بقلم منير شفيق*

النجاح العسكري الذي أصابه العدوان الأميركي- البريطاني بإنزال هزيمة سريعة بنظام صدام حسين في بغداد، ولاحقا وفورا بقية المدن والانتقال بالوضع إلى احتلال العراق، اعتبره البعض زلزالا.

وآخرون في الإدارة الأميركية درسا من أجل أن يعتبر كل من يعتبر، وتناوله المحللون السياسيون باعتباره متغيرا عميقا في الوضع، ولد وسيلد متغيرات جديدة يتوجب التقاطها والتأقلم معها فكان كولن باول وزير خارجية أميركا واضحا حين صرح بأنه سينقل لسوريا "كيف تغير الوضع بعد صدام".

وكالعادة بعد كل حرب إقليمية، والنموذج ما حدث بعد حرب يونيو/ حزيران 1967، وحرب الخليج الثانية، يشيع المنتصر العسكري أجواء حرب نفسية توحي للآخرين، ممن يهمهم الأمر، بضرورة الاستسلام، أو الانحناء أمام العاصفة. وتجد هذه الحرب من يروج لها حتى من بين من عارضوها، ولا يقبلون بالنتائج التي يراد الوصول إليها من تلك الحرب: الاستسلام.

نجد فارقا بين ظروف ما بعد الهزيمة العسكرية في حرب يونيو/ حزيران 1967، إذ سرعان ما استوعبت ورفضت نتائجها رسميا وشعبيا من المحيط إلى الخليج، في حين أن ظروف ما بعد حرب الخليج الثانية والحرب الأخيرة لم تشهد استيعابا سريعا للصدمة ونتائجها بل اتجاها للانحناء أمام العاصفة، وإن عن غير قناعة من قبل البعض.

وقد احتاجت تجربة ما بعد 1991 أربع سنوات تقريبا حتى تبدأ الممانعة الرسمية. وكان عنوانها القمة الثلاثية بين مصر وسوريا والسعودية في الإسكندرية أواخر العام 1994.

وكان قد حدث بالتوازي الشيء نفسه على نطاق عال عندما وقعت هزيمة الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة وبتوقيت متقارب تاركا أثرا مشابها في مناخ العلاقات الدولية، ولم تبدأ الدول الكبرى روسيا والصين وفرنسا تسترد أنفاسها إلا مع مطلع 1995 وكان عنوانها تسلم بريماكوف وزارة الخارجية الروسية ولقاءات القمم الثنائية في ما بين تلك الدول والتأكيد على تعدد القطبية في البيانات المشتركة.

ثم وصلت الأمور بعد بضع سنين إلى حد انتصار المقاومة الإسلامية في جنوبي لبنان واندلاع الانتفاضة وتصعيد المقاومة والصمود الشعبي في فلسطين لأكثر من ثلاثين شهرا.


مثلت الحرب على العراق واحتلاله قلبا للطاولة إقليميا وعالميا من أجل إقامة النظام العالمي على أساس القطبية العسكرية الأميركية المنفردة
إصرار أميركي
وعلى المستوى الدولي فإن الانقسام الذي شهدته ومازالت تشهده المرحلة الراهنة مع التحضير للعدوان على العراق وفي أثنائه والآن بين أميركا وكل من روسيا وألمانيا والصين ودول أخرى هو نتاج صراعات النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي حيث فشلت أميركا في إقامة نظام القطب الواحد.

ومثلت الحرب على العراق واحتلاله قلبا للطاولة إقليميا وعالميا من جانب إدارة بوش من أجل إقامة النظام العالمي على أساس القطبية العسكرية الأميركية المنفردة وإعادة إحياء الشرق أوسطية والتسوية الأميركية الإسرائيلية للقضية الفلسطينية على ضوء نتائج الحرب. ومن هنا كان تعميم مناخ الهزيمة والشعور بالعجز عربيا وإسلاميا ودوليا ضرورة لذلك الانقلاب المطلوب في العلاقات الدولية والخرائط السياسية لدول المنطقة عندنا.

ولكن الحرب النفسية هنا، ككل حرب نفسية لا بد من تحمل كثيرا من المبالغة والغلو، فالانتصار يجب أن يفخم بحيث يصور كأنه انتصار على العرب والمسلمين مجتمعين بل على العالم كله، وليس انتصارا على نظام بعينه والقدرة الأميركية على تكرار ذلك بالنسبة لبلدان أخرى ينبغي لها أن تضخم كذلك حتى تحقق الحرب النفسية ما لا تحققه الحرب الفعلية إن وقعت، الأمر الذي يتضمن ابتعادا عن الواقع وموازين القوى الفعلية السياسية لا سيما إذا كان ذلك الواقع وتلك الموازين لا يسمحان بكل هذه المبالغة وذلك التهويل.


انتقل الوضع في العراق إلى صراع بين الاحتلال الأميركي والشعب العراقي الذي أجمع على رفض الاحتلال والمطالبة برحيله
الضعف الأميركي
المنجز الأميركي الوحيد الأكيد هو الإطاحة بنظام صدام حسين، ودون دفع الثمن الغالي، أما المنجز الآخر وهو احتلال العراق فلم يتحقق منه غير خطوة واحدة(وهي الاحتلال) تابعة عمليا للمنجز الأول، في حين انتقل الوضع إلى صراع بين الاحتلال الأميركي والشعب العراقي الذي أجمع على رفض الاحتلال والمطالبة برحيله.

وهنا يكاد يتفق أغلب المحللين في أميركا والغرب وفي العالم على أن المهمة الأصعب والأخطر قد بدأت وأن الاحتمالات التي تنتظر مستقبل تحقيق الأهداف الأميركية لطريقها أكثر من اتجاه، وربما كان الاتجاه الأقوى مصيرا في العراق لا تحمد عقباه، فمنذ الآن أخذت مظاهر التخبط تظهر في المواقف الأميركية بل يمكن القول إن أميركا المحتلة للعراق أضعف من أميركا قبل العدوان، لأن مواجهة شعب يرفض الاحتلال أصعب مما لا يقاس من مواجهة نظام ودولة.

يجب أن يضاف أن الموقف الإقليمي كما عبر عنه اجتماع الرياض للدول المحيطة بالعراق إضافة إلى مصر والبحرين طالب بإنهاء الاحتلال وإشراف الأمم المتحدة من أجل إعطاء شعب العراق حرية اختيار قادته والنظام الذي يريد وهذا كله متعارض مع الرغبة الأميركية، وإذا قيل إن أثره العملي محدود فمن غير الصحيح التقليل من أثره السياسي والمعنوي لا سيما مع تصاعد مقاومة الاحتلال في الداخل العراقي نفسه.

ويمكن أن يضاف كذلك مواقف روسيا وفرنسا وألمانيا والصين. وقد اتجهت جميعها من حيث الجوهر باتجاه الضغط ضد انفراد أميركا في العراق والدعوة إلى إعطاء الدور المركزي للأمم المتحدة في إعادة تأهيل العراق وتعميره. وإذا قيل إن أميركا ستضرب عرض الحائط بهذه الضغوط كما فعلت عندما شنت الحرب فمن غير الدقيق عدم إبداء أهمية لأثر عزلة أميركا دوليا، فهذا المتغير لا يعزز في الأقل مناخ الحرب النفسية آنفة الذكر.


لا يمكن لعاقل أن يفتح كل هذه الجبهات دفعة واحدة إلا إذا كان شديد الغطرسة والاعتداد بقوته العسكرية والاستهانة بالآخرين دولا وشعوبا ورأيا عاما وقوانين دولية

على أن الإدارة الأميركية من جهة ثانية فتحت جبهتين أخريين قبل أن تنتهي من جبهة العراق، الأولى جبهة ضد سوريا ولبنان وإيران (أكثر من جبهة) فضلا عن الجبهة الكورية.

والثانية جبهة فلسطين والشرق أوسطية من جديد فضلا عن جبهة ضد فرنسا وبشكل أو بآخر ضد ألمانيا وروسيا والصين وبدهي أن عاقلا لا يمكن أن يفتح كل هذه الجبهات دفعة واحدة إلا إذا كان شديد الغطرسة والاعتداد بقوته العسكرية والاستهانة بالآخرين دولا وشعوبا ورأيا عاما وقوانين دولية، ولعل التفسير الآخر لهذا الغباء السياسي هو تصوره أن الجميع تلقى درس العراق ولا بد له من أن يركع ويأتي صاغرا، ولكن ماذا إذا لم يتحقق هذا التصور وهو بالتأكيد لن يتحقق لأن ما تطلبه أميركا من كل جبهة يمس الخطوط الحمراء التي يتعذر تسليمها انقيادا وطوعا.

صحيح أن مختلف الدول التي فتحت الجبهات ضدها لم تعلن التحدي والمواجهة أو النزول إلى الخنادق، ولماذا تفعل وميزان القوى العسكري في غير مصلحتها، وإن لم يكن بالمطلق كما تحاول الحرب النفسية الإيهام به، ولماذا لا تلجأ إلى المراوغة والمساومة والسياسة من أجل إحراج الموقف الأميركي من خلال المرونة وإظهار حسن النيات وتقديم بعض التنازلات ولكن دون المساس بما يعتبر خطا أحمر، أي عدم تحقيق ما تريده أميركا في نهاية المطاف أو بعبارة أخرى اجتماع المرونة والممانعة وربما المساومة والمواجهة، ولهذا فالجبهات التي تفتحها أميركا ليست في حالة الاستسلام ومن ثم لا بد من أن تستنزف جهودها وتشتيت قواها وإيصالها إلى الفشل.

ومن هنا يخطئ من يتصور أن جوهر الأزمة بين فرنسا وأميركا مثلا قد زال مع ما صدر من تصريحات وإشارات فرنسية حريصة على إعادة المياه إلى مجاريها مع أميركا. فعندما تقوم فرنسا في الوقت نفسه (ويجب التشديد عليه في الوقت نفسه) بعقد قمة رباعية مع ألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ وتقرر تشكيل قوات عسكرية مستقلة عن حلف الأطلسي أو حين تنسق مع الروس لبناء درع صاروخية مضادة للصواريخ أو تصر على دور أساسي للأمم المتحدة في العراق، يجب أن يتوازن مع تلك التصريحات والإشارات الودية. بل هو الذي يمثل حقيقة الموقف المركب.

الأمر كذلك بالنسبة للكثير من المواقف حيث تمتزج تصريحات التودد والتقرب من أميركا مع مواقف وخطوات تذهب بالاتجاه الآخر. طبعا الذين يروجون للحرب النفسية من غير الرسميين الأميركيين خصوصا في البلاد العربية سيتخذون وجها واحدا من موقف مركب متعدد الأوجه ليقولوا انظروا الجميع مستسلم والكل رفع الأيدي.

ولكن الوقائع لا تتحرك وفقا للتحاليل السياسية إذ لها قانونها الخاص الذي يجب أن يلتقطه التحليل السياسي إن كان يريد الموضوعية والدقة والاتصاف بالنزاهة بعيدا عن الغرض الخفي.

مصير خارطة الطريق وإعادة إحياء الشرق أوسطية إلى فشل سريع لأن الموقف الإسرائيلي بشروطه الخمسة عشر ينسف الخارطة من أساسها إذ ليس بمقدور أو برغبة أي فلسطيني تحملها أو قبولها. وهناك شك كبير في ممارسة إدارة جورج دبليو بوش ضغطا على إسرائيل للتخلي عنها أو عن أكثرها.

وذلك لسببين الأول أن فريق إدارة بوش يضم مجموعة ما فوق الليكودية ذات تأثير كبير عليه. والثاني لدخول بوش ونائبه ديك تشيني في مرحلة التحضير للانتخابات الرئاسية القادمة حيث يحمل إغضاب اللوبي الصهيوني مخاطرة تؤثر في النتائج الانتخابية، ومن ثم فإن تبنى أميركا للشروط الإسرائيلية يسد الطريق أمام خارطة الطريق فلسطينيا وعربيا ودوليا مهما كانت المرونة مع أميركا أو حتى الانقياد لها.

ولهذا يمكن القول إن كل تقدير الموقف الذي تحمله رياح الحرب النفسية التي انطلقت من نتيجة العدوان واحتلال العراق لا يقوم على أساس واقعي وموازين قوى حقيقية، فالوضع وما شهده ويشهده من متغيرات طريق باتجاهين وليس باتجاه واحد ولتطوراته القادمة أكثر من احتمال تقرره الصراعات اللاحقة.
ـــــــــــــ
*كاتب ومفكر ومحلل فلسطيني

المصدر : غير معروف