بقلم: محمد فال بن المجتبى*

ـ تطور وقائع الأزمة
ـ خلفيات الأزمة وتداعياتها السياسية
ـ فى أصل النزاع.. جزر المضيق ومدينتاه
ـ محددات العلاقة وسيناريوهات المستقبل

ليلى هي تلك الجزيرة الصغيرة فى حجمها، المتميزة بشكلها وموقعها والتى لها، مع مغارتها الرحبة، حضور بارز فى أدبيات المهتمين بالميثولوجيا الإغريقية، رغم ذلك فإن الكثيرين هم أولئك الذين اكتشفوا وجودها، لأول مرة، منذ نحو ثلاثة أسابيع عندما احتل اسمها موقعا متميزا بين عناوين الأخبار بمناسبة الخلاف الناشب بشأنها بين المغرب وإسبانيا.


تمثل أزمة جزيرة ليلى تفصيلا صغيرا على هامش الخلاف الأصلي المتعلق بقضية السيادة على مدينتي سبتة ومليلية ومجموع الجزر الصغيرة الموجودة بمحاذاة السواحل المغربية
تقع الجزيرة -التى تبلغ مساحتها 13,5 هكتارا- على بعد أقل من 200 متر من الشواطئ المغربية فى نقطة تفصلها 40 كيلومترا عن مدينة طنجة وتبعد 8 كيلومترات إلى الغرب من مدينة سبتة التى تخضع لإسبانيا.

ويعود آخر وجود مستقر على تلك الصخرة الجرداء إلى أواخر الخمسينيات من القرن الماضي حين تم سحب مفرزة من قوات البحرية الإسبانية (عريف وأربعة جنود) كانت ترابط هناك، وذلك بعد إلغاء الحماية الإسبانية التى كانت سارية على أجزاء من شمال المغرب، وبذلك اعتبر المغرب أن الجزيرة عادت إلى حوزته الترابية.

منذ ذلك التاريخ ظلت ليلى مهجورة إلا من بعض الصيادين ورعاة الماشية الذين كانوا يترددون عليها انطلاقا من منطقة جبل موسى المجاورة. ويبدو أن الجزيرة كانت تجتذب أيضا بعض ممارسى رياضة الغوص، كما تشير المصادر إلى أن خصوصية موقعها وطبيعة تضاريسها قد تكون أغرت أصنافا من المهربين بالاستفادة من مزاياها كنقطة مناسبة للتسلل إلى القارة العجوز عبر مدينة سبتة القريبة منها.

مغاربة يتظاهرون قبالة الجزيرة
على أي حال، لم يكن للجزيرة الصغيرة شأن يذكر حتى الأسبوع الثانى من يوليو/ تموز عندما اندلعت الأزمة التى عرفت باسمها، وهي أزمة عكست مستوى التوتر الذى يطبع العلاقات بين المغرب وإسبانيا منذ بعض الوقت، كما أظهرت وجود وجهات نظر متباينة بشأن مسألة السيادة على مناطق التماس الجغرافي التى تشكلها مدينتا سبتة ومليلية ومجموع الجزر والصخور المتناثرة فى محيط مضيق جبل طارق.

يتعلق الأمر بموضوعات تتجاوز فى أهميتها وفى دلالة الاختلاف حولها الإطار المحدود للأزمة التى يبدو أنه تم تطويقها -ولو بصورة مؤقتة- بعد الاجتماع المنعقد فى الرباط يوم 22 يوليو/ تموز بين وزير الخارجية المغربي ونظيرته الإسبانية. غير أن من المهم الوقوف عند تطورات هذه الأزمة والأجواء السياسية التى اكتنفتها ومحاولة رصد انعكاساتها المحتملة على مستقبل النزاع بين البلدين فى ضوء المحددات التى تحكم علاقاتهما.

تطور وقائع الأزمة

كانت كل الدلائل توحى بأن الأسبوع الثانى من يوليو/ تموز قد استوفى حقه من الأحداث المهمة فى كلا البلدين. ففى إسبانيا تم إجراء تعديل وزاري موسع للخروج من الأزمة الحكومية التى كان يواجهها الحزب الشعبي الحاكم، بينما كان المغرب يعيش فى خضم الاستعدادات للزفاف الملكي الوشيك.

وزيرة الخارجية الإسبانية بجانب نظيرها المغربي

فى هذه الأجواء تسبب نزول عدد من أفراد الدرك الملكي المغربي إلى جزيرة ليلى/ تورة -يوم 11 يوليو/ تموز- فى احتجاج إسبانيا بشدة، معتبرة أن الأمر يشكل إخلالا بما أسمته "الوضع الراهن".

وفي حين صرح رئيس الحكومة الإسبانية أن بلاده لن ترضخ لسياسة الأمر الواقع التى ينطوى عليها التصرف المغربي، اعتبر المغرب من جهته أن إنزال أفراد من قواته المسلحة على أرض الجزيرة يعد ممارسة طبيعية لحقه فى السيادة على جزء من أراضيه فضلا عن كونه يندرج ضمن إطار عمليات المراقبة الدورية لنشاط عصابات تهريب المخدرات والهجرة السرية، مؤكدا أن تلك لم تكن المناسبة الأولى التى يقوم فيها بعمليات من هذا النوع، كما نفى المغرب وجود اتفاق ضمني يقضى بالإبقاء على الجزيرة خالية من أي وجود عسكري، خلافا لوجهة النظر الإسبانية.

في ما كانت كل المؤشرات تشير إلى قرب انفراج الأزمة حصل تطور مفاجئ فجر الأربعاء 17 يوليو/ تموز عندما أنزلت إسبانيا وحدات من قواتها الخاصة قامت بإخلاء عناصر البحرية الموجودين على الجزيرة وإعادتهم إلى التراب المغربي عبر مدينة سبتة. وفى اليوم نفسه استدعت إسبانيا سفيرها لدى المغرب، وهو ما اعتبر تصعيدا دبلوماسيا موازيا للعمل العسكري. بالطبع، سارع المغرب إلى إدانة التدخل الإسباني الذى وصف بأنه يعادل "إعلان حرب" ووجه رسالة إلى مجلس الأمن الدولي أشار فيها إلى استخدام إسبانيا للقوة بوصفه "عملا طائشا وخطيرا"، ولم يفته أن يغتنم الفرصة للتذكير بمطالب المغرب المتعلقة ببقية الثغور المتنازع عليها.


أعطى الاتحاد الأوروبي الدليل على افتقاره إلى سياسة خارجية منسجمة وفاعلة، وهو ما تجلى على امتداد الأزمة: انحياز متسرع للموقف الإسباني فى البداية، ثم اختلاف ظاهر فى المواقف بعد ذلك، وأخيرا غياب ملحوظ عن مبادرة حل الأزمة
تلا ذلك تحرك أميركي مكثف أسفر عن انسحاب القوات الإسبانية من الجزيرة مساء السبت 20 يوليو/ تموز في إطار اتفاق يقضى باستعادة الوضع السابق على الأزمة، كما يوصى بمحاولة تحسين العلاقات بين البلدين من خلال العودة إلى الحوار المباشر كما أكد على ذلك البيان المقتضب الصادر عن اجتماع رئيسي دبلوماسية البلدين الذى انعقد في أجواء اتسمت بالفتور الظاهر.

لقد اعتبر البعض أن أزمة جزيرة ليلى كانت من دون معنى كما وصفت أحيانا بأنها مفتعلة، وأيا كان الوصف المناسب فإن من الواضح الآن أن المغرب لم يكن حريصا على الاحتفاظ بوجود عسكري دائم على الجزيرة رغم تشبثه بحقه فى السيادة عليها، كما أن إسبانيا وبرغم الاندفاع الظاهر لا تبدو متحمسة للدخول فى جدل قانوني حول وضعية الجزيرة، وقصارى ما تطمح إليه هو اعتبار الموقع "أرضا خلاء" من الناحية العملية.

جزيرة ليلى

كل ذلك لم يمنع حكومتي البلدين من التورط فى أزمة وضعت كثيرا من حلفائهما المشتركين فى موقف حرج، وفى نفس الوقت أظهرتا قدرا من الارتباك فى تعاملهما مع الأحداث. لقد ظهر المغرب، فى البداية، فى موقف المتسبب بالأزمة وأعطى الانطباع بغياب خطة مدروسة لتسييرها وتوظيفها للفت الانتباه إلى مطالبه الترابية.

ورغم أن الدبلوماسية المغربية استعادت زمام المبادرة فى مرحلة لاحقة من تطور الأزمة فإن الفضل فى انقلاب الوضع يرجع بالأساس إلى تسرع إسبانيا التى زجت بنفسها فى موقف لا تحسد عليه. وإذا أمكن القول -من وجهة النظر الإسبانية— إن التصرف المغربي كان "استفزازيا" ومن دون مبررات وأنه فى كل الأحوال غير مناسب فى توقيته، فإن من المؤكد، بالمقابل، أن رد الفعل الإسباني جاء "انفعاليا" بكل المقاييس ومتنافيا مع مقتضيات اللياقة بقدر افتقاره إلى السند القانوني. غير أن كل ذلك لم يبد غريبا على سياق الأحداث، فالأزمة لم تكن بالنسبة للكثيرين سوى القطرة التى أفاضت كأس العلاقات المغربية الإسبانية المترع أصلا.

خلفيات الأزمة وتداعياتها السياسية

منذ وقعت اتفاقية الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين المغرب وإسبانيا سنة 1991 لم تعرف علاقاتهما مستوى من التدهور يمكن أن يقارن بالحالة التى وصلت إليها خلال الأشهر الأخيرة، ويعتبر فشل المفاوضات حول تجديد اتفاق الصيد بين المغرب والاتحاد الأوربي، والتى أعلن عن تعليقها يوم 25 أبريل/ نيسان 2001، حدثا مؤثرا فى مسيرة العلاقات بين البلدين حيث كانت إسبانيا أكبر متضرر من فشل هذه المفاوضات.

منذ ذلك الحين لم ينقطع سيل الاتهامات والاتهامات المضادة وتكفلت وسائل الإعلام بالتصعيد، فصبت وقود تعميم الأحكام المسبقة على نار التصريحات السياسية غير المناسبة. وشكل التوتر السمة الثابتة للعلاقات وكانت دواعيه هي التى تختلف حسب الظروف، فمن مشكلة الصحراء إلى مسألة الهجرة السرية مرورا بالخلاف حول مناطق التنقيب عن النفط وغيرها من موضوعات الخلاف العديدة. ويكفى دلالة على سوء العلاقات بين البلدين أن السفير المغربي استدعي للتشاور منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضى ولم يعد إلى اليوم.


إذا كانت فرنسا قد أكدت من جديد قدرتها على اتخاذ مواقف متميزة تنسجم مع رؤيتها الخاصة للقضايا الدولية، فإن الولايات المتحدة كانت أكثر المستفيدين حيث عززت الاعتقاد بقدرتها على التدخل المباشر والحاسم فى كل نقاط التوتر أيا كان موقعها من المسرح الدولي
على المستوى الداخلي شكلت أزمة "برخيل" (البقدونس) هدية لرئيس الحكومة الإسبانية فى وقت كان أحوج ما يكون فيه إلى ما يصرف الاهتمام عن الانتقادات الموجهة إلى تسيير الحكومة للعديد من الملفات السياسية والاجتماعية وهو ما حصل فعلا مع بداية الأزمة، حيث انعقد نوع من الإجماع الوطني حول الموقف الرسمي لم تشذ عنه حتى الأحزاب القومية الباسكية والكاتالونية التى لا تكن فى العادة الكثير من الود للحكومة المركزية. وقد أفادت استطلاعات الرأي أن أكثر من 75% من الإسبان أيدوا موقف حكومتهم خلال الأزمة، رغم أن عددا من الكتاب لم يتردد فى انتقاد طريقة تسيير الأمور محذرا من مخاطر الاندفاع خلف المشاعر الوطنية وداعيا إلى التحلى بالمسؤولية والتحرر من إرث عقلية الصراع التاريخي مع الجار الجنوبي.

مرة أخرى أعطى الاتحاد الأوربي الدليل على افتقاره إلى سياسة خارجية منسجمة وفاعلة، وهو ما تجلى على امتداد الأزمة، انحياز متسرع للموقف الإسباني فى البداية، ثم اختلاف ظاهر فى المواقف بعد ذلك، وأخيرا غياب ملحوظ عن مبادرة حل الأزمة.

وإذا كانت فرنسا قد أكدت من جديد قدرتها على اتخاذ مواقف متميزة تنسجم مع رؤيتها الخاصة للقضايا الدولية، فإن الولايات المتحدة كانت أكثر المستفيدين حيث عززت الاعتقاد بقدرتها على التدخل المباشر والحاسم فى كل نقاط التوتر أيا كان موقعها من المسرح الدولي. وفى الأخير، يقتضى الإنصاف تسجيل موقف التضامن العربي الواسع الذى حظي به المغرب، وتجسد فى المساندة الرسمية والاهتمام الشعبي.

فى أصل النزاع: جزر المضيق ومدينتاه

رغم الخلفية السياسية المباشرة للأزمة الأخيرة فإن المواقف التى تبناها الطرفان والاهتمام الذى لقيته يعود إلى وجود خلاف قانوني مستتر غالبا وإن كان يظهر إلى العلن أحيانا بشكل محتشم.

فى الواقع، تمثل أزمة جزيرة ليلى تفصيلا صغيرا على هامش الخلاف الأصلي المتعلق بقضية السيادة على مدينتي سبتة ومليلية ومجموع الجزر الصغيرة الموجودة بمحاذاة السواحل المغربية. ولأن هذه الجزر لا تحظى بنفس القدر من الشهرة الذى تتمتع به المدينتان فقد يكون من المناسب التركيز على التعريف بها والإشارة إلى بعض المحطات التاريخية التى كانت حاسمة فى تحديد وضعها الحالي.

إضافة إلى جزيرة ليلى/تورة -الغنية الآن عن التعريف والتى لها وضع مختلف تماما عن بقية الجزر حيث تكاد إسبانيا تقر بأنها تقع خارج نطاق سيادتها- توجد الجزر أو مجموعات الجزر التالية:


  • المغرب سيستمر فى دفع العلاقات مع إسبانيا باتجاه خيار المراجعة الشاملة، خاصة فى أفق الموسم السياسي المقبل، لكن الواقع يؤكد أن هناك صعوبة حتى فى استعادة الوضع الطبيعي للعلاقات رغم استبعاد احتمال المواجهة
    أرخبيل الجزر الجعفرية (Las Islas Chafarinas بالإسبانية):

    ويتكون من ثلاث جزر تقع قبالة السواحل الشمالية للمغرب، بالقرب من الحدود الجزائرية، وعلى مسافة 27 ميلا إلى الشرق من مدينة مليلية وتفصلها حوالي أربعة كيلومترات عن الشاطئ المغربي. الجزيرة الوسطى هي الوحيدة المأهولة من بين الجزر الثلاث المشهورة بكونها موطنا لعينات نادرة من الكائنات البحرية وملجأ لأنواع مختلفة من الطيور.
    يعود الوجود الإسباني فى الأرخبيل إلى سنة 1848، وبعد فشل محاولات فرنسية لإزاحة الإسبان خلال السنة الموالية تمكن هؤلاء من تعزيز وجودهم فى هذا الموقع الإستراتيجي الذى شكل نقطة ارتكاز هامة للقوات الإسبانية طوال فترة حروب شمال المغرب.
  • جزيرة نكور(Alhuceimas):
    وهي عبارة عن صخرة بارزة تحتضنها جزيرتان صغيرتان وتقع فى خليج صغير معروف بنفس الاسم. تمتد الجزيرة على طول 12 كيلومترا ويفصلها حوالي كيلومترين عن البر المغربي.
    احتل الإسبان الجزيرة بشكل مؤقت سنة 1560 فى إطار المناوشات البحرية المحدودة التى كانت دائرة خلال تلك الفترة بين شمال أفريقيا وجنوب شبه الجزيرة الإيبيرية. غير أن احتلالها بشكل نهائي لم يتم إلا فى أواخر القرن السابع عشر.
    لجزيرة نكور أهمية إستراتيجية أكيدة بالنظر إلى أهمية موقعها الذى يسمح بالسيطرة على خليج الحسيمة. لذا ترابط حامية إسبانية على الجزيرة الصغيرة التى تنطلق منها الأسلاك البحرية الممتدة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية ومدينتي سبتة ومليلية.

  • يعتبر فشل المفاوضات حول تجديد اتفاق الصيد بين المغرب والاتحاد الأوربي، والتى أعلن عن تعليقها يوم 25 أبريل/ نيسان 2001، حدثا مؤثرا فى مسيرة العلاقات بين البلدين حيث كانت إسبانيا أكبر متضرر من فشل هذه المفاوضات
    صخرة بادس (lez de la gomeraéV):
    هي تلك الجزيرة الصخرية -التى كادت تتحول إلى مجرد لسان رملي بعد تعرضها لعاصفة قوية سنة 1934-والتى تقع على بعد أقل من 100 متر من الساحل المغربي، استولى الإسبان على الجزيرة فى وقت مبكر جدا، سنة 1508 تحديدا أي بعد 16 عاما فقط من تاريخ سقوط غرناطة وفى عهد فيرناندو الكاثوليكي نفسه، غير أن الموقع ما لبث أن عاد إلى أيدى المغاربة سنة 1522 بعد تعرضه للهجوم والحصار فى مناسبات عديدة.
    بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ فشلت حملة إسبانية جديدة لاحتلال الجزيرة، واستمرت المحاولات حتى سنة 1564 تاريخ سقوط الجزيرة فى وجه حملة صليبية مصغرة شاركت فيها إلى جانب الإسبان أمداد من المالطيين والدوريين والتوسكانيين وحظيت بمباركة البابا. وقد ظلت إسبانيا تحتفظ بالجزيرة منذ ذلك التاريخ رغم أن هيئة المنتخبين الإسبانية اقترحت سنة 1872 التخلى عنها بحجة "افتقارها إلى الأهمية العسكرية".

إذا كان أمر جزيرة "توره" يكاد يكون محسوما، قانونيا على الأقل، ما دامت إسبانيا لا تدعي حق السيادة عليها فإن الأمور أكثر تعقيدا في ما يتعلق ببقية الثغور بما فيها سبتة ومليلية الخاضعتان للسيطرة الإسبانية منذ 1668 و1497 على التوالي.

يعتبر المغرب أن بقاء الثغور المذكورة على الوضع الراهن يمثل حالة شاذة تنتمى إلى المرحلة الاستعمارية وأن تطاول عهد الوجود الإسباني فيها ليست له قيمة قانونية، خاصة أن مطالبة المغرب باستعادتها لم تتوقف قط وأن جهودا كبيرة بذلت فى ذلك الاتجاه مثل ما حصل فى القرن الثامن عشر على عهد السلطان محمد الثالث، وقد تحول الموضوع إلى إحدى ثوابت خطاب الحركة الوطنية المغربية قبل تبنيه رسميا عند الاستقلال حيث بدأ يطرح بإلحاح خاصة منذ سنة 1975. وتواجه إسبانيا هذا الخطاب عادة بالتجاهل وتكتفى بالتأكيد على أن المدينتين تشكلان مع توابعهما جزءا من التراب الإسباني وأن تلك المواقع ليست موضوعا لأي نزاع.

محددات العلاقة وسيناريوهات المستقبل

محددات أساسية للعلاقات:
تخضع العلاقات بين المغرب وإسبانيا لجملة من الاعتبارات تتحكم فى رسم الخطوط العامة التى يمكن لهذه العلاقات أن تتحرك فى إطارها صعودا وهبوطا، وينبغى التذكير ببعضها اختصارا:

  • الترابط العضوى بين البلدين وتشابك مصالحهما المشتركة.
  • دورهما الحيوى فى مسارات الحوار السياسي والاندماج الاقتصادى بين مجموعتيهما.
    الأهمية الإستراتيجية لمنطقة النزاع وارتباطها بالسياسات العليا للأطراف الدولية الأكثر نفوذا.
  • مسؤولية الطرفين إزاء حلفائهما المشتركين.

سيناريوهات المستقبل:
رغم أنه ليس من اليسير الجزم بالاتجاه الذى سيجرى فيه تيار العلاقات المغربية الإسبانية فإن من الممكن افتراض المسارات المحتملة التالية:

  • العودة إلى الوضع السابق، ويعنى ذلك الالتزام بالتفاهم الأخير ولكن دون إحداث تغيير جوهري فى الوضع الراهن للعلاقات.

  • إذا كان المغرب من أول من يعلم أن لعلاقات القوة فى زماننا منطقا أبلغ من حقائق التاريخ وثوابت الجغرافيا، فإن إسبانيا ينبغي أن تكون آخر من يجهل أن التعامل المتحضر مع أي دعوى ينبغي أن يكون إما بالحوار حرصا على التفاهم وإما بالاحتكام إلى القانون انحيازا إلى الشرعية
    استعادة أجواء ما قبل أبريل/ نيسان 2001، وتعنى تنشيط الحوار والتبادل مع التركيز على الموضوعات التقليدية وتجنب طرح المسائل الخلافية.
  • المراجعة الشاملة، أي فتح حوار سياسي صريح للوصول إلى تفاهم حول القضايا الخلافية دون استبعاد أي من الحلول السلمية الممكنة، ويمثل هذا المسار خيارا مغربيا يستبعد أن تتحمس له إسبانيا.
  • القطيعة والتصعيد، وفى هذه الحالة ستعرف علاقات التعاون والتبادل مزيدا من التدهور، إلا أن الطرفين سيكتفيان بافتعال أزمات منخفضة الحدة من حين لآخر.

من المؤكد أن المغرب سيستمر فى دفع العلاقات باتجاه خيار المراجعة الشاملة، خاصة فى أفق الموسم السياسي المقبل، لكن الواقع يؤكد أن هناك صعوبة حتى فى استعادة الوضع الطبيعي للعلاقات رغم استبعاد احتمال المواجهة. ومع اقتراب الحل النهائي للخلاف حول جبل طارق تصبح إسبانيا مطالبة أخلاقيا بتعامل مختلف مع المطالب المغربية. فإذا كان المغرب من أول من يعلم أن لعلاقات القوة فى زماننا منطقا أبلغ من حقائق التاريخ وثوابت الجغرافيا، فإن إسبانيا ينبغي أن تكون آخر من يجهل أن التعامل المتحضر مع أي دعوى ينبغي أن يكون إما بالحوار حرصا على التفاهم وإما بالاحتكام إلى القانون انحيازا إلى الشرعية.

_______________
*كاتب وباحث موريتاني- جامعة مدريد

المصدر : غير معروف