* بقلم/ حسام تمام

لو أعيدت انتخابات مكتب الإرشاد التي عقدت -الأسبوع الماضي- لاختيار مرشد جديد للجماعة عشر مرات فلن تخرج عما انتهت إليه بتنصيب محمد مهدي عاكف مرشدا سابعا للجماعة التي تكمل الشهر القادم 76 عاما هي عمر المرشد الجديد!

هذه ليست حتمية تاريخية أو روحا صوفية تؤمن بالتاريخ قدرا مكتوبا على أهله كتلك التي تعتري قيادات ومشايخ الإخوان حين يتحدثون عن أنهم لا يختارون قادتهم وأن الله هو الذي يختار لهم؛ بل هي ما سينتهي إليه أي تحليل لشخصية الرجل وتركيبة مجلس القيادة في الجماعة ثم يضعها في إطار الظروف الداخلية والخارجية وطبيعة الرحلة التي تعيشها والتي لم يوفق الإخوان في حسابها مثلما وفقوا هذه المرة!

فإذا كانت هناك مبالغة في القول إن انتخاب مهدي عاكف مرشدا يمنع انفجارا داخل الجماعة وخارجها فلا أقل من أنه يزيل الاحتقان داخل الجماعة ويهدئ أو يسكن كثيرا من الملفات المتوترة والملغومة داخليا وخارجيا إن لم يساهم في حلها ويعكس روحا توفيقية دائما ما اتسمت بها جماعة الإخوان، حتى بدا انتخابه حلا تواطأت عليه كل أجنحة الجماعة وأجيالها.

فالمرشد الجديد (76 عاما) يقف في منتصف الطريق بين جيلين في مكتب الإرشاد تبدو الهوة العمرية بينهما كبيرة ؛ الأول اصطلح علي تسميته بالحرس القديم الذين تجاوزت أعمارهم الثمانين والثاني من جيل الوسط الخمسيني الذي بدأ العمل الإسلامي في الجامعات المصرية في حقبة السبعينيات.

وبدا أن قيادة الجماعة ممثلة في مكتب الإرشاد تأثرت في اختيارها بثورة الانتقادات المكتومة داخل الصف الإخواني والتهكمات المعلنة خارجه، على مبدأ تولية الأكبر سنا؛ على أن الحرص على كسر قاعدة الأكبر سنا لم تصل إلي حد إسناد المنصب لواحد من جيل الوسط (الأصغر سنا في عضوية المكتب) وبقي الحل الوسط في مهدي عاكف الذي يمثل نقطة اللقاء وتساعده لياقته البدنية العالية على تجاوز انتقادات تتعلق بقدرته على أداء مهامه.

على أن التصنيف العمري في جماعة الإخوان لا يبدو ذا أثر في تحديد التوجه والمزاج الفكري لقيادة الجماعة، إذ أن بعض المنتسبين لجيل الوسط عمريا تبدو أفكارهم أكثر اقترابا من الجيل الأكبر سنا, وربما كان المرشد الجديد بمعايير الانفتاح أكثر "شبابية" من بعض أعضاء المكتب الأصغر منه مثلما هو الحال مع محمود غزلان (55 عاما) ومحمود عزت (65 عاما) عضوي مكتب الإرشاد المحسوبين على تيار الصقور في الجماعة.


مثلما كان عاكف عنصر التقاء بين شريحتين عمريتين في مكتب الإرشاد فهو أيضا نقطة التقاء تيارين في الجماعة دائما ما يظهر التمايز بينهما في القضايا الإشكالية
ومثلما كان عاكف عنصر التقاء بين شريحتين عمريتين فهو أيضا نقطة التقاء تيارين في الجماعة دائما ما يظهر التمايز بينهما في القضايا الإشكالية؛ ويجمع في سيرته الإخوانية ما يدعمه لدى التيارين. فعاكف الذي ولد في عام تأسيس الجماعة 1928 التحق بصفوفها ولم يكمل الثانية عشرة من عمره وتربى على يد مؤسسها الإمام حسن البنا، أي أنه من "أهل السبق" بتعبير شيوخ الجماعة، كما أنه استهل ظهوره في الجماعة بالالتحاق بالنظام الخاص فالتنظيم السري وظل طوال نحو ثلاثين عاما في سدة القيادة حتى انتخب عضوا في أعلى هيئاتها (مكتب الإرشاد) منذ 1987 .

أي أن تاريخه التنظيمي يشفع له عند القيادات التاريخية والنافدة في الجماعة بعكس سلفه الأخير المأمون الهضيبي الذي سطع نجمه في الثمانينيات فقط، وكان مفتقدا لكل هذا الحضور والتاريخ والسبق الجهادي الذي بدأه عاكف بالعمل السري والمقاومة المسلحة للاحتلال وأنهاه بثلاث سنوات قضاها في السجن العسكري وهو في السبعين من عمره.

وهو نفسه -عاكف- الذي يحمل رصيدا غير قليل من المصداقية لدى الأجيال الأكثر شبابا وانفتاحا في الجماعة والتي نشأت وتربت في العمل العام المفتوح وخاصة جيل الوسط؛ إذ عرف دائما بأنه أقرب أعضاء مكتب الإرشاد إلى هذا الجيل وأكثرهم قدرة على استيعابه والتفاهم مع قياداته، وكان الأب الروحي لمشروع حزب الوسط والمكلف بإدارة ملفه من قبل الجماعة قبل أن تتطور الأحداث في اتجاه الأزمة الشهيرة التي انتهت بفصل أو استقالة معظم مؤسسي الحزب وعلى رأسهم المهندس أبو العلا ماضي.

وعاكف أيضا هو نقطة التقاء الداخل والخارج في الإخوان أو بين قيادة التنظيم الرئيسية في مصر وبين قيادة التنظيم العالمي، فقد كان من أبرز من تولوا عبء تأسيس هذا التنظيم حين استبق -مع مصطفي مشهور- بعدة أيام أحداث سبتمبر/ أيلول 1981 الشهيرة التي اعتقل فيها الرئيس السادات قيادات القوى السياسية المختلفة ومن بينها الإخوان؛ فغادر عاكف البلاد إلى ألمانيا حيث تولى مهام تأسيس وإدارة المركز الإسلامي في ميونيخ والذي تحول إلى مقر لاجتماعات التنظيم الدولي, وشارك مصطفي مشهور صاحب العبء الأكبر في تأسيس هذا التنظيم حتى وضعت لائحته وأعلن رسميا في مايو من عام 1982، وهو ما سمح له ببناء علاقات واسعة مع قيادات تنظيمات الإخوان في كل أنحاء العالم، كما كان له دور كبير في ملفات الإخوان العالمية وعلى رأسها ملف الجهاد الأفغاني.

لذا يأتي اختيار عاكف ليزيد فرصة إعادة العلاقة بين قيادة الجماعة في مصر وقيادات التنظيم الدولي خارجها إلى قوتها التي كانت عليها قبل رحيل مصطفي مشهور مؤسس التنظيم الدولي، والتي كانت قد توترت مع ولاية خلفه الراحل المأمون الهضيبي الذي تصادم مع عدد من قياداته.

وفي هذا السياق يجب أن نشير إلى أن تولي عاكف مسؤولية قسم الاتصال بالعالم الإسلامي – أحد الأقسام المهمة في الجماعة- مكنه من عمل شبكة علاقات عالمية واسعة ليست فقط داخل التنظيمات الإخوانية المعتمدة بل وتنظيمات إسلامية أخرى مستقلة ولكنها وثيقة الصلة بالجماعة وممثلة في تنظيمها الدولي.

وتعكس الحفاوة التي قابلت بها قيادات التنظيم الدولي ترشيح مكتب الإرشاد في مصر لعاكف مرشدا متانة العلاقة وتؤشر لمستقبلها، حيث سارع مجلس شوري التنظيم بالانعقاد ووافقت – وفق تصريحات من مكتب الإرشاد- كل قياداته بالإجماع على ترشيح عاكف مرشدا وهو ما أسرع بإعلان تنصيبه بعد أربعة أيام من عزاء سلفه، وهو وقت قياسي إذا ما قارناه بتنصيب الهضيبي (27 نوفمبر 2002) الذي استغرق ثلاثة أضعاف هذه المدة على الرغم من أنه كان النائب الأول لسلفه مشهور (توفي في 13 نوفمبر 2002) وهو ما لم يحظ به عاكف.

انتخاب مهدي عاكف مرشدا للإخوان يصب في اتجاه تدعيم بنية الصف الإخواني واستقرار هياكله الداخلية والسماح بحالة "محسوبة" من الحركة والتفاعل بين أجيال وتيارات الجماعة المختلفة؛ بحيث يرخي الحرس القديم قبضته دون أن تخرج الأمور عنها ويلتقط جيل الوسط أنفاسه من غير أن يأخذ فرصته كاملة، وتتعدل التركيبة العمرية لقيادة الجماعة بهدوء دون أن يتوارى الكبار عن المسرح فجأة كما هو المفترض وفق المعدل العمري.

غير أن اختيار عاكف يصب كذلك باتجاه استمرار حال الجمود السياسي ليس فقط على مستوى الحركة الإسلامية وإنما في الحالة المصرية عموما التي يعد الإخوان اللاعب الرئيسي فيها مع النظام الحاكم.

فالرجل يمتلك شخصية مرنة وقدرة استيعابية وتاريخا كبيرا في الحركة، لكنه رغم هذا لا يمتلك مشروعا -أي مشروع- للخروج من حال الجمود؛ ومشروعه كما يقول ليس سوى "مشروع الجماعة كلها بكل أبنائها" ولا تغيير منتظرا عن خط من سبقوه.


اختار الإخوان اللعب مثل الآخرين في المساحات الرمادية فجسم التنظيم المتمدد كما الديناصور الأسطوري بطيء الحركة ونفسية الحفاظ والثبات مهيمنة والجمود السياسي معتاد
ولا يرجع الجمود المتوقع بالضرورة إلى طبيعة الجماعة وقائدها الجديد فحسب، فالمرشد الجديد هو وتنظيمه في ذلك جزء من الحال المصرية التي اتسمت بسمة عهد كامل اختار أن يتحرك دائما في المساحات الرمادية، حيث كل الملفات مؤجلة من غير حسم وكل الخيارات مفتوحة وممكنة من دون تحديد؛ إنها المساحة التي تفقد اللاعبين فوقها القدرة على المبادرة والخروج من متاهة الجمود وتفقده كذلك القدرة على التغيير وتبني خيارات واضحة قد تحدث انقساما حولها لكنها تثير الجدل وتحرك سكون المياه الراكدة.

وهي نفسها الحال التي نأت بقيادة بارزة وكارزمية كالدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عن المنصب ليس هذا فحسب بل باعدت به خطوات كبيرة للخلف بسبب أفكار وقناعات وممارسات كانت في حركتها أكبر من قدرة الآخرين علي السير؛ والسياسة عند الإخوان لا تنفصل عن الدين والنظام فيها واجب كما في الصلاة؛ المتقدم فيها عن الصف كالمتأخر! كلاهما في الوزر سواء.

اختار الإخوان اللعب في المضمون والحركة -مثل الآخرين- في المساحات الرمادية، فجسم التنظيم المتمدد كما الديناصور الأسطوري بطيء الحركة، ونفسية الحفاظ والثبات (علي المبدأ أو الفعل نفسه لا يهم) مهيمنة؛ وجمود سياسي اعتدناه خير من حركة وانفتاح لا نعرفه وقد لا نقدر على تكلفته، لذلك حافظ الجميع على خط السير نفسه كما لو كانوا يحافظون على وضوئهم.

انفض مولد بيعة المرشد السابع التي أعادت رسم خريطة مكتب الإرشاد أو المجلس الحاكم للجماعة الإسلامية الأكبر في مصر والعالم، ويمكننا تبين بعض ملامحها التي تكشف عن تقدم أسماء وتيارات وتراجع أخرى دون أن تعطي تفاصيل المشهد كاملا.

ووفق الانتخابات التي جرت لانتخاب المرشد السابع مهدي عاكف تراجع الشيخان الأكبران في الجماعة: أحمد حسنين 84 عاما ومحمد هلال 84 عاما أيضا, وتنازلا مختارين عن أحقيتهما في المنصب وفق قاعدة "السبق" في الدعوة المعمول بها في الجماعة، ويلحق بهما لاشين أبو شنب (80 عاما) بفعل العمر المتقدم والمرض المتقدم أيضا، وربما يشاركه في ذلك جمعة أمين (77 عاما) فهو يعاني مثله من المرض وإن بدرجة أقل، ويشترك معه في نقطة ضعف تبعد به عن المنصب وهي العيش خارج القاهرة مركز الجماعة ومقرها، وهو عامل له أهميته في بلد كمصر أقدم دولة مركزية في التاريخ تنظر لمن يعيش خارج العاصمة وكأنه خارج البلد والتاريخ ربما! ويزيد جمعة أمين عن أبي شنب بحدته وعصبيته التي عرف بها داخل الجماعة مما يضعف فرص ولايته.

ويشارك محمد بديع سامي (75 عاما) سابقيه في ابتعاده عن منصب المرشد الثامن فهو أيضا من مدينة هامشية في تنظيم الإخوان وفي الحركة السياسية في مصر عموما –مدينة بني سويف- وهو إضافة إلى متوسط عمره الكبير نسيبا من الشخصيات رمادية اللون التي تفتقد للبريق والحضور داخل الصف الإخواني وخارجه، ومن الصعب الدفع به مباشرة لصدارة المشهد العام مستقبلا، هذا إذا أخذنا في الاعتبار صعوبة استمرار نهج تولية كبار السن، ويشترك مع بديع في ذلك محمد رشاد بيومي (70 عاما).

وممن تأكد ابتعاده عن منصب المرشد الأزهريان: محمد عبد الله الخطيب (76 عاما) وأبو الحمد ربيع (75 عاما) ليؤكد ذلك ملمح جماعة الإخوان الرئيس: أنها جماعة سياسية بالأساس، ويبقي الواعظان أشبه بالعمامة التي تأتي في إطار التأكيد على استمرار رسالة الجماعة الدينية وتكامل الديني مع السياسي مع أولوية السياسي وتقدمه على الديني في السلم التنظيمي.

وعلى غير المتوقع ضعفت فرص صقري المكتب محمود عزت (65 عاما) ومحمود غزلان (55 عاما) اللذين تواريا عن صدارة المشهد بعدما تأكد أن طبيعة المرحلة المقبلة وتصاعد جيل الانفتاح يحتاج وجوها أكثر قبولا ومرونة وإن ظلا على قوة موقعهما التنظيمي داخل الجماعة ويلحق بهما على اختلاف معهما يصل إلى حد التناقض أستاذ الجامعة د/ محمد علي بشر أصغر أعضاء مكتب الإرشاد سنا (54 عاما) فهو وإن كان معروفا باعتداله وانفتاحه وامتلاكه لرؤية سياسية إلا أنه يفتقد للقدرة على الدفاع عن أفكاره والنزول بها إلى قاعدة التنظيم.

أما المفاجأة المتوقعة فكانت من نصيب النقابي والسياسي البارز الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي "حرق" في معركة المرشد ، ربما بسبب شخصيته الكارزمية التي أثرت خشية البعض من أن تفجر الأوضاع داخل التنظيم الذي ليست لديه القدرة على تحملها إن قبل بها، كما أن مشروعه السياسي الذي يقترب إلى حد التماثل مع مشروع حزب العدالة والتنمية التركي أضر به حين تعجل طرحه قبل أوانه في أوضاع سياسية لا تحتمل هذه الجرأة فأضر به داخل تنظيمه وخارجه.


المفاجأة المتوقعة كانت من نصيب الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي "حرق" في معركة المرشد ربما بسبب شخصيته الكارزمية ومشروعه السياسي الذي تعجل في طرحه قبل أوانه في أوضاع سياسية لا تحتمل هذه الجرأة
يبقى من أعضاء المكتب الثنائي الأهم والأخطر أو فرسا الرهان في سباق نائب المرشد والمرشد الثامن: د/ محمد حبيب (65 عاما) أستاذ الجامعة الذي نال أغلبية الأصوات بعد المرشد المنتخب، وتأكد قبوله داخل القيادة وتعزز اختياره نائبا للمرشد، ومؤهله الأكبر أنه برئ من كل ما يمكن أن يؤخذ على غيره!

أما الفرس الثاني فهو رجل الأعمال المهندس خيرت الشاطر أو الصقر الكامن، وجه غير حاضر في الإعلام والعمل العام والمشهد السياسي، لكنه الأخطر والأذكى وصاحب العمق والامتداد الكبير وغير المعلن في جسم التنظيم ومفاصله المهمة.. خيرت الشاطر لمن لا يعرفه كان –إضافة إلي موقعه ومسؤولياته المهمة بالتنظيم- صاحب ومدير شركة سلسبيل لأنظمة الحاسب الآلي: عنوان القضية الأخطر في عشرين عاما مضت من تاريخ الجماعة المعاصر.

وخيرت الشاطر -وله من اسمه نصيب- من الذين وعوا الدرس الذي يقول إن المناصب الكبرى في العالم الثالث مثل شعلة اللهب؛ لا تبتعد عنها فتموت بردا ولا تقترب منها كثيرا فتحترق.. وهو على هذا الدرب يسير!
ــــــــــــــــــ
* كاتب مصري مختص في شؤون الحركات الإسلامية

المصدر : غير معروف