*بقلم/ وحيد عبد المجيد

-الداخل والخارج
-شرارة التغيير
-مغزى شعار المؤتمر
-إلى الأمام.. ولكن!

حزب حاكم يحاول أن يتمايز عن الحكومة وأجهزتها الإدارية والأمنية. هذا هو انطباع الكثيرين مصريين وغيرهم ممن تابعوا المؤتمر السنوي الأول للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم المنعقد في الفترة من 26 إلى 28 سبتمبر/أيلول الماضي. فهذا شيء جديد غير مألوف منذ نصف قرن من الزمن. فعندما ألغيت الأحزاب السياسية عام 1953، أقيم تنظيم سياسى فضفاض تابع للدولة وملحق بأجهزتها تغير اسمه من "هيئة التحرير" إلى "الاتحاد القومي" ثم إلى الاتحاد الاشتراكي العربي.

حين حدث التحول إلى التعدد الحزبي عام 1976، أنشئ حزب للحكومة يقف وراءها. فلم يكن حزب مصر العربي أكثر من امتداد للاتحاد الاشتراكي، ولكن في إطار مختلف يتسم بالتعددية المقيدة بدلا من الأحادية.

وعندما خلفه الحزب الوطني الديمقراطي عام 1978، لم يتغير الأمر كثيرا، فظل حزبا حاكما بالاسم فقط، إذ لم يكن له دور في تشكيل الحكومة ولا في وضع برنامجها وتحديد سياساتها.

ولذلك لم يعن الشعب في مصر كثيرا بهذا الحزب وتراوحت نظرتهم إليه بين اعتباره "ديكورا" لزوم المظهر الديمقراطي، وأداة تستخدمها الحكومة فى أوقات الانتخابات لضمان الغالبية فى المجالس النيابية، وبالتالي الاطمئنان إلى تمرير ما تريده من تشريعات وسياسات.

ونادرا ما كان المؤتمر العام للحزب الوطني الديمقراطي يجذب انتباه المصريين عامة وصفوة، مثلهم فى ذلك مثل وسائل الإعلام المختلفة. وحتى الإعلام المصري الرسمي، الذي كان مضطرا لتغطيتها، تعاطى معها بصورة روتينية. وما كان له أن يفعل غير ذلك مع مؤتمرات باهتة فاترة لا تمثل حدثا ولا يحدث فيها شيء يلفت الأنظار.

الداخل والخارج
غير أن تغيرا ملموسا ظهر منذ السنة الماضية فى المؤتمر العام الثامن للحزب الذي عقد من 15 إلى 17 سبتمبر/أيلول فى القاهرة.

حدث أولا تغيير فى الهيكل القيادي وصعود نجم عناصر معروف عنها الميل إلى تجديد دماء الحزب وتحقيق إصلاح سياسي، وفى مقدمهم جمال مبارك الذي كان عضوا عاديا في الأمانة العامة فصار أمينا لأمانة جديدة استحدثت وأعطيت نفوذا قويا وهي أمانة السياسات التي يتبعها مجلس يضم أكثر من مائتين من صفوة كوادر الحزب ومثقفين وأكاديميين.

وحدث ثانيا تغيير فى النظر إلى دور الحزب يؤكد وجود وعي بضرورة تجاوز الوضع الهامشي الذي بقي فيه منذ تأسيسه، بما يعنيه ذلك من تحوله إلى حزب حاكم فعلا وليس قولا.


بالرغم من صعوبة الجزم بعدم وجود دور خارجي يحفز على الإصلاح في مصر، كما في دول عربية أخرى، تظل العوامل الداخلية هي الدافع الأول وراء هذا الإصلاح
كما ظهرت ثالثا بوادر تغيير في موقع الحزب على الخريطة السياسية الحزبية، بحيث يكون هو الفاعل الرئيس وليس الوحيد. ويعني ذلك مراجعة المفهوم الاحتكاري الذي قام عليه العمل السياسي في مصر منذ عام 1953، وبالتالي التعاطي بطريقة مختلفة مع الأحزاب والقوى السياسية والمدنية المختلفة، وهو ما ظهر بصورة أكثر وضوحا في المؤتمر السنوي الأول الذي عقد قبل أيام.

فكان هذا المؤتمر امتدادا مباشرا للمؤتمر العام الثامن، إذ كرس اتجاهات التغيير الثلاثة في الهيكل القيادي وفي دور الحزب وفي موقفه تجاه الأحزاب والقوى الأخرى، بما ينطوي عليه هذا من اتجاه إلى إصلاح سياسي تدريجي في نظام الحكم.

وقبل أن نناقش أبعاد الإصلاح وحدوده، لابد من الوقوف أمام سؤال طرح بإلحاح في الشهور الماضية، عما إذا كان هذا الإصلاح مدفوعا بعوامل داخلية أم متأثرا بضغوط خارجية، وخصوصا أميركية، ترمي إلى تغيير الأوضاع التي تعتبرها منتجة للعنف وحافزة للإرهاب الذي ضرب عاصمتيها السياسية والاقتصادية في سبتمبر/أيلول 2001.

وبالرغم من صعوبة الجزم بعدم وجود دور خارجي يحفز على الإصلاح في مصر، كما في دول عربية أخرى، تظل العوامل الداخلية هي الدافع الأول وراء هذا الإصلاح.

ويرتبط أهم هذه العوامل على الإطلاق بالصدمة التي تلقتها قيادة الحزب الوطني الديمقراطي في الانتخابات النيابية الأخيرة التي أجريت في نوفمبر/تشرين الثاني 2000.

فقد واجه الحزب أزمة داخلية عميقة قبيل الانتخابات بسبب حدة التنافس بين أعضائه الراغبين في خوضها تحت رايته، إذ طلب أكثر من ألف عضو أن يرشحهم الحزب الذي لا يستطيع ترشيح أكثر من 448 مرشحا، وهو عدد أعضاء مجلس الشعب الذين يتم انتخابهم.

وظهر ضعف الهيكل القيادي وتفكك الهيكل التنظيمي عندما أصر الطامحون الذين لم يرشحهم الحزب على خوض الانتخابات مستقلين ومنافسين لمرشحيه. فكانت هذه صدمة أولى، وإن لم تكن جديدة تماما إذ كانت لها سوابق في انتخابات 1990 و 1995.

ولكن الصدمة الثانية كانت عنيفة وغير مسبوقة، إذ هزم معظم مرشحي الحزب الذين خاضوا الانتخابات باسمه أمام المنشقين عليه الذين رفضوا قراره باستبعادهم من الترشيح. كانت هذه هي المرة الأولى التى يفوز فيها عدد من مرشحي الحزب لا تتجاوز نسبتهم 38.5% من أعضاء البرلمان. ويعني ذلك ببساطة، فقدان حزب الغالبية موقعه وتحوله إلى حزب من أحزاب الأقلية، لولا مبادرة معظم الفائزين المنشقين عليه للعودة إلى صفوفه.

شرارة التغيير
وكان هذا حلا لمشكلة الغالبية البرلمانية، ولكن ليس لمعضلة تدهور أداء الحزب إلى الحد الذي جعله مهددا بالتحول إلى حزب أقلية في برلمان يحكمه مستقلون عن الأحزاب لو كان المنشقون عليه امتنعوا عن العودة إليه.

ولذلك أثير جدل واسع في داخل الحزب بمبادرة من بعض أعضاء أمانته العامة الذين لم يكونوا راضين عن أداء الحزب وعن الوضع الحزبي في مصر بوجه عام. وكان معروفا لمتابعي النشاط الحزبي في مصر أن جمال مبارك يقف على رأس الناقدين لأداء الحزب والطامحين في تطويره ضمن إصلاح عام للوضع السياسي في البلاد.

حدث خلاف بين هذا الفريق والأمين العام للحزب في ذلك الوقت الدكتور يوسف والي ومعه من يطلق عليهم اسم "الحرس القديم". ولكن نجح الإصلاحيون في اتخاذ قرار حزبي بمراجعة الأداء، وتشكيل لجنة ثلاثية ضمت اثنين من أبرزهم في الأمانة العامة هما جمال مبارك وزكريا عزمي إلى جانب الأمين العام المساعد كمال الشاذلي.

وطافت اللجنة أنحاء مصر خلال النصف الأول من عام 2001، وبلورت خطة إصلاحية صارت خطوطها العامة جاهزة قبيل أحداث سبتمبر/أيلول التي دفعت الإدارة الأميركية إلى الاهتمام بالإصلاح الديمقراطي في العالم العربي.

فالاتجاه إلى الإصلاح كان قائما قبل الضغوط الخارجية، ولكن يجوز القول إن هذه الضغوط ربما ساهمت في تعزيز مركز الجناح الإصلاحي في الحزب إزاء "الحرس القديم" عندما عقد المؤتمر العام الثامن قبل عام وأشعل شرارة التغيير في هياكل الحزب ودوره ونظرته إلى النظام السياسي.

وهذه الخلفية لابد منها، إذ يصعب بدونها فهم السياق الذي عقد فيه مؤتمر الحزب الوطني قبل أيام. فكان أحد التغييرات التي قررها المؤتمر العام الثامن هو عقد مؤتمر سنوي للحزب لتقويم الأداء، وكان هذا قرارا سياسيا بالدرجة الأولى، وليس مجرد ترتيب إجرائي.

فالدعوة إلى الإصلاح تحظى بتأييد في قواعد الحزب أكثر من مستوياته القيادية. ولذلك أراد الجناح الإصلاحي أن يستقوي بهذه القواعد الحزبية عبر ضمان حضورها الدوري على فترات متقاربة بحيث يكون هناك انعقاد سنوي، لأن المؤتمر العام يعقد كل خمس سنوات.

فالمؤتمر السنوي يحضره نحو ألفين من أعضاء الحزب معظمهم من كوادر المستوى القاعدي والهيئات الوسيطة، وهم أعضاء هيئات مكاتب المحافظات وأمناء الأقسام والمراكز والأمناء المساعدون وأمناء التنظيم إلى جانب خمسة في المائة من أمناء الوحدات الحزبية في كل محافظة. ويبلغ عدد هؤلاء نحو 1200 عضو، يضاف إليهم عدد لا يقل عن خمسمائة من الإصلاحيين في المستويات القيادية للحزب، خصوصا وأن أعضاء المجلس الأعلى للسياسات (مركز التنظير للإصلاح) يحضرون المؤتمر كلهم وهم الذين يزيد عددهم على المائتين.

مغزى شعار المؤتمر


جاء شعار المؤتمر (حقوق المواطنين أولا) رسالة إلى الرأي العام الذي يسوده الاستياء من جراء الارتفاع المتزايد في الأسعار بصفة خاصة
وبالرغم من أن ظهور وتبلور الجناح الإصلاحى ارتبط بالحاجة إلى تطوير دور الحزب وإصلاح النظام الحزبى بوجه عام، فقد تزامن ذلك مع تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد بسبب اضطراب السياسات المصرفية والنقدية، فضلا عن تضاؤل ثقة الجمهور في حكومة د. عاطف عبيد بسبب الهوة الواسعة بين ما يصدر عنها من بيانات وتصريحات والواقع على الأرض.

ولذلك كان على مؤتمر الحزب أن يعطي اهتماما كبيرا للقضايا المتعلقة بهذه الأزمة، والتي تمس حياة المواطنين بشكل عام، إلى جانب مسألة التطوير والإصلاح. وربما كان من سوء الطالع أن تزداد الأزمة في الوقت الذي بدأ الجناح الإصلاحي في الحزب المصري الحاكم يتحرك باتجاه التغيير السياسي، إذ صار عليه أن يوازن بين ضرورات اقتصادية واجتماعية عاجلة لا يمكن تأجيلها وإصلاحات سياسية قد لا تحقق النجاح المنشود في أجواء من القلق والترقب على صعيد المجتمع.

ولذلك جاء شعار المؤتمر (حقوق المواطنين أولا) رسالة إلى الرأي العام الذي يسوده الاستياء من جراء الارتفاع المتزايد في الأسعار بصفة خاصة. ومؤدى هذه الرسالة أن الحزب الحاكم معني بضبط سياسات الحكومة في المجالات التي تمس حياة المواطن مثل مجالات العمل والأجور والأسعار والتعليم والنقل والمواصلات والأرض الزراعية، مثلما هو مهتم بتدعيم حقوق المواطن السياسية والمدنية.

إلى الأمام.. ولكن!
وقد ظهر، خلال الأيام الثلاثة للمؤتمر، أن الحزب الوطني يتجه بالفعل لأداء دور الحزب الحاكم. فالأمانة العامة للحزب، وفي القلب منها أمانة السياسات، قامت بالدور المحوري فيه، بخلاف ما كان يحدث قبل المؤتمر العام الثامن. فالحكومة -التى كانت تبدو هى محور مؤتمرات الحزب حتى المؤتمر السابع- ظلت لاعبا مهما فى المؤتمر الأخير، ولكنها لم تعد اللاعب الرئيس المهيمن على المناقشات.

وتحول الوزراء من نجوم يشرحون سياساتهم إلى مشاركين يردون على أسئلة ويواجهون انتقادات. ونجح الأمين العام للحزب صفوت الشريف في خلع رداء وزير الإعلام خارج مقر المؤتمر، ومثله الوزراء الذين يلعبون دورا محوريا في الجناح الإصلاحي للحزب وفي مقدمهم وزراء الشباب والسياحة والتعليم العالي.

غير أن استمرار نجاح الإصلاحيين في الحزب الوطني في المؤتمر الأخير، بعد أن بدؤوا في تحويل دفة الحزب في مؤتمر 2002، لا يعني أن صورة المستقبل بدت واضحة. مازالت هناك غيوم كثيرة يحدثها نوعان من الرياح أحدهما يرتبط بالوضع الاقتصادي – الاجتماعي والآخر يتعلق بالنظام الحزبي.

فالتغيير الذي بدأت بوادره بصورة مازالت أولية يواجه معضلة اقتصادية – اجتماعية لم تبرهن الحكومة الحالية على أنها تمتلك إمكانات حلها. وإذا كان مؤتمر الحزب قد انتهى باتفاق مع الوزراء الاقتصاديين على بعض السياسات والإجراءات ذات الطابع الفني التي يرى الإصلاحيون في الحزب أنها قد تكون مثمرة، فمن الضروري أن تكون هناك آلية حزبية لمتابعة تنفيذها. فكان معتادا أن تنتهي مؤتمرات الحزب ببضع توجيهات يتعامل معها الوزراء على أنها "لزوم العلاقات العامة" وبالتالي لا يلتزمون بها.

ولم يكن منطقيا أن يمتلك حزب –هو امتداد لتنظيمات فضفاضة كانت تستدعى عند الطلب– آليات تنظم علاقته مع الحكومة. وليس واضحا بعد ما إذا كانت هذه الآليات استحدثت وعلى أي نحو. كما أن وجود مثل هذه الآليات يستدعي تغييرا أكثر جوهرية يشمل دورا أساسيا للحزب، إن لم يكن الدور الأساسي، في تشكيل الحكومة. وبدون ذلك لا يمكن أن يكون الحزب الحاكم حاكما بالفعل.

ولن يتسنى معرفة ما إذا كان هناك تغيير ما في هذا الاتجاه قبل حدوث تعديل وزاري. فلم يكن للحزب الوطني أي دور في تشكيل الحكومة الآن. فالآلية الموروثة من مرحلة التنظيم السياسي الواحد لا تسمح بأي دور للحزب، إذ يقوم رئيس الجمهورية بتكليف شخص غالبا ما لا يكون من أعضاء الحزب بتشكيل الحكومة، فيقوم بهذه المهمة في دائرة ضيقة جدا بعيدا عن الحزب الحاكم. وكان الوزراء من أعضاء، بل قادة هذا الحزب، يبقون حتى اللحظة الأخيرة لا يعرفون ما إذا كان رئيس الوزراء المكلف سيعيد توزيرهم أم سيختار بدلاء لهم من خارج الحزب.


قد لا يكون في إمكان الإصلاحيين في الحزب الوطني إنجاز التغيير السياسي الذي يطمحون إليه من دون تخفيف القيود على حرية تكوين الأحزاب السياسية
وهذا الوضع غير طبيعي في العلاقة بين حزب حاكم وحكومة يفترض أنها هي حكومته. ولا يمكن للحزب الوطني أن يتابع أداء الوزراء الاقتصاديين في معالجة أزمة متفاقمة إلا إذا كانت هناك آلية تتيح له ذلك.

هذا عن معضلة الوضع الاقتصادي – الاجتماعي. أما المعضلة الثانية فهي أن النظام الحزبي الذي يريد إصلاحيو الحزب الحاكم تطويره وصل إلى مرحلة الانهيار بسبب القيود المفروضة على الأحزاب من ناحية والاختلالات الجسيمة في أداء هذه الأحزاب وغياب أي ديمقراطية في داخلها من ناحية أخرى.

ويصعب تطوير الحزب الحاكم في مصر من دون بناء النظام الحزبي بكامله وإعادة الحياة إليه. وقد لا يمكن تحقيق ذلك عبر دعوة الحزب الوطني، والتي أكدها الرئيس حسني مبارك في خطابه الختامي في نهاية المؤتمر، إلى حوار وطني بين الأحزاب السياسية. فيعتقد بعض من أبرز المتخصصين في شؤون الأحزاب المصرية أن أحزاب المعارضة القائمة الآن صارت عاجزة عن تطوير نفسها بعد أن فقدت معظم كوادرها الأكثر كفاءة وأصبحت تعاني حالة "جفاف جماهيري".

ولذلك قد لا يكون في إمكان الإصلاحيين في الحزب الوطني إنجاز التغيير السياسي الذي يطمحون إليه من دون تخفيف القيود على حرية تكوين الأحزاب السياسية. فهذا هو المدخل لضخ دماء جديدة في شرايين النظام الحزبي التي أصابها التيبس.

فلا إصلاح حقيقيا ممكنا، حتى للحزب الحاكم نفسه، من دون إطلاق حرية تكوين الأحزاب بما يتيح تأسيس أحزاب جديدة أكثر قدرة على الحركة. وهذا تحد كبير أمام الإصلاحيين في الحزب الحاكم، لأن منهجهم يقوم على الإصلاح التدريجي البطيء الأمر الذى لا يمكن ضمانه في حال أدى إطلاق تكوين أحزاب إلى تداعيات وتفاعلات سريعة وجديدة قد تصعب السيطرة عليها.
ــــــــــــــــــ
* كاتب مصري

المصدر : الجزيرة