباب أمام إخلاء المنطقة في حال التعاون المصري وثبوت مصداقيته.

لماذا تدخل المصريون؟
لعل هذا السؤال هو الأكثر أهمية في سياق الحديث عن الخطة، ذلك أن التدخل المصري الخطير في قطاع غزة على النحو المطروح لم يكن ليمر بسهولة لولا وجود أسباب كبيرة تقف خلفه، فما هي هذه الأسباب؟

في هذا السياق تطرح فرضيات عدة قد يكون بعضها صحيحا، وربما كان السبب هو محصلة تلك الفرضيات جميعا، لكن الثابت في المعادلة هو أن السبب الجوهري الذي دفع إلى التدخل هو ذلك المتصل بالوضع الداخلي المصري الذي يواجه مطالب الإصلاح من قبل الولايات المتحدة. وقد أفصحت الصحافة الإسرائيلية عن طبيعة الصفقة المطروحة ضمنيا أو واقعيا ممثلة في مساعدة شارون مصر في التخفيف من ضغوط الإصلاح الأميركية، مقابل المساعدة في قطاع غزة.

على أن ذلك لا ينفي وجود مقاربة سياسية للموقف، أكان من زاوية التبرير أم من زاوية الوقائع على الأرض، إذ ربما وجدت الأجهزة المصرية أن الانسحاب من القطاع في ظل ابتعادها عنه والوجود القوي لحماس والجهاد سيعني تحول القطاع إلى نقطة خطيرة تجر المشاكل إلى مصر في وقت لا تبدو فيه مستعدة لاحتمال تصعيد من أي نوع مع الإسرائيليين.

ومن هنا كان التوجه بالتدخل من أجل كبح جماح الموقف ووضعه تحت السيطرة، لاسيما أن ذلك يتم تحت ذرائع تبدو مقنعة في الظاهر، وذلك عبر القول إن ما سيجري سيكون جزءا من خريطة الطريق وفاتحة نحو تطبيق قرارات الشرعية الدولية وتأسيس الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

هناك بالطبع عقدة الدور التي تحكم السلوك السياسي المصري. وفي حين كان الإسرائيليون يتجاهلون القاهرة ومعهم الولايات المتحدة، هاهم يطالبونها بالتدخل ومعهم الأميركيون المعنيون إلى حد كبير بتهدئة الساحة الفلسطينية من أجل التفرغ للساحة العراقية.

وهنا تمكن الإشارة إلى أقوال رئيس شعبة الاستخبارات الإسرائيلية أهارون زئيفي-فركش الذي أشار بوضوح إلى دفع الدولة العبرية لثمن الفشل الأميركي في العراق.

موقف عرفات


يدرك الإسرائيليون تماما أن مربط عرفات موجود في القاهرة، وعندما تقتنع هذه الأخيرة بضرورة التدخل فلن يكون بإمكان عرفات الممانعة
كان واضحا أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لايزال معنيا بالواقع الذي يعيشه ممثلا في استمرار الحصار عليه في مبنى المقاطعة في رام الله، إلى جانب الحصار السياسي، حيث يرفض الأميركيون والإسرائيليون التعامل معه بوصفه شريكا سياسيا يمكن التفاوض معه، وإن بقي صاحب الولاية عمليا على رموز السلطة ومن بينهم رئيس الوزراء أحمد قريع.

والحال أن عرفات ما كان له أن يمد يد العون لشارون وهو يعلم أن غزة ستعود إليه في كل الأحوال، والسبب هو عدم قناعته بأن حماس ستحكمها، في حين يدرك في المقابل أن أي تدخل خارجي لترتيب شأن القطاع سيعني تقوية لطرف من للأطراف الأخرى على حسابه، أكان رئيس الوزراء نفسه، أم الرجل الذي يعد لوراثته، وهو محمد دحلان.

من هنا كان من الطبيعي أن يرفض التعامل مع الخطة، لاسيما أن المطلوب منه لا يتجاوز إرسال المندوبين وليس التعامل المباشر. لكن الإسرائيليين يدركون تماما أن مربط عرفات موجود في القاهرة، وعندما تقتنع هذه الأخيرة بضرورة التدخل فلن يكون بإمكان عرفات الممانعة.

هنا جاء التدخل المصري سريعا وقاسيا على الرجل المحاصر في رام الله، فقد جاءه مدير المخابرات المصرية عمر سليمان بتهديد واضح يقول إما أن تقبل الخطة وتدخلنا كطرف فيها أو سنرفع عنك الغطاء وسيكون بإمكان شارون أن يفعل بك ما يشاء.

بالمقابل وضع إلى جانب التهديد أو العصا شيء من الجزر ممثلا في إمكانية منحه حرية التنقل بين رام الله وقطاع غزة، لكن ذلك لن يعني أنه سيبقى السيد كما كان، إذ ثمة شروط أخرى لا بد أن يدركها ممثلة في دمج أجهزة الأمن ومن ثم وضعها تحت سيطرة رئيس الوزراء، الذي سيضعها بالضرورة تحت ولاية محمد دحلان، إلى جانب صلاحيات أخرى ستحول عرفات عمليا إلى رئيس فخري.

هنا وافق عرفات على الخطة مكرها. ويبقى السؤال هو ماذا يمكن للرجل أن يفعل تاليا؟ وهل يمكنه التسليم بالهزيمة هكذا بكل بساطة؟ وهل ثمة ضمانات مصرية تحت الطاولة بإعادته قويا في المستقبل بعد أن تهدأ الأمور؟

ليست ثمة إجابة جازمة على هذا السؤال، لكن معطيات مختلفة ما زالت تقول إن الرجل لن يسلم أوراقه بكل بساطة، ولعل تهديدات كتائب الأقصى الأخيرة بالانسحاب من فتح -إلى جانب وقوف آخرين في القيادة الفتحاوية إلى جانبه خوفا من الآخرين- تشكل بعض الإشارات المعقولة بالنسبة له في مواجهة سياسات الإلغاء لدوره في الساحة الفلسطينية.

موقف قوى المقاومة
إلى جانب موقف عرفات وفتح، تبرز مواقف قوى المقاومة وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي مما طرحه الإسرائيليون والمصريون.

وهنا يمكن القول إن الحركتين تدركان حقيقة التحولات العربية والإقليمية والدولية التي تتحركان خلالها، لاسيما بعد موقف القمة العربية من العمليات ضد المدنيين التي شكلت منعطفا بالغ السوء في الموقف العربي، إلى جانب التراجع الدولي أمام سطوة المواقف الأميركية.

عندما تتراجع المواقف الفلسطينية الرسمية أمام ذلك كله، فلا بد أن تعيد الحركتان رسم خطواتهما بعناية فائقة، لاسيما في ضوء التبني المصري لخطة شارون، الأمر الذي يجعل الوقوف الصارم في وجهها صعبا إلى حد كبير، حتى لو رأت الحركتان أن الوضع في العراق يتحرك على نحو يحمل الكثير من البشائر، ذلك أن الانحناء أمام العاصفة في وضع كهذا يغدو منطقا برسم القبول.

على أن ذلك كله لا يعني بحال أن تتراجع الحركتان خطوات كبيرة إلى الوراء، لاسيما أنهما تدركان أن خطة شارون لم تأت نتاج الألاعيب السياسية، بقدر ما جاءت نتاج الفعل البطولي لقوى المقاومة خلال ما يقرب من أربع سنوات.

ومن هنا بادرت حركة حماس إلى إعلان موقفها من المسار الجديد، عبر التأكيد على رفض اعتبار الخطة سببا في وقف المقاومة التي يجب أن تستمر ما دامت الأراضي الفلسطينية محتلة، إلى جانب التأكيد على رفض منح شارون أي التزامات مقابل الانسحاب.

وفي تعليق له على دور مصر، ذهب أحد زعماء حركة حماس في قطاع غزة -وهو الدكتور محمود الزهار- إلى أن "دور مصر الإقليمي ينبغي ألا يختزل في مساندة أو دعم قوات أمن لفصيل فلسطيني واحد، له وعليه الكثير".

والخلاصة هي أن حماس والجهاد لا تريدان الدخول في مواجهة مع المصريين في قطاع غزة ولا بشأن تطبيق الخطة الإسرائيلية، في نفس الوقت الذي لا تريدان فيها تحويل القطاع إلى متكأ لضرب المقاومة عبر مقولات من لون جمع الأسلحة ووقف المقاومة، لاسيما إذا بقي الانسحاب الإسرائيلي ناقصا ولم يشمل محور فيلادلفيا.

مستقبل الخطة


قرار شارون بالانسحاب من غزة هو هزيمة إسرائيلية أمام المقاومة الفلسطينية الأمر الذي يؤكد قدرتها على الإنجاز خلافا لمسار التفاوض العبثي
من الصعب الجزم بالمآل الذي يمكن أن تفضي إليه الخطة والترتيبات المرافقة لها ومستقبل التدخل المصري في قطاع غزة، لاسيما أن مسارات أكثر قوة لم تفض في النهاية إلى شيء عملي ونهائي، كما هو حال مسار أوسلو. لكن ما هو متاح حتى الآن مازال يقول إن الدوافع التي حركت التدخل المصري لا تزال آنية ومن الممكن أن تتغير بين حين وآخر تبعا للتطورات المحيطة، مما يعني إمكانية تعثر الخطة لاحقا لأسباب تتعلق بالتطبيق، لاسيما إذا تبين أن الإسرائيليين يريدون توريط مصر في أعمال تضعها على النقيض من الشارع الفلسطيني.

على أن ذلك لا يشكل البعد الوحيد الذي يهدد الخطة، إذ أن هناك أيضا التناقضات الإسرائيلية الكثيرة التي لاتزال في انتظار الخطة وتطبيقاتها على الأرض.

ثم هناك الأهم من ذلك ممثلا في تطورات المشهد العراقي وصولا إلى احتمالات الفشل الأميركي الذي يجعل فرصة التمرد على الإملاءات ممكنا. وأخيرا هناك تطورات عملية التفاوض، بوجود التبرير المصري لما جرى، والذي كان ولايزال يتحدث عن كون الخطة جزءا من مسار لا بد أن يفضي إلى دولة فلسطينية، فهل لدى شارون ما يقدمه على هذا الصعيد؟!

لذلك كله لا تبدو العملية سوى محطة جديدة من محطات التسوية والتفاوض في قضية بالغة التعقيد تتداخل فيها عناصر التاريخ بالجغرافيا بالأوضاع الإقليمية والعربية والدولية، لكن ذلك كله لن يمكنه بحال إخفاء الحقيقة الوحيدة الواضحة في ما جرى ممثلة في أن قرار شارون بالانسحاب من قطاع غزة هو هزيمة إسرائيلية أمام المقاومة الفلسطينية، الأمر الذي يؤكد قدرتها على الإنجاز خلافا لمسار التفاوض العبثي الذي لم يأت بخير رغم الركض خلفه عقودا، وكان آخره مسلسل أوسلو الذي دخل عشريته الثانية قبل حوالي عام من الآن.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف