بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي

- تغيير المسار
- الذاكرة الانتقائية

- الرشوة المشروعة
- صناعة الإجماع

كشفت السياسة الأميركية في العراق في العقدين المنصرمين عن انهيار أخلاقي مريع، فقد برهنت تلك السياسة على أن "المثالية الأميركية" التي يحب الساسة الديماغوجيون في واشنطن التغني بها قادت إلى موت مليون إنسان تحت الحصار الجائر، وتواطأت في قتل مليون عراقي وإيراني من خلال الدعم والتحريض والتمويل والتسليح، وأخيرا لفقت الأكاذيب فملأت بها الدنيا وشغلت بها الناس لتبرير غزو العراق، الذي حصد حتى الآن أرواح 11 ألف عراقي –طبقا لتقديرات نيويورك تايمز– وزج بعدد أكبر في السجون والمعتقلات.

لكن المشكلة بالنسبة للمتابع العربي ليست أخلاقية فحسب، فهو يفهم أكثر من غيره نسبية الأخلاق الأميركية والغربية بشكل عام، ويدرك حقيقة ما قاله المفكر الجزائري مالك بن نبي من أن "الإنسان الغربي لا يحمل فضائله خارج عالمه".

إنما يكمن التحدي اليوم في فهم الآليات السياسية التي تؤدي إلى اتخاذ قرارات فظيعة من هذا النوع وتمريرها في دول ديمقراطية مثل الولايات المتحدة، يمتلك شعبها أحسن أنواع التعليم، وأقصر الطرق إلى جمع المعلومات، وهو شعب غير متعصب بطبيعته وثقافته ضد العرب أو المسلمين.. وهذه محاولة لشرح تلك المفارقة.

تغيير المسار


أتقنت القيادة الأميركية استعمال "عقيدة تغيير المسار" في سياستها تجاه العراق. فقد أعانت صدام على بناء ترسانة أسلحة, ثم ملأت الدنيا ضجيجا حول "أسلحة الدمار الشامل", وانتهى بها المطاف إلى التلفيق والكذب الصريح لتبرير غزو العراق
يرى المفكر الأميركي "نعوم تشومسكي" أن أميركا يسود فيها ما دعاه "عقيدة تغيير المسار"، وهي نوع من التكتيك الدعائي الذي يلجأ إليه السياسيون الأميركيون، حين يعترفون بأخطاء وقعت في الماضي، لكنهم يخرجونها إخراجا يغطي على مساوئهم في الحاضر، ويبرئ ساحتهم في المستقبل. فيكون الاعتراف بمساوئ الماضي مجرد تظاهر بالنزاهة مع النفس ومع الشعب يغطي على مساوئ الحاضر وخطط المستقبل.

ويبدو أن القيادة الأميركية قد أتقنت استعمال "عقيدة تغيير المسار" في سياستها تجاه العراق، فقد أعانت صدام على بناء ترسانة أسلحة ليبيد بها الإيرانيين ويقمع بها شعبه، ثم ملأت الدنيا ضجيجا حول "أسلحة الدمار الشامل" العراقية، حينما انتهت مهمة تلك الأسلحة من وجهة نظرها الانتهازية وانتهى بها المطاف إلى التلفيق والكذب الصريح لتبرير غزو العراق.

وفي هذا الانتقال من النقيض إلى النقيض كان تكتيك "تغيير المسار" من أمضى أساليب الدعاية التي لجأت إليها القيادات الأميركية. ومن أمثلة هذا التكتيك أن أول تبرير لغزو العراق كان "أسلحة الدمار الشامل"، وهو الموضوع الذي شغل العالم بأسره خلال العام 2002، وظهر أكثر من فضيحة وكذبة أثناء التحضير للحرب، مثل رسالة تخرج الطالب العراقي التي سرقتها المخابرات البريطانية واستنسختها –بأخطائها الإملائية واللغوية- وادعت أنها حاصل معلومات سرية جمعتها حول الموضوع، ومثل اليورانيوم الذي ادعت الإدارة الأميركية أن العراق اشتراه من جمهورية النيجر، ثم تبين بعد التحقيق أن ذلك مجرد تزوير وتلفيق.. إلخ.

لكن ظهور هذه الفضائح قبل الغزو لم تمنع الغزو، رغم أن المفترض في دول ديمقراطية أن يؤدي هذا إلى استقالة القيادة وفقدانها أي مصداقية، بيد أن تكتيك "تغيير المسار" كان كفيلا بجعل الشعب الأميركي ينسى هذه الفضائح، وذلك من خلال صرف نظره إلى قضايا أخرى.

واليوم تلجأ القيادة الأميركية إلى أكبر تغيير للمسار، وهو الانتقال من قضية الأسلحة، التي كانت مبرر الحرب ومسوغها، إلى قضية إسقاط صدام حسين، باعتبارها هدف الحرب. وتتحرك الآلة الدعائية الرهيبة هذه الأيام لتركيز هذه الفكرة في أذهان الشعب الأميركي.

وها هو بوش يشكل لجنة لتبرئة ساحته، والبحث عن كبش فداء من الاستخبارات الأميركية، أو من البيروقراطية، يتحمل عنه مسؤولية التزييف الذي اعتمدته إدارته وسيلة لغزو العراق.

وكان بلير –وهو أوسع عقلا من بوش وأبلغ لسانا- قد سبق إلى تكتيك تغيير المسار، فشكل لجنة للتحقيق في انتحار العالم البريطاني ديفد كيلي. وانتهت اللجنة إلى تبرئته من موت كيلي، رغم أن أحدا لم يتهمه بقتله. وكانت النتيجة نصرا مؤزرا لخبراء التدليس والتلبيس، وهزيمة للكلمة الحرة، وصرفا للأذهان عن الحقيقة المرة، حقيقة أن 11 ألف عراقي قضوا في حرب مبناها الكذب والتدليس.

لقد انتحرت النزاهة بانتحار العالِم البريطاني ديفد كيلي، واستقالت الشفافية باستقالة مدير بي بي سي غريغ دايك، وكل ذلك يوحي بانهيار أخلاقي وتشوه سياسي تعاني منهما الديمقراطيات الغربية، خصوصا تلك التي ابتليت بلوبيات صهيونية أو نفطية.

الذاكرة الانتقائية
ويكشف تشومسكي عن تكتيك دعائي آخر، يسميه "الذاكرة الانتقائية"، أي محاولة إشغال النفس والآخرين بأمور من الماضي، وتضخيمها إلى أبعد حد، من أجل التغطية على أمور أخرى من الماضي أو من الحاضر، لو منحها الناس قدرا كافيا من الانتباه لاكتشفوا ما تنطوي عليه من نفاق سياسي.

وتكتيك "الذاكرة الانتقائية" واضح أيضا في تعاطي القيادة الأميركية مع الملف العراقي، إذ يراد من شعب العراق اليوم أن ينسى السنين العجاف الطويلة التي فرضتها عليه أميركا، فأدت إلى موت قرابة المليون شخص جوعا ومرضا دون ذنب اقترفوه، ويراد منه أن ينسى أن المقابر الجماعية في جنوب العراق كانت بتواطؤ من القوات الغازية عام 1991، فهي التي دفعت بالمواطنين الأبرياء إلى الثورة على صدام، ثم تركتهم فريسة لآلته القمعية التي لا ترحم، بل إن بعض تلك المقابر هي لجنود عراقيين دفنتهم القوات الغازية أحياءً أثناء "عاصفة الصحراء".

ويقضي تكتيك "الذاكرة الانتقائية" هذا ألا يتذكر الشعب العراقي سوى فظائع صدام ومساوئ صدام. وما من ريب في أن هذه جديرة بالتذكر والإدانة، لكن صدام كان معه متواطؤون وشركاء كثر، عبثوا بدماء العراقيين وأموالهم خلال العشرين عاما المنصرمة، ولا يزالون يطمعون في المزيد، وأولهم من يدعون اليوم الرأفة بالعراق والغيرة على حرية العراقيين.

لكن شعب العراق ليس الضحية الوحيدة لتكتيكات "تغيير المسار" و"الذاكرة الانتقائية" بل إن الشعب الأميركي من ضحاياهما أيضا، وإلا فلماذا يدفع الأميركيون عشرات المليارات من الدولارات، ويضحون بمئات من زهرة شبابهم، ويقبلون تسميم العلاقات بينهم وبين الشعوب العربية والمسلمة، ويجرون على أنفسهم وبلدهم المقت والكراهية في كل أرجاء الدنيا, بما يهدد بمضاعفات ومآزق مستقبلية سيدفع الجميع ثمنها؟

وهذه أسئلة تقود إلى الحديث عن مأزق الديمقراطية الأميركية وانحطاطها الحالي، الذي يتجسد أكثر ما يتجسد في ظاهرتين، ظاهرة الرشوة المشروعة (تمويل الانتخابات)، وعملية صناعة الإجماع (الدعاية السياسية).

الرشوة المشروعة


أنفق الرئيس جورج بوش 188 مليون دولار في حملته عام 2000، كما أنفق منافسه آل غور 146 مليون دولار على حملته. وكل من المترشحيْن تلقى هذه الأموال الطائلة من شركات ولوبيات لها مصالحها في السياسة الخارجية الأميركية
من أعظم نقاط الضعف في الديمقراطية الأميركية أثر المال على المترشحين، فكل من يصل إلى منصب انتخابي في الولايات المتحدة فهو يدين بذلك لجهتين، الأولى هي جمهور الناخبين الذين صوتوا له، والثانية هي قلة من رجال الأعمال والشركات وقادة اللوبيات الذين مولوا حملته.

ويدرك السياسي المنتخَب أن عليه رد الجميل لهاتين الجهتين إذا كان ممن يرغب في مواصلة مسار سياسي صاعد، أما الجمهور الناخب فأساس اهتمامه هو الشؤون الداخلية من تعليم وصحة وضمان اجتماعي، ولا يستطيع السياسي الأميركي تجاهل هذه المطالب. لكن الجمهور الأميركي لا يعرف الكثير عن العالم، ولا يهتم كثيرا بالسياسات الخارجية، وهو ما يمنح السياسي المنتخب فرصة لرد الجميل لممولي حملته ممن لهم اهتمامات وراء الحدود.

لقد أنفق الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش 188 مليون دولار في حملته عام 2000، كما أنفق منافسه آل غور 146 مليون دولار على حملته. وكل من المترشحيْن تلقى هذه الأموال الطائلة من شركات ولوبيات لها مصالحها في السياسة الخارجية الأميركية.

وقد واجهت مشكلة تمويل الانتخابات المنظرين السياسيين الأميركيين منذ أمد بعيد، ونبه العديد منهم إلى أن هذه الظاهرة كفيلة بإفراغ الديمقراطية من محتواها، حيث يصبح القرار الإستراتيجي وعلاقة الدولة الأميركية بالعالم بيد رجال المال وقادة اللوبيات الذين أوصلوا القادة السياسيين بالمال إلى مناصبهم، وهم يملكون إسقاطهم بالمال متى شاؤوا.

وقد كشفت فضائح شركة "هاليبرتون" المتوالية –وقد كان يترأسها نائب الرئيس ديك تشيني حتى انتخابه– عن عمق الفساد في السياسة الخارجية الأميركية، وبعدها عن الشفافية والرقابة الشعبية، فقد احتكرت "هاليبرتون" أعظم عقود إعمار العراق، بما في ذلك تجديد صناعته النفطية، ثمنا لتمويلها حملة بوش وتشيني الانتخابية عام 2000، وتكشَّف أنها فرضت تعويضات خيالية على وزارة الدفاع الأميركية، وقد اعترفت بذلك مؤخرا، والتزمت برد الأموال بعد انكشاف الفضيحة.

ومثل الشركات النفطية اللوبيات ذات الاهتمام بالسياسة الخارجية الأميركية، وأهمها وأمضاها اللوبي الصهيوني الموالي لإسرائيل، فاليهود الأميركيون يتحملون من تمويل حملات المترشحين من كل الأحزاب ما لا يتحمله غيرهم، لكنهم يجنون ثمرة ذلك ولاء مضمونا ودعما سخيا لإسرائيل. حتى لقد أصبح دعم إسرائيل موضوع الإجماع الوحيد بين السياسيين الأميركيين، بمختلف مشاربهم ومذاهبهم.

لكن مطامح اليهود الأميركيين من الموالين لإسرائيل أكبر كثيرا من مجرد الدعم المالي والعسكري المباشر لها، فهم يسعون إلى أن تتولى الولايات المتحدة تنفيذ الإستراتيجية الإسرائيلية، وتكون درعا واقيا لإسرائيل، دون أن تحتاج إسرائيل إلى دفع أي ثمن من مالها أو دماء أبنائها.

وهذا ما حدث بالفعل في العراق، فالعامل الجوهري الحاسم في غزوه هو تحقيق رغبة الإسرائيليين، وكان اليهود الأميركيون هم القوة الدافعة وراءه. وقد تباهى بذلك الإسرائيليون على الملإ، فكتبت صحيفة هآرتس الإسرائيلية باعتزاز يوم 5/4/2003 أن "غزو العراق كان من بنات أفكار 25 مثقفا أميركيا أغلبهم من اليهود". لكن تأثير اليهود الأميركيين لا يقف عند حدود تمويل الانتخابات، بل يتجاوز ذلك إلى الدعاية الإعلامية.

صناعة الإجماع
لقد رأينا كيف يكون ولاء السياسي الأميركي مقسما بين من انتخبوه ومن مولوه، لكن المصالحة بين هذين الولاءين لا تكون أمرا سهلا أحيانا، ويبدأ التنافس بين الطرفين المتشاكسين على أذنيْ القائد السياسي وقلبه. لكن كفة اللوبيات ورجال المال تترجح في أكثر الأحيان، بفعل عامل آخر يملكه هؤلاء ولا يملكه الناخبون. ذلكم هو الدعاية السياسية، أو ما يدعوه تشومسكي "فن صناعة الإجماع".

إن من يملك المال يمتلك رأيا معتبرا في صناعة القرار الأميركي، ومن يملك وسائل الإعلام يمتلك رأيا معتبرا كذلك. وإذا كان أسلوب الأول، هو البذل للسياسيين وشراء ولائهم، فإن أسلوب الثاني هو الدعاية السياسية، بكل ما تتضمنه من ترويج لبعض السياسيين والإعلاء من شأنهم، والغض من آخرين والتشهير بهم، والتعبئة لقضية من القضايا لدى الرأي العام حتى لا يجد السياسي بدًّا من القبول بها مهما كان اقتناعه الشخصي والتزامه لناخبيه، أو التعبئة ضدها حتى يتبرأ منها جميع السياسيين طوعا وكرها.

لكن ما لا يريد أو لا يستطيع أن يقوله البروفسور تشومسكي -على عمق تحليلاته وحرصه على الإنصاف- هو أن اليهود الأميركيين هم أقدر الناس على "صناعة الإجماع" في الولايات المتحدة. فثروتهم المالية التي يشترون بها المترشحين من كل المشارب تجعل النجاح بغير دعمهم مستحيلا، وسيطرتهم على وسائل الإعلام والترفيه تجعل من يخالفهم إما مجهولا مغمورا أو مهزوما مدحورا.

إن الذي يمتلك في أميركا قناتي "أن بي سي" و"فوكس"، وصحيفتي "نيويورك تايمز" و"الواشنطن بوست"، ومجلتي "التايم" و"نيوزويك"، ومؤسستي "هوليوود" و"ديزني".. يمتلك العقل الأميركي دون منازع. وكل هذه المؤسسات ملك لأسر يهودية أميركية، وهي مجرد مثال لا حصر، وإلا فإن اللائحة طويلة، وهي تشمل مئات المحطات التلفزيونية والإذاعية، وآلاف الصحف المحلية، وعشرات مراكز الدراسات السياسية والإستراتيجية الموجهة.


يبدو أننا نعيش عصر "الاستبداد الديمقراطي" في الغرب، وهو عصر لا يترك للشرفاء من الغربيين سوى أحد خيارين: الانتحار كما فعل كيلي، أو الاستقالة كما فعل دايك
والدعاية السياسية إذا صاحبها تنسيق واحتكار لمصادر الأخبار وهيمنة على التحليلات والآراء، ليست سوى نوع من الاستبداد المتلبس بلبوس الديمقراطية. إنه استبداد لطيف يتأسس على الإقناع لا على الإكراه.

وقد استخدم اليهود الأميركيون الموالون لإسرائيل آلتهم الإعلامية الجبارة لتسويغ غزو العراق، ومارسوا "صناعة الإجماع" بأبشع صورها الدعائية في هذا المضمار. ولم يكن بوسع أي قوة أن تقاوم تيار الكلمات والدولارات الجارف، المشبَّع برائحة الأشلاء والدماء.

يبدو أننا نعيش عصر "الاستبداد الديمقراطي" في الغرب، وهو عصر لا يترك للشرفاء من الغربيين سوى أحد خيارين: الانتحار كما فعل كيلي، أو الاستقالة كما فعل دايك.
ــــــــــــــــــ
* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

المصدر : غير معروف