بقلم/ لقاء مكي

- الفلوجة والاحتلال
- تصفية الحساب
- مقاتلون بالجملة
- الحاجة والإبداع
- الرعب في الجولان
- الأميركيون تحت الحصار

على مدى أسبوعين انشغل العالم بمدينة الفلوجة العراقية التي خاض أبناؤها معارك ضارية ضد الجيش الأميركي تخلله حصار خانق سبق المعارك بعدة أيام ولم ينته بعد, وبينما كان الجميع يرقب بأسى وأحيانا بشجب سقوط مئات القتلى من المدنيين العراقيين وحدوث مأساة إنسانية ما تزال قائمة، في هذا الوقت طرح الكثيرون تساؤلا ملحا هو: كيف تمكنت مدينة صغيرة من الصمود بوجه أقوى جيش في العالم، ولم تكتف بتكبيده خسائر مؤثرة بالقياسات الأميركية ومنعه من تحقيق هدفه المعلن باقتحامها، لكنها أجبرته في النهاية على طلب الهدنة دون شروط والدخول في مفاوضات مباشرة مع ممثلي المدينة.

إجابة هذه التساؤلات تحتاج أولا إلى معرفة طبيعة أرض المعركة وحجم القوى التي شاركت فيها من الطرفين، وأول ما في ذلك أن الفلوجة غير محصنة بأي موانع طبيعية أو تعقيدات جغرافية يمكن أن تعيق أو تعرقل الهجمات ضدها أو تمنح المدافعين عنها فرصا أفضل للدفاع أو الاختباء والمطاولة.

فهي مدينة سهلية منبسطة، يحدها من الشمال طريق المرور السريع المتجه من بغداد إلى الحدود مع الأردن، وتتكئ من الجنوب على نهر الفرات الذي يفصلها عن مناطق تابعة لها إداريا وخدميا ومن ذلك المستشفى الرئيسي.

أبرز أحياء الفلوجة تقع على جانبيها الشرقي والغربي، ففي الشرق توجد أحياء الصناعي ونزال والشهداء، أما في الجانب الغربي فهناك حيا العسكري والجولان، وهذا الأخير الذي تكرر اسمه كثيرا كأبرز مواقع القتال هو حي فقير يمتد بمحاذاة الفرات وتقع على أطرافه الغربية عدد من القرى الزراعية، في ما تشغل معظم مساحة المدينة تشكيل من الدور السكنية والمرافق الأخرى التي تتلاءم مع طابعها التقليدي المحافظ الذي يغلب عليه التدين والالتزام بالمعايير القبلية المسيطرة بوضوح هناك.

الفلوجة والاحتلال


تمركزت المقاومة في الفلوجة أول الأمر كرد فعل على ما حدث لكنها سرعان ما انتقلت إلى (المثلث السني) وظلت مع ذلك مركز استقطاب المقاومة والعقدة الجوهرية أمام الاحتلال
ساءت علاقة أهالي الفلوجة مع قوات الاحتلال بعد انتهاء الحرب في العام الماضي، فبعد نحو أسبوعين فقط من دخول الأميركيين إلى المدينة إثر احتلال بغداد في أبريل/ نيسان من العام الماضي تظاهر المئات من السكان مطالبين بإخلاء القوات الأميركية لمدرسة داخل أحد الأحياء السكنية كانت قد اتخذتها قاعدة لها.

ودون سابق إنذار كما يقول الأهالي فتح الجنود الأميركيون النار وقتلوا 17 شخصا، وفي حينه قالت سلطة الاحتلال إن الأمر جاء ردا على إطلاق النار من قبل المتظاهرين في ما قال هؤلاء إنهم تعرضوا للهجوم دون استفزاز، وبغض النظر عن كلتا الروايتين، فإن الحادث شكل منعطفا مبكرا في علاقة الاحتلال بالعراقيين تجسد في ما بات يعرف بعد ذلك بالمقاومة العراقية.

تمركزت هذه المقاومة في الفلوجة أول الأمر كرد فعل على ما حدث لكنها سرعان ما انتقلت إلى مدن الوسط العراقي التي أطلقت عليها وسائل الإعلام تسمية (المثلث السني)، لكن الفلوجة ظلت مركز استقطاب للمقاومة وعقدة جوهرية في السعي الأميركي للسيطرة العسكرية على العراق طوال العام الأول من الاحتلال، وظل الأمر موضع تجاذب وصراع حتى جاء حادث قتل الأميركيين الأربعة والتمثيل بجثثهم داخل المدينة في 31 مارس/ آذار الماضي ليهيئ الذريعة والدافع للقوات الأميركية لتصفية حسابها مع الفلوجة وكذلك مع المقاومة فيها بشكل حاسم ونهائي.

تصفية الحساب
لم يمض غير أقل من 24 ساعة على مقتل الأميركيين الأربعة، حتى حاصرت القوات الأميركية الفلوجة من جميع الجهات، بهدف معلن هو تسليم الأشخاص المسؤولين عن الحادث، لكن مفاوضات جدية لم تجر لتحقيق ذلك، وبعد مناوشات محدودة بدأ الهجوم الأميركي في الخامس من أبريل/ نيسان بقصف مدفعي وجوي من المروحيات قبل أن تتقدم الدبابات من الجهة الشرقية للمدينة حيث مدخلها الاعتيادي، وبدا لأول وهلة أن مهمة مشاة البحرية لن تكون صعبة في السيطرة على المدينة خلال ساعات أو أيام، وذلك قبل أن يواجه المهاجمون مقاومة شرسة، أعطت المعركة بعدا مختلفا، ووضعت الأميركيين في خضم حرب حقيقية لم يحسبوا لها حسابا.

دارت المعركة في الحي الصناعي أول الأمر، لكن قوات أخرى حاولت التقدم من الشرق في حي نزال المجاور، وفي المنطقتين ركز المقاتلون العراقيون على تدمير الدبابات ومحاولة تحييدها، ويقول شاهد عيان يدعى أحمد يوسف الفهداوي إنه راقب من بيته في حي نزال عددا محدودا من المقاتلين أول أيام المعركة وهم ينصبون فخاخا للدبابات على مفترقات الطرق وقبل الدخول إلى عمق الحي، ويضيف أنه شاهد بنفسه ملثمين يصيبون دبابتين إحداهما احترقت في ما أعطبت الثانية وظلت في مكانها.

ويؤكد أنه ظل في بيته أربعة أيام قبل أن يترك الحي بأعجوبة إلى منزل لأحد أقاربه في حي آخر بالمدينة، وخلال هذه الأيام لم تتجرأ الدبابات الأميركية على الاندفاع
إلى قلب الحي بسبب المقاتلين الذين استخدموا بمهارة وجرأة قاذفات (أر بي جي).

ويتحدث أهل المدينة باعتزاز عن المقاتلين الذين كانوا يبدون جرأة عالية في
القتال، وكثير منهم لم يكونوا يحتمون بساتر، بل يقاتلون بشكل مكشوف، وحينما
تسألهم يجيبك بعضهم بأنهم يبحثون عن الشهادة، بل إن عددا من المقاتلين بكى بعد
الهدنة لأنه لم يستشهد مع رفاقه.

مقاتلون بالجملة


لم تكن معارك صيد الدبابات سوى البداية في معركة غير متكافئة، حيث تسبب القصف الأميركي للمناطق السكنية بتصعيد موجة الكراهية للأميركيين، وانضمام أعداد جديدة من أهالي المدينة إلى المقاومة
لم تكن معارك صيد الدبابات سوى البداية في معركة غير متكافئة بالمرة، حيث تسبب القصف الأميركي للمناطق السكنية بتصعيد موجة الكراهية للأميركيين وانضمام أعداد جديدة من أهالي المدينة إلى المقاومة التي تشير تقديرات بعض السكان إلى أن عددهم لم يكن يتجاوز الـ250 شخصا في أحسن الأحوال، ثم تضاعف هذا الرقم في الأيام اللاحقة، وأصبح كثير من أهالي الفلوجة جزءا من هياكل المدافعين عن المدينة.

ويقول كمال حمادي (28 سنة) ويسكن الحي العسكري غربي الفلوجة إن الأمر بدأ بمجموعة من الشباب الذين كانوا في الأصل على ما يبدو من عناصر المقاومة، وهم في غالبيتهم من المتدينين الذين قاتلوا طلبا للشهادة، وهو ما منحهم شجاعة ألهبت حماسة الآخرين وحرضتهم على الانخراط في القتال، ويضيف أن هؤلاء المقاومين كانوا يبحثون بدأب عن عتاد إضافي لدى الأهالي إلا أن كثيرين كانوا يعطونهم جزءا مما لديهم ليتسنى لهم أن يستخدموا الجزء الآخر بأنفسهم.

ويؤكد حمادي أن كل الفئات انضمت للمقاتلين في مراحل لاحقة، حتى الصبية شاركوا في المعارك، ونقل عن السكان قولهم إن الأميركيين لم يتركوا للناس فرصة غير المشاركة في القتال، الأمر الذي وفر قدرة نارية منعت القوات المهاجمة من تحقيق أهداف ذات أهمية، لا سيما أن بعض الذين انضموا للمقاتلين هم من أفراد الجيش السابق المنحل وعلى درجة عالية من الكفاءة في استخدام أنواع معينة من الأسلحة، لا سيما مدافع الهاون.

الحاجة والإبداع
شكل التفوق العسكري الأميركي المطلق تحديا جديا أمام المقاومة العراقية هدد
بحسم المعركة لصالح قوات الاحتلال حتى لو طال الوقت، وكانت الطائرات المروحية أخطر الأسلحة التي استخدمت ضد المقاتلين العراقيين، لا سيما في الأيام الثلاثة الأولى للمعارك، الأمر الذي استدعى ابتداع وتطوير أنواع من الأسلحة البدائية لكن المؤثرة كما ظهر من سير المعارك.

ويقول مواطنون من الفلوجة إن أفرادا من المقاومين كانوا يستخدمون قذائف الـ(أر بي جي) لإسقاط المروحيات، وهو أمر معقد وشبه مستحيل ناهيك عن أنه شديد الخطورة على حياة هؤلاء الأفراد لكنه نجح في إسقاط عدد من المروحيات الأميركية بالفعل بعد تحويرات بسيطة منحت المقاتلين فرصة أفضل لإصابة أهدافهم.

واستفاد المقاتلون في الفلوجة أيضا من تطوير بدائي أجرته المقاومة العراقية خلال الفترة السابقة على القذائف المضادة للدبابات أتاحت لها فرصا أفضل لخرق
الدرع شديد الصلابة للدبابات الأميركية، وهو ما كان أيضا سببا في تردد الأميركيين في إرسال مدرعاتهم إلى داخل المدينة دون خوف جدي عليها وعلى طواقمها، لا سيما وأن شهود العيان تحدثوا عن جرأة حقيقية للمقاتلين العراقيين في مواجهة المدرعات من على مسافة لا تتجاوز الـ300 متر النموذجية لإصابة الهدف.

الرعب في الجولان
دارت أولى المعارك وأعنفها في حي الجولان الواقع غربي الفلوجة، فهذا الحي
الواسع يمثل أول خط تماس مع الحدود الخارجية للمدينة من جهة شمالها الغربي،
والمدخل القديم للمدينة الذي يربطها بوسط العراق وشماله وميزة حي الجولان في
الكثافة العددية لسكانه، وهم على الأغلب من الطبقات الفقيرة، وكذلك ضيق شوارعه
التي تجعل من السيطرة عليه أمرا شديد الصعوبة.

وأفادت المقاومة من هذه الميزات في منع القوات الأميركية من التقدم باتجاه
الحي، لكن الأميركيين استخدموا بالمقابل القوة المفرطة مع هذا الموقع، ومن ذلك
استخدامهم المكثف للقنابل العنقودية وكذلك اعتمادهم على طائرات الـ"أف 16"
كبديل آمن للمروحيات التي لم تعد قادرة على التحليق بحرية في أجواء المدينة،
غير أن ذلك لم يؤثر بشكل جدي على المقاومة قدر تأثيره على السكان المدنيين
الذين سقط منهم المئات في هذا الحي وحده.

الأميركيون تحت الحصار


كانت معركة الفلوجة أول مناسبة تتمكن فيها المقاومة العراقية من التعبير عن نفسها في تنظيم واضح وشن الهجمات بطريقة منهجية منسقة وضعت القوات الأميركية تحت حصار غير معلن لكنه حقيقي
لم يقاتل أهل الفلوجة وحدهم، وكان لصمودهم سبب آخر يتمثل بالحرب الشاملة التي أعلنتها المقاومة على القوات الأميركية في مختلف أنحاء العراق نصرة للمدينة وثأرا لأهلها، وربما يكون أسبوع المعركة في الفلوجة الذي وصفته واشنطن بالصعب والقاسي هو أول مناسبة تتمكن فيها المقاومة العراقية التي كان يعتقد أنها غير متوحدة من التعبير عن تنظيم واضح في شن الهجمات بطريقة منهجية منسقة وضعت القوات الأميركية تحت حصار غير معلن لكنه حقيقي، ويبدو أنه كان فعالا أيضا.

ولاحظ كل المتوجهين إلى الغرب على طريق المرور السريع وكذلك الطريق القديم أن أشخاصا ملثمين بدا أنهم من المقاومة أغلقوا الطريقين معا ووضعوا حواجز تفتيش
عليهما لمنع مرور ما بات يعرف بالجواسيس الذين يقول أهل الفلوجة إنهم عراقيون
ترسلهم قوات الاحتلال بحجة مساندة المقاومة في ما يكون هدفهم اختراق صفوفها
وإرشاد الأميركيين إلى مقراتها وقياداتها، وفي الوقت نفسه تم ضرب قوافل دعم أو
إمداد القوات الأميركية طوال عدة أيام، والشيء نفسه تكرر في جميع الطرق التي
يمكن أن يجري منها نقل إمدادات لتلك القوات حيث منع أهالي سامراء وبلد
الإمدادات القادمة من الشمال، ومنع أهالي المقدادية وبعقوبة الإمدادات القادمة
من الشرق، وتصدى أهالي اليوسفية لتلك القادمة من الجنوب، في ما تولت مناطق الأنبار الأخرى ولاسيما الرمادي والخالدية للإمدادات القادمة من الغرب.

الوضع الذي ترافق مع هجمات واسعة ضد القوات التي تحاصر الفلوجة لا سيما من جهة منطقة أبو غريب التي تقع بينها وبين بغداد وكذلك من الجهات الأخرى، تسبب في وضع القوات الأميركية تحت حصار عراقي أرهقها وكبدها أكبر قدر من الخسائر منذ انتهاء الحرب وأجبرها على طلب الهدنة دون شروط، بعد أن فشلت في اقتحام المدينة وفقدت السيطرة على مناطق واسعة من البلاد ولم تعد قادرة حتى على توفير الدعم اللوجستي لقواتها، وكان ما كان من أمر الفلوجة التي يبدو أن قصتها لم تنته بعد.
ــــــــــــــــــ
كاتب عراقي

المصدر : غير معروف