إلياس حنّا*

- الحرب كانت هزيمة للنظام العراقي
- ما الفوارق الأساسية بين العراقيين والأميركيين؟
- أين كان العامل الحاسم؟
- هل هناك من قطب مخفيّة في هذه الحرب؟

لم يكن أحد يعتقد أن العراق سوف ينتصر على الأميركيين في الحرب الأخيرة، كما لم يكن أحد يعتقد أن الحرب ستكون سريعة وسهلة للأميركيين كما حصل، فالجيش العراقي جيش مجرّب لديه خبرة عسكريّة عالية، حتى ولو كان عتاده مصنفا من عتاد الموجة الثانية (أي الموجة الصناعية).

الحرب كانت هزيمة للنظام العراقي


الحرب كانت تعني للنظام العراقي حرب وجود، ولم تكن تعني للأميركيين سوى ما يتعلّق بمصالحهم الحيوية في المنطقة

قضى الجيش العراقي أكثر من عقدين من الزمن في قتال إخوانه وجيرانه، كما أن الحرب كانت تعني للعراقيين -خاصة النظام- حرب وجود، وفي المقابل لم تكن تعني للأميركيين سوى ما يتعلّق بمصالحهم الحيوية في المنطقة. بمعنى آخر، لو خسرت أميركا الحرب أو تعثرت فيها وانسحبت فهي حتما ستستمر وتعيش لأنها دولة عظمى تخوض حربا على بعد عشرات الآلاف من الكيلومترات عن أرضها.

لكن الذي حصل قد حصل، حتى ولو كتبنا آلاف الكتب عن كيفية تطبيق المؤامرة الكبرى التي أعدها المحافظون الأميركيون الجدد المتصهينون والذين يسيطرون على قرار الإدارة الأميركية الحالية. فالواقع يقول إن أميركا دولة عظمى لديها مصالحها حول العالم، ولا يتوجب علينا أن نُغرم بها. هكذا كانت تتصرف الإمبراطوريات العظمى عبر التاريخ إذا ما كانت تريد الاستمرار في تثبيت هيمنتها.

يبدو إذا أن المطلوب منا نحن العرب أن نعي هذا الواقع ونتصرف بطريقة نستطيع فيها تحقيق أهدافنا القومية. فهل يقول عاقل مثلا إن سلوك النظام العراقي منذ توليه السلطة وحتى سقوطه في 9 أبريل/ نيسان كان عاقلا في أية مرحلة من مراحله؟ لذلك يمكننا الجزم هنا أن الخسارة الكبرى بعد الحرب كانت للنظام، وقد تكون للشعب العراقي في المستقبل القريب إذا لم يحسن التصرف في هذه المرحلة المصيرية.

ما الفوارق الأساسية بين العراقيين والأميركيين؟

هناك عدة فوارق ميزة يمكن إجمالها فيما يلي:

  1. أميركا دولة عظمى، أما العراق فهو دولة إقليمية مهمة. تستطيع القوة الأميركية التدخل أينما كان على وجه الأرض، أما العراق فهو مرتبط بالعامل الجغرافي المحيط به مباشرة. حاول العراق تغيير الخارطة السياسية المحيطة به بالقوة ففشل في هذا الأمر ودفع الثمن غاليا نتيجة لذلك، فهو قد أخطأ في قراءة التغيرات الكبرى كما أخطأ في تقدير قوته.
  2. تميل موازين القوى لصالح أميركا بامتياز، فهي تسيطر على البحار والأرض والجو والفضاء، ويعتبر جيشها من جيوش الموجة الثالثة.. ما المقصود بذلك؟

قسّم الكاتب الأميركي ألفين توفلر في كتابه "الموجة الثالثة" التطوّر البشري إلى ثلاث موجات هي:

  • الموجة الأولى وهي الموجة الزراعيّة، فيها كانت الأرض هي مصدر الثروة الأساسي، وتمثلت قوة وقدرة الأشخاص والدول بمقدار ما يملكون من مساحات أرضية.
  • الموجة الثانية هي الموجة الصناعيّة، فيها كانت الصناعة أساس الثروة إلى جانب الرأسمال، وفي هذه الموجة والتي كان الغرب السباق فيها استطاع هذا الغرب صنع آلة عسكرية متقدّمة جدا سيطر بواسطتها على مستعمرات امتدت على كل الكرة الأرضية.
  • الموجة الثالثة وهي الموجة التكنولوجيّة، في هذه الموجة تراجعت الأرض والرأسمال كمصدرين للسلطة والقوة لصالح المعلومات (Information)، وبدأنا نسمع مفاهيم جديدة تتعلق بالسيطرة المعلوماتية، وفي هذه الموجة حدثت الثورة في الاتصالات وبدا العالم قرية صغيرة.

استنادا إلى هذه الموجات الثلاث يمكننا القول إن لكل موجة وسائلها وقدراتها، وكذلك جيشها وإستراتيجياتها. أين تصنّف كل من أميركا والعراق؟

أميركا:
تصنّف في الموجة الثالثة وبامتياز، خاصة وأنها كانت المصدر لهذه الموجة، وهي التي استطاعت أن تُدخل قدرات ووسائل هذه الموجة في آلتها العسكريّة وفي عقائدها العسكرية وفي كل الأبعاد.

وواشنطن هي الدولة الوحيدة التي استطاعت أن تجرب عمليا على الأرض قدرات هذه الموجة، فهي استعملت حتى الآن قدرات ووسائل هذه الموجة في حروب متعددة واستخلصت منها العبر والدروس الكثيرة. فمن حرب الخليج الأولى إلى كوسوفو فأفغانستان وحتى الحرب الأخيرة على العراق يمكننا رصد التطور الهائل في استعمال التكنولوجيا في الآلة العسكرية الأميركية.

باختصار، تسيطر أميركا على المعلومات، وهي تستطيع تجربة الحرب -أية حرب- قبل خوضها (War gaming).

العراق:
يصنّف العراق في الموجة الثانية، فهو دولة صناعيّة بامتياز، وقد حاول الخروج من هذه الموجة إلى الموجة الثالثة عندما سعى إلى النووي، لكنه فشل. لذلك لا بد من أن ينعكس هذا الأمر على جيشه الذي يُصنف أيضا من جيوش الموجة الثالثة، وكذلك جيوش كل الدول العربيّة (باستثناء مصر في بعض المجالات). وتشذ إسرائيل عن هذا التصنيف، من هنا كان الرادع الكبير للعرب من شن أي حرب تقليدية عليها.

إذا أميركا متقدمة في المجالين التقليدي وغير التقليدي، والعراق متأخر في كل المجالات عن أميركا. وقد بدا واضحا هذا الأمر في التنفيذ العملي على أرض المعركة.

أين كان العامل الحاسم؟


تميّزت أميركا عن العراق في أنها كانت قادرة على تحقيق مفاجآت عملية كثيرة ومستمرة في كل فترة العمليات الحربيّة

إستراتيجيا:
أعلنت أميركا مسبقا هدفها في تغيير النظام العراقي فتكون بذلك قد خسرت عنصر المفاجأة الإستراتيجية لصالح العراق. في هذا الوضع يكون العراق قد عرف مسبقا نوايا العدو، الأمر الذي يعطيه أسبقية لتحضير نفسه للحرب المحتملة.

لذلك عمل العراق وخطط لتحقيق أمرين معا وفي الوقت نفسه هما: إطالة الحرب قدر الإمكان، وإنزال أكبر عدد ممكن من الضحايا الأميركيين في المعركة. في هذا الوضع كانت أميركا مستعدة لتحمل أحد الوضعين اللذين حضرهما العراق لها وعلى الشكل التالي: إمكانية تحمّل خسائر كبيرة على أن تكون الحرب سريعة جدا، أو إطالة الحرب مع خسائر بشرية مقبولة سياسيا. لكنها لم تكن قادرة أن تقبل الأمرين معا، خسائر كبيرة ولفترة طويلة.

عملياتيا:
لم يستطع العراق تحقيق ما أعدّ له إستراتيجيا على المستويين العملي والتكتيكي، وذلك لأنهما (أي العملي والتكتيكي) يشكلان ميدان التنفيذ الفعلي للخطط الكبرى. لكن لماذا؟ تميّزت أميركا عن العراق في أنها كانت قادرة على تحقيق مفاجآت عملية كثيرة ومستمرة في كل فترة العمليات الحربيّة، وذلك رغم خسارتها عمدا للمفاجأة الإستراتيجيّة.

على ماذا ترتكز المفاجأة العمليّة؟
ترتكز المفاجأة العملياتيّة على الأمور التالية:

  • الليونة Flexibility، وتتمثل الليونة في قدرة القوى العسكرية على المناورة مع القوات العدوّة من كل الجوانب للقضاء عليها. وقد استعملت أميركا كل الوسائل للمناورة مع القوات العراقية.
  • الاستعلام الآني والمستمر لأرض المعركة ومحيطها Situational Awareness، بمعنى آخر تقليل الغموض والالتباسات إلى حدهما الأدنى Uncertainties. فبسبب السيطرة الأميركية على المعلومات، وبسبب استعمالها أحدث التكنولوجيا لمراقبة أرض المعركة وما يدور حولها، استطاعت أميركا أن تحقق مفاجآت إستراتيجية بطريقة مستمرة على القوات العراقية. باختصار، استطاعت أميركا أن تناقض ما بشّر به المفكر الروسي كارل فون كلوزفيتز عن الغموض في الحرب Fog of War، فهي زادت الغموض على العراقيين، وقللته على قواتها، الأمر الذي أعطاها القدرة على القرار السريع، بعكس الواقع العراقي.
  • القدرة على تأمين الدعم الناري للقوى المناورة عند الطلب واللزوم Fire Support، تبدو أميركا قادرة حسب ما رأينا على تأمين هذا الدعم من أبعاد كثيرة، من الجو بواسطة طائرات مع طيار أو من دونه، من البحر عبر الطائرات وعبر صواريخ الكروز، من الأرض عبر المدفعية التقليدية، ومن مصادر متعددة.

أين بدت هذه المفاجآت العملياتيّة؟
تميّز التقدم الأميركي من الجنوب باتجاه بغداد بسرعته الفائقة، فهو الأسرع في تاريخ الحروب العسكريّة (70 ميلا في اليوم). يُعزى سبب هذه السرعة إلى أن أميركا كانت قادرة على تأمين كل عناصر المفاجأة العملياتيّة والليونة والاستعلام المستمر والدعم الناري.

هل هناك من قطب مخفيّة في هذه الحرب؟

هل قتل صدام حسين في الغارة الأولى؟

بالطبع، فالمعروف عن هذه الحرب حتى الآن لا يشكل أكثر من 10% مما حصل بالفعل، فماذا عن القطب المخفيّة؟

  • قد تكون هذه القطب المخفية موجودة في التحضير الأميركي المكثف قبل إطلاق الطلقة الأولى، وقد تبدو القوات الخاصة وكأنها لعبت الدور الأكبر في تحقيق المفاجأة العملياتية التي تحدثنا عنها أعلاه، فمن المفروض أن تكون هذه القوى قد أعدت مسبقا المسالك للقوى المتقدمة باتجاه الشمال، وإلا فما معنى عدم تفجير أي جسر أمام الأميركيين إذا كان العراق قد أعد لحرب تاريخية؟
  • ويقال أيضا إن هذه القوى كانت موجودة في العاصمة بغداد مسبقا، وهي التي أعدت الأهداف التي قصفها الطيران الأميركي، وعلى رأسها مراكز وجود الرئيس صدّام. كما أن هذه القوات كانت قد أمنت حماية آبار النفط.

هل هناك من خيانة؟
ممكن إذا ما انطلقنا من نظريّة المؤامرة، ونحن المهووسون بها. لكننا يجب أن نسأل هنا بعض الأسئلة والتي تبدو محيّرة، فإذا ما سلمنا جدلا أن الرئيس صدّام كان لا يزال حيا حتى وصول الأميركيين إلى مداخل العاصمة بغداد..

  • فلماذا لم نر أية مقاومة مهمة بين كربلاء ومشارف العاصمة، مع العلم بأن أهم القوى العراقية العسكرية الموالية للرئيس كانت منتشرة هناك؟
  • ولماذا لم نر أيّة مؤشرات ودلائل على تحضير العاصمة بغداد لقتال المدن، خاصة وأنه ارتكز في إستراتيجيته الكبرى على عاملي الوقت والضحايا الأميركية الكبيرة؟
  • ولماذا لم يُدمّر أي جسر خارج وداخل العاصمة بغداد والتي يخترقها نهران هما دجلة وديالى؟
  • وأين تبخّر أكثر من مائة ألف جندي عراقي مع قادتهم؟

هل هناك من تفسير لهذا الأمر؟
يُعتقد أنه -وحسب الاستخبارات الألمانية- أن الرئيس صدّام حسين كان قد قتل في الغارة الأولى عليه. وما يُعزّز هذا الأمر هو أن المقاومة العراقية من قبل فدائيي صدام للقوات الأميركية راحت تتراجع كلما اقتربت هذه القوات من العاصمة بغداد، في الوقت الذي يجب أن تشتدّ فيه هذه المقاومة حسب المنطق العسكري. فالعاصمة هي مركز الثقل الأساسي للنظام، وهناك يجب أن تكون مناطق القتل الأساسية للأميركيين Killing Zone.

انطلاقا من هذه النظريّة عرف قادة الحرس الجمهوري بهذا الأمر لاحقا، الأمر الذي جعلهم يشعرون أن الأمر قد انتهى، فعقدوا صفقة مع الأميركيين. وقد تكون هذه الصفقة بمساعدة الروس. وهذا ما قد يفسر زيارة كوندوليزا رايس إلى موسكو قبيل سقوط بغداد، واقتراحها فيما بعد للرئيس بوش النظرية التالية: بعد الحرب يجب أن نسامح روسيا ونتجاهل ألمانيا ونعاقب فرنسا.

هل هذا معقول؟ بالتأكيد، وهنا المأساة. وذلك لأن إضافة هذه النكسة إلى سابقاتها قد يجعلنا نعود قسرا إلى الموجة الزراعيّة الأولى. هذا عدا ما ينتظرنا في البُعد الفلسطيني من مفاجآت، فهل نحن على الموعد وجاهزون له؟ أمر مشكوك فيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*عميد ركن متقاعد، وأستاذ محاضر في جامعة السيدة لويزا-لبنان

المصدر : غير معروف