بقلم: ياسر الزعاترة*

- مؤتمرأم علاقات عامة؟!
- الموقف الإسرائيلي الداخلي
- الموقف الأميركي وتبني رؤية شارون
- الموقف الفلسطيني العربي
- فكرة المؤتمر إلى أين؟

ياسر عرفات (يمين) وأحمد ماهر وكولن باول
تبدأ قصة المؤتمر الدولي للسلام الذي اقترحه رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون من الأزمة التي يعيشها منذ مطلع شهر فبراير/شباط الماضي وقد تمثلت معالم تلك الأزمة في الخسارة السياسية التي لحقت بالدولة العبرية في الأوساط الأوروبية والدولية عموماً -رسمياً وشعبياً- فضلاً عن الأوساط العربية والإسلامية "المعتدلة" منها، و"المتطرفة" في آن معاً.

كانت الدولة العبرية تعيش واحدة من أسوأ حالاتها على الصعيد السياسي، وقد مثلت أوروبا موقفاً متقدماً في ترجمة تلك الحال، حيث التراجع المثير في شعبية (شارون) وحكومته، وهو التراجع الذي انعكس على الموقف الرسمي الذي وصل به الحال حد التهديد بقطع إمدادات السلاح عن تلك الدولة.


تقوم فكرة شارون العتيدة على عقد مؤتمر دولي للسلام في الولايات المتحدة في غضون ستة أسابيع بحضور مصر والأردن والسعودية والمغرب إلى جانب ممثلين عن الفلسطينيين
وخلال أسابيع خرجت المظاهرات المنددة بالعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في معظم العواصم الأوروبية، ولم يمنع تلك المظاهرات ذلك الاستنفار الواسع في الأوساط اليهودية التي اضطرت إلى تجميع صفوفها لمواجهة الحملة.

الموقف الرسمي الأوروبي وجد في المواقف الشعبية فرصة للخروج من حاله التقليدية، حيث بدأ يصعد انتقاداته لسلوك (شارون)، محققاً بذلك هدفين في آن معاً، الأول هو الاستجابة للمواقف الشعبية إلى جانب الاِنسجام مع موقف التوازن من الطرح "الشرق أوسطي"، أما الهدف الثاني فهو إيصال رسالة غضب إلى راعية الدولة العبرية (الولايات المتحدة) بسبب مواقفها المتجاهلة للمصالح الأوروبية منذ شهور في سياق معركتها ضد ما تسميه الإرهاب.

المواقف الدولية الأخرى، وعلى رأسها الروسية والصينية كانت على ذات الحال، وكذلك شأن الموقف العربي والإسلامي الذي اضطر لمجاملة شارعه الغاضب على نحو غير مسبوق. واللافت أن شعبية الدولة العبرية داخل الولايات المتحدة قد تراجعت أيضاً، على رغم تميز إدارة بوش بتعاطف غير مسبوق مع يميني مثل شارون.

مؤتمر أم علاقات عامة؟!

في هذه الأجواء خرج شارون بفكرته الجديدة حول المؤتمر الدولي في محاولة للقول إنه ليس رجلاً عسكرياً فقط، وإنما داعية سلام أيضاً، وقد علق ناحوم برنياع المحلل الرئيس في صحيفة يديعوت أحرونوت على ذلك بالقول: "الفكرة جاءت من عالم العلاقات العامة وليس من عالم السياسة". والواقع أن المسألة لا تعدو محاولة لإعادة ترميم وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي غدا جزاراً ووحشاً في بعض الرسوم الكاريكاتورية في الصحف الغربية إضافة الى إعادة ترميم وجه الدولة العبرية الذي شوهته صور المجازر في جنين ونابلس. بيد أن الهدف المذكور من إِطلاق الفكرة لا ينفي أن شارون ليس معنياً تماماً بتحقيقها إذا ما مهد الأميركيون الطريق أمامها.


المسألة لا تعدو محاولة لإعادة ترميم وجه شارون الذي غدا جزاراً ووحشاً في بعض الرسوم الكاريكاتورية في الصحف الغربية إضافة الى إعادة ترميم وجه الدولة العبرية الذي شوهته صور المجازر في جنين ونابلس
تقوم فكرة شارون العتيدة على عقد مؤتمر دولي للسلام في الولايات المتحدة في غضون ستة أسابيع بحضور مصر والأردن والسعودية والمغرب إلى جانب ممثلين عن الفلسطينيين.

انطلاقة الفكرة تضمنت شرطاً بعدم حضور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات للمؤتمر، وهو الجزء الذي لفت الانتباه خلال الأيام الأولى التي أعقبت إطلاق الفكرة يوم الأحد (14/4)،بيد أن واقع الحال هو أن شارون لم يكن ليتوقف كثيراً عند هذه النقطة، ويمكن القول إنه قد ألقاها ليغدو العدول عنها تنازلاً. وقد أكد بن كسبيت مراسل صحيفة هآرتس للشؤون الحزبية أن شارون سيوافق على مشاركة عرفات في إطار مثل هذا المؤتمر ".

يمكن القول إن مشاركة الأطراف الأخرى قد طرحت بذات الطريقة، وعلى رأسها تجاهل الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، وهو التجاهل الذي أفرز رفضاً من قبل هذه الأطراف لعقد المؤتمر، عكسته تصريحات مختلفة لعدد من القادة الأوروبيين والروس. وقد ينطبق ذلك إلى حد ما على حضور سوريا ولبنان أيضاً.

الموقف الإسرائيلي الداخلي


اِن أحداً في الدولة العبرية لا يمكنه رفض الفكرة تماماً، ولكن الحديث مركز على الإمكانية من زاوية الحضور والمشاركين إذ أن إِخراج شارون من مأزقه هو أمر مهم بالنسبة للدولة كذلك، بدليل بقاء وزراء حزب العمل في الحكومة رغم كل الخلافات
لم تجد فكرة شارون ترحيباً حقيقياً في الأوساط الإسرائيلية، فقد ذهب وزراء حزب العمل إلى أن شارون يوهم نفسه ويضلل مستمعيه بإمكان موافقة أي مسؤول فلسطيني أو زعيم عربي على المشاركة في مؤتمر سلام دون عرفات. بيد أن بيريس كان مخالفاً لهذا النَّفَس، معتبراً أن ذلك المؤتمر قد يشكل "أفقاً سياسياً، ومن الضروري أن يعقد" دون جدول أعمال وإملاءات من أجل إيجاد حلول ملائمة للأزمة الحالية".

يوسي سريد زعيم حركة ميريتس اليسارية قال إن اقتراح شارون فارغ المضمون وإنه جاء بعد أن أدرك أن عليه طرح شيء ذي مضمون سياسي بعد العملية العسكرية الحالية.

ومع ذلك يمكن القول اِن أحداً في الدولة العبرية لا يمكنه رفض الفكرة تماماً، ولكن الحديث مركز على الإمكانية من زاوية الحضور والمشاركين إذ أن إِخراج شارون من مأزقه هو أمر مهم بالنسبة للدولة كذلك، بدليل بقاء وزراء حزب العمل في الحكومة رغم كل الخلافات.

الموقف الأميركي وتبني رؤية شارون

دبابة إسرائيلية تتمركز في بيت لحم وفي الإطار صورتي أرييل شارون (يمين) وياسر عرفات
من الضروري الإشارة إلى أن اقتراح شارون قد خرج اِلى العلن للمرة الأولى خلال لقاء مع كولن باول وزير الخارجية الأميركي الذي أرسلته الإدارة اِلى الشرق الأوسط لإخراج شارون ودولته من المأزق المتمثل في تصعيد العمل المقاوم والرد العسكري غير المقبول دولياْ عليه، سيما وواشنطن تأمل بوقف حال التأزم لتهيئة الأجواء لضرب العراق من جهة، ِإضافة إلى الحرج الذي وقعت فيه إثر تصريحات بوش المطالبة بانسحاب إسرائيلي فوري من المدن الفلسطينية التي احتلت خلال الاجتياح، وهو المطلب الذي تجاهله شارون.

باول الذي تبنى اقتراح شارون لم يكن بإمكانه تسويقه على الدول العربية، ليس لشرط غياب عرفات، حيث يدرك أنه شرط من السهل التراجع عنه، وليس لغياب سوريا ولبنان لأنه يدرك أيضاْ أن بالإمكان تجاوزه بطريقة أو بأخرى، ولكن لأن الحديث في هذا الأمر لن يكون سهلاْ قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي من المدن التي احتلها. يضاف إلى ذلك ضرورة وجود عناصر مشجعة لحضور المؤتمر أو الموافقة على عقده ابتداءً.

أسبوعية تايم الأميركية في عددها الأخير قالت إن باول قد قدم اقتراحات تشجيعية للأطراف الفلسطينية والعربية، وتقوم تلك الاقتراحات على خطة تشمل عدة عناصر أهمها الاعتراف الفوري بالدولة الفلسطينية، إلى جانب نقل مناطق من قطاع غزة عليها مستوطنات للدولة الفلسطينية، ثم وضع مراقبين دوليين في المناطق وإنشاء صندوق دولي لترميمها، وبعد ذلك يجري الحديث عن حدود الدولة الفلسطينية وعاصمتها من خلال المؤتمر الدولي المقترح.

الموقف الفلسطيني العربي

ما إن خرج الاقتراح الشاروني اِلى العلن حتى أعلن رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات استعداده لقبوله، بشرط أن يعقد المؤتمر برعاية الولايات المتحدة وأن يترافق مع انسحاب فوري للجيش الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية.


قدم باول اقتراحات تشجيعية للأطراف الفلسطينية والعربية، تقوم على خطة تشمل عدة عناصر أهمها الاعتراف الفوري بالدولة الفلسطينية، إلى جانب نقل مناطق من قطاع غزة عليها مستوطنات للدولة الفلسطينية، ثم وضع مراقبين دوليين في المناطق وإنشاء صندوق دولي لترميمها، وبعد ذلك يجري الحديث عن حدود الدولة الفلسطينية وعاصمتها من خلال المؤتمر الدولي المقترح

الدول العربية من جهتها أعربت واحدة تلو الأخرى عن رفض فكرة المؤتمر، وكان على رأسها كل من سوريا ولبنان اللتين استبعدهما شارون من الحضور. وتحفظت الأردن على عقد المؤتمر في الظرف القائم، أما موقف مصر الذي هو الأهم بالطبع، فقد عبر عنه الرئيس المصري الذي رفض عقد المؤتمر من دون الانسحاب الإسرائيلي ووقف إطلاق النار، وهو ذات الشرط الفلسطيني. فيما كان عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية أكثر وضوحاً حين ذهب إلى أن الدعوة قد جاءت نتاجاً لحاجة شارون إلى "عملية تجميلية". وأضاف "لا يمكن أن نتصور انعقاد مثل هذا المؤتمر لمجرد أن يأتي شارون ويجلس مع الزعماء العرب متوهماً أنهم سيهرولون إليه ويسامحونه على ما قام به، وقبل أن يسحب قواته من المناطق التي احتلها". وأوضح موسى أنه "إذا كان لهذا المؤتمر أن يعقد، فهذا ممكن في نهاية العملية وليس في بدايتها".

وقد عاد باول من جولته دون الوصول إلى شيء عملي، سواء بحجة الانسحاب الإسرائيلي الذي تأخر ريثما تحقق عملية "السور الواقي" أهدافها، أم بحجة الحصول على دعم عربي لفكرة المؤتمر الدولي، ولعل ذلك هو ما دفع رئيسه بوش إلى تصعيد اللهجة مع الدول المرشحة لحضور المؤتمر لضمان انعقاده وهي مصر والسعودية والأردن حيث خاطبها بأسلوب مهين حيث قال: "إن المصريين والأردينين والسعوديين ساعدوا في الحرب الواسعة على الأرهاب، وعليهم أن يساعدوا في مواجهة الإرهاب الشرق أوسطي" . مضيفاً: "على جميع الأطراف أن يقولوا بوضوح إن القاتل ليس شهيداً، فهو أو هي مجرد قاتل".

فكرة المؤتمر إلى أين؟

بالإمكان القول إن نجاح فكرة المؤتمر ستعتمد على جملة عوامل أهمها مدى صمود الموقف العربي الرسمي ومعه الفلسطيني أمام الضغوط.


لقد بات من الصعب على عرفات مقايضة الخروج الإسرائيلي من المدن الفلسطينية بوقف الانتفاضة والمقاومة والعودة إلى التعاون الأمني دون أفق سياسي حقيقي. ولما كان برنامج (شارون) لا يملك شيئاً كهذا فإن لعبة الكر والفر ستتواصل، وستكون فكرة المؤتمر عبثية إلى حد كبير
ولا شك أن الموقف المصري سيكون أساسياً على هذا الصعيد حيث بدأ يسجل تطوراً خلال الأيام الأخيرة باتجاه رفض الإملاءات الأميركية الإسرائيلية، وإذا واصل هذا التطور حضوره وعاد التنسيق مع دمشق والرياض إلى مستوياته الجيدة، فسيكون من الصعب على واشنطن وتل أبيب فرض الفكرة دون مقدمات معقولة، حتى لو تم الانسحاب من المدن الفلسطينية، وهو ما يبدو بعيد المنال خلال الأسابيع القليلة القادمة، وإن يكن خيار البقاء داخل المدن لأمد طويل غير وارد، نظراً لكلفته الأمنية والسياسية.

لقد بات من الصعب على عرفات مقايضة الخروج الإسرائيلي من المدن الفلسطينية بوقف الانتفاضة والمقاومة والعودة إلى التعاون الأمني دون أفق سياسي حقيقي. ولما كان برنامج شارون لا يملك شيئاً كهذا فإن لعبة الكر والفر ستتواصل، وستكون فكرة المؤتمر عبثية إلى حد كبير، اللهم إلا إذا كان برنامجها الأميركي الإسرائيلي يقوم على عقده بعد إتمام الضربة للعراق وتغيير نظامه، ما سيجعل فرض تسوية هزيلة على العرب والفلسطينين أكثر يسراً وسهولةً، مع أن ذلك لن يكون قدراً بالضرورة. وفي العموم فإن الاحتمال الأوضح هو أن لا يعقد المؤتمر وإذا عقد فسيضاف إلى المؤتمرات السابقة التي دخلت أرشيف النزاع المزدحم بالكثير الكثير من الأوراق والقرارات.

_______________
* كاتب صحفي فلسطيني

المصدر : غير معروف