بقلم: علي صبري*

-التنحي الدرامي
-الدلالات التنظيمية والانتخابية
-الاستقالة والتيار الإسلامي المنافس
-الاستقالة والملفات المفتوحة
-سيناريوهات ما بعد غياب محاضر

محاضر يبكي بعد تراجعه عن الاستقالة
عاشت ماليزيا أيام عطلة نهاية الأسبوع بقدر كبير من المشاعر الجياشة، وتلقت صدمتين مفاجئتين الأولى وفاة فاضل نور (65 عاما) زعيم الحزب الإسلامي "باس" حزب المعارضة الرئيسي صباح الأحد 23 يونيو/حزيران بعد أن قضى قرابة الأسبوعين في المستشفى في غيبوبة عقب إجراء عملية جراحية له في القلب. والثانية -وإن كانت سبقت بتوقيتها الأولى- إعلان الدكتور محاضر محمد استقالته من منصب رئيس الوزراء ورئيس حزب "أمنو" الحاكم في كلمته التي ألقاها في ختام أعمال المؤتمر السنوي الـ56 لحزب المنظمة القومية الملاوية المتحدة الحاكم (أمنو)، وذلك قبل أن يقنعه قادة حزبه بالعدول عن الاستقالة.

ثم أعلن عبد الله بدوي نائب محاضر أنه ذهب يوم الأحد في إجازة إلى إيطاليا حتى الثالث من الشهر القادم ليستأنف بعد ذلك عمله من جديد، وأنه لن يكون هناك تغيير على برنامج زيارته لتايلند في الفترة من 5-7 يوليو/تموز القادم.


ارتبط اسم الدكتور محاضر محمد بنهضة ماليزيا وقوتها، ومن الصعب تصور تنحي باني هذه النهضة وهو لا يزال على قيد الحياة، إضافة إلى أن المكونات الشخصية لمحاضر والكاريزما التي يتمتع بها تصعب من مهمة خلافته بغض النظر عمن يخلفه

قرار الاستقالة كان صدمة لكوادر حزب أمنو الـ2000 الذين كانوا يستمعون لكلمته قبل الشارع الماليزي الذي تابع الكلمة على الهواء مباشرة، فكانت صدمة أكثر منها مفاجأة، لأن اسم محاضر محمد ارتبط بنهضة ماليزيا وقوتها، ومن الصعب تصور تنحي باني النهضة الماليزية وهو لا يزال على قيد الحياة، إضافة إلى أن المكونات الشخصية لمحاضر والكاريزما التي يتمتع بها تصعب من مهمة خلافته بغض النظر عمن يخلفه، خصوصا وأن الشخص الذي كان مؤهلا ومرشحا لوراثته سياسيا هو أنور إبراهيم الذي قاده خلافه مع رئيس الوزراء إلى الحكم عليه بالسجن 15 عاما.

لكن هل كان محاضر جادا في تنحيه عن السلطة؟ وما هي دواعي هذا التنحي؟ وكيف سيكون سيناريو ما بعد محاضر؟

التنحي الدرامي

لم يكن يوم السبت 22 يونيو/حزيران هو المرة الأولى التي يبدي فيها محاضر رغبته في الاستقالة، فقد سبق أن تداولت الأوساط السياسية والإعلامية في ماليزيا أفكارا تراوده بأن يترك قيادة الحزب لشخص آخر حتى يتفرغ لإدارة الحكومة، والذي منعه من الاستقالة سابقا هو ما كانت تمر به البلاد من حالة عدم استقرار اقتصادي عقب هزة 1997، ففضل البقاء للتأكد من تجاوز هذه الأزمة، ووجد الوقت مناسبا بعد استقرار الاقتصاد الماليزي لتسليم السلطة لقيادة بديلة. ويعتقد المراقبون أن محاضر جاد هذه المرة بالتنحي لأنه يريد أن يخرج من الحياة العامة بعد النجاح الاقتصادي والسياسي الذي حققه على حساب المعارضة المتمثلة أساسا في الحزب الإسلامي "باس".

وقال مصدر في حزب أمنو إن محاضر قال لبدوي وآخرين إنه سيتخلى بالفعل عن السلطة لكنه لا يعلم متى سيتم ذلك فعليا. ويعتبر بدوي المرشح الأقوى لخلافة محاضر في رئاسة الوزراء وإن لم يكن الوحيد، إذ ينافسه وزير الدفاع نجيب تون رزاق. ويبقى البحث عمن سيخلف بدوي في مناصبه التي يرشح لها المراقبون وزير الدفاع بالدرجة الأولى يليه وزير التجارة المحلية محيي الدين ياسين.

ورغم ما يظهر من جدية محاضر هذه المرة في التنحي فإن ظروف وطريقة إعلان الاستقالة لا تخلو من رغبة في إثارة ضجة وتحويلها إلى دراما مؤثرة، وهو ما تعود عليه مبكرا في إجادة عرض وتسويق مواقفه وقراراته عبر وسائل الإعلام، وكان على الدوام مادة للصفحات الأولى في الصحف والقنوات التلفزيونية داخل ماليزيا وخارجها، وإلا فإن قرارا بهذا الحجم والخطورة والأهمية على مستقبل السياسة في ماليزيا والحزب الحاكم لا يُلقى كقنبلة في وجه الشعب الماليزي فضلا عن قادة الحزب أنفسهم، ومؤسسات الحزب القيادية هي الساحة الطبيعية لإبداء مثل هذه الرغبة وليس البث المباشر على قناة التلفزيون، فالأمر كان استثمارا دعائيا لشخص محاضر مع وجود رغبة جادة في التواري إلى ظل السياسة الماليزية بعد 21 عاما من الحكم.

الدلالات التنظيمية والانتخابية


رغم ما يظهر من جدية محاضر هذه المرة في التنحي فإن ظروف وطريقة إعلان الاستقالة لا تخلو من رغبة في إثارة ضجة وتحويلها إلى دراما مؤثرة، وهو ما تعود عليه مبكرا في إجادة عرض وتسويق مواقفه وقراراته عبر وسائل الإعلام
ربما كان توقيت الإعلان له مغزى تنظيمي داخل الحزب والائتلاف الحاكم، فقد كان محاضر أعلن نيته إجراء انتخابات عامة مبكرة في أوائل عام 2003، وهي الانتخابات التي كانت مقررة في 2004، ويريد أن يعطي الوقت الكافي للقيادة الجديدة للإمساك بأوراق الحزب والائتلاف قبل إجراء الانتخابات وإن لم تكن بالمهمة السهلة للزعيم الجديد أن يملأ الفراغ الذي سيخلفه محاضر، فقد ارتبطت شعبية الحزب لحد ما بشخصه، لذلك يحتاج توريث القيادة إلى بعض الوقت. ويرجح بعض المراقبين أن يؤجل محاضر تنحيه الفعلي إلى ما بعد الانتخابات ليضمن تحقيق نتائج جيدة فيها وعدم المغامرة بلعبة خطرة كالانتخابات العامة لتأخذ القيادة الجديدة ما يكفي من الوقت وتتسلم الأمور بسلاسة.

وإلى جانب الحاجة للتعجيل في الانتخابات للسبب السابق فإن محاضر يريد استثمار إنجازاته وإنجازات حزبه على صعيدين، الأول تجاوز الأزمة الاقتصادية بنجاح وتعافي الاقتصاد الماليزي دون اللجوء إلى وصفة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والاعتماد على القدرات الذاتية للبلاد، وهو ما كان تحديا حقيقيا أمام حكومته، ونجح فيه نجاحا مبهرا. والثاني سياسي حيث تمكن من هزيمة المعارضة المتمثلة في الحزب الإسلامي "باس" في انتخابات فرعية بولاية بهانغ في مارس/آذار الماضي، سبقها انتخابات تكميلية مماثلة في شمال البلاد، فقد استغل الحزب الحاكم هجمات 11 سبتمبر/أيلول وركب موجة مكافحة الإرهاب "الإسلامي" وأشهر هذا السيف في وجه الحزب الإسلامي فاعتقل 62 من كوادره بتهمة الإرهاب والعمل على إقامة دولة إسلامية توحد دول جنوب شرق آسيا، وتم الاعتقال بموجب قانون الأمن الداخلي الذي يتيح للسلطات اعتقال أفراد دون محاكمة أو توجيه أي تهمة لهم.

وهذا القانون كان يُعمل به في حقبة الاستعمار البريطاني لماليزيا، وقد تجاوزت دائرة أضراره التيار الإسلامي أو أنور إبراهيم بوصفه رمزا إسلاميا إلى منظمات نسائية والتيار اليساري وحتى منظمات البيئة، وعمل هذا القانون على تقريب المسافات بين هذه الحركات والمنظمات وتوحيدها أو التنسيق بينها لمقاومة ما يوصف بظلم الحكومة وتعسفها.

الاستقالة والتيار الإسلامي المنافس

فاضل نور
ويحاول محاضر أن يسوق نفسه داخل المجتمع الماليزي والسوق العالمية بوصفه زعيما مسلما معتدلا لا يقبل التعصب ويحاربه، لذلك هاجم في كلمته في الاجتماع الأخير -ومن بعده كتاب الحزب الحاكم- نية حزب باس الإسلامي تطبيق الشريعة الإسلامية في إحدى الولايات، وشككوا في صلاحية إقامة الحدود على المجتمع في هذا الزمان واعتبروا هذا التوجه تقليدا لما قامت به حركة طالبان في أفغانستان، وأرجعوا الدمار الذي لحق بأفغانستان إلى مواقف طالبان من مسألة تطبيق الحدود.

ورغم أن محاضر لا يصرح برفض تطبيق الشريعة فإنه يتهم الحزب الإسلامي بتشويه حقيقة الإسلام وقوانينه السمحة، وجاءت تصريحاته وهجومه على الحزب الإسلامي بعد إعلان رئيس الحزب التنفيذي الجديد عبد الهادي أوانغ رئيس وزراء ولاية تونغانو نية حزبه تطبيق الشريعة في الولاية وهي واحدة من ولايتين يسيطر عليهما الحزب من ولايات ماليزيا الثلاث عشرة.

واستطاع حزب باس أن يكسب مواقع جديدة في الانتخابات الأخيرة عام 1999 على حساب حزب أمنو بعد أن استغل أزمة أنور إبراهيم الإسلامي والذي يعلم الشارع الماليزي أن محاكمته لم تكن أكثر من معركة سياسية، وهذا ما أكده "حتى رملي" المسؤول في حزب باس حين قال "إن إعلان محاضر الاستقالة والتراجع عنها بهذه الطريقة يهدف إلى اصطياد التعاطف والأصوات الانتخابية، وقد يدعو قريبا إلى انتخابات عامة".

الاستقالة والملفات المفتوحة

أنور إبراهيم
تواجه حكومة محاضر انتقادات واسعة فيما يتعلق بحقوق الإنسان وممارساتها اللاديمقراطية مع المعارضة أو حتى منتقديها، وكانت الولايات المتحدة تقود هذه الحملة، وتجلى ذلك في أزمة أنور إبراهيم الذي ناصرته واشنطن. وسواء كان الخلاف بين محاضر وأنور إبراهيم يتركز على السياسات الاقتصادية بعد هزة 1997 والموقف من الاعتماد على الغرب وقروض المؤسسات المالية الدولية ومسألة فرض قيود على رؤوس الأموال والاستثمارات كما تدعي الحكومة، أو محاربة وانتقاد إبراهيم لفساد المقربين من محاضر واستغلال نفوذهم السياسي لمصالحهم الشخصية كما يقول أنصار إبراهيم، فإن الغرب بعمومه وقف إلى جانب أنور إبراهيم.


عندما التقى محاضر وبوش على هامش قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والباسيفيك (آبيك) في شنغهاي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لم يشر بوش إلى ملف حقوق الإنسان في ماليزيا، وهو ما يشير إلى توافق بين القيادتين في الحملة الأميركية لمكافحة الإرهاب التي تقودها في جنوب شرق آسيا
غير أن الأمر اختلف بعد 11 سبتمبر/أيلول، فبعد زيارة وان عزيزة وان إسماعيل زوجة أنور إبراهيم لواشنطن في يونيو/حزيران 2001 ولقائها بالعديد من المسؤولين في الخارجية والكونغرس، بعدها بأسابيع التقى وزير الخارجية الماليزي سيد حميد نظيره الأميركي كولن باول، وأوضح حميد أن لقاء محاضر مع الرئيس الأميركي بوش ممكن إذا تراجعت واشنطن عن مواقفها تجاه قضية أنور إبراهيم وانتقادها للحكومة الماليزية في إدارتها للوضع السياسي في البلاد.

وعندما التقى محاضر وبوش على هامش قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والباسيفيك (آبيك) في شنغهاي بأكتوبر/تشرين الأول الماضي، لم يشر بوش إلى ملف حقوق الإنسان في ماليزيا، وهو ما يشير إلى توافق بين القيادتين في الحملة الأميركية لمكافحة الإرهاب التي تقودها في جنوب شرق آسيا، هذا إذا لم يتجاوز التعاون هذا الملف إلى ملفات أخرى، ويبقى ملف العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب عموما واحدا من الملفات التي تستحوذ على الاهتمام في حال غياب محاضر لأن أيدولوجيته القومية وسياساته العصامية قد لا تتوفر -على الأرجح- لدى خليفته، وقد كان نائبه أنور إبراهيم مختلفا معه على هذه السياسة.

سيناريوهات ما بعد غياب محاضر

رغم أن ماليزيا بلد صغير (23 مليونا) قياسا لدول الإقليم فإن محاضر محمد تجاوز بسمعته وتأثيره منطقة جنوب شرق آسيا واستطاع أن يفرض نفسه كشخصية عالمية يحرص العالم على متابعة مواقفه وسياساته خصوصا وأنه اشتهر بانتقاده للعولمة وبمقاومة سياسات الغرب الاقتصادية واستغلال المؤسسات المالية العالمية للهيمنة على الدول النامية.

واستطاع محاضر ببراعة أن يرتقي بالسكان الأصليين الملاويين ويوفر لهم فرص السيطرة على البلاد من دون أن يخلق صراعا عرقيا وطائفيا مع مكونات المجتمع الأخرى الرئيسية وهم الصينيون والهنود، وحافظ على تماسك المجتمع الماليزي وتمازجه وصنع منه واحدا من أغنى دول جنوب شرق آسيا وأكثرها تقدما.

لكن غياب محاضر عن ساحة القيادة -قيادة الساحة الماليزية- سيفتح الباب أمام سيناريوهات عديدة لمسار البلد السياسي أولا والاقتصادي ثانيا حتى لو لم يكن هذا الغياب كاملا، بمعنى أنه قد يبقى له دور ما في توجيه القيادة الجديدة، ويبقى بمثابة الأب الروحي لمشروع النهضة الماليزية.


من غير المتوقع أن تشمل "الهزة" بغياب محاضر النسيج الاجتماعي الموزاييكي في ماليزيا، لأن هذا التكوين أصبح من أساسيات المجتمع ومكوناته المجمع عليها، لكن الحراك السياسي الذي يمكن أن يطرأ على ماليزيا قد ينعكس على الأحوال الاقتصادية
لكن مثل هذه المشاريع تتأثر وقد تنتكس بعد غياب الزعيم المؤسس. وفي حالة ماليزيا، وفي ظل تنامي المعارضة السياسية وتوحيد صفوفها، فإن غياب شخص محاضر سيضعف موقف الحكومة إن لم يكن بشكل حاد وفوري، فعلى المدى المتوسط، هذا إذا لم تغير الحكومة من ممارستها الديمقراطية/ الدكتاتورية التي كان يعتمدها رأس الحكومة في إدارة البلاد، ومن المرجح أن يشمل التغيير ملف العلاقة مع الغرب كما سبقت الإشارة، والمؤسسات الدولية وهجمة العولمة بكل معطياتها وألوانها.

ومن غير المتوقع أن تشمل "الهزة" بغياب محاضر النسيج الاجتماعي الموزاييكي في ماليزيا، لأن هذا التكوين أصبح من أساسيات المجتمع ومكوناته المجمع عليها. غير أن الحراك السياسي الذي يمكن أن يطرأ على ماليزيا قد ينعكس على الأحوال الاقتصادية، ورغم أن الاقتصاد الماليزي يتمتع بقدر جيد من الاستقرار والقدرة الذاتية على التنامي فإنه يبقى مرتبطا بدرجة كبيرة بالتيرمومتر السياسي، وهذا سيتحدد إلى حد كبير بالفترة التي سيقضيها محاضر محمد في السلطة قبل أن يتولى إلى الظل، كما سيتحدد بناء على سياسة حكومته في هذه الفترة تجاه المعارضة والساحة الدولية.

_______________
*كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في إندونيسيا

المصدر : غير معروف