بقلم: د. ظفر الإسلام خان*

- جذور الصراع الباكستاني الهندي
- كشمير صاعق التفجير الباكستاني الهندي
- هجمات 11 سبتمبر ومشكلة كشمير
- تداعيات هجوم البرلمان الهندي تنذر بالحرب

قليل من الشعوب تشارك بعضها ثقافيا ولغويا وحضاريا وتاريخيا كما هو حال الهند وباكستان وقليل منها يشعر بحدة العداء المتبادل الذي يسود على جانبي الحدود الهندية الباكستانية.! فما الجذور التاريخية للصراع الباكستاني الهندي وما أهم ملامحه؟ وما قضية كشمير وكيف دفعت البلدين لأن يصبحا نوويين؟ وكيف أثرت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول في شبه القارة الهندية؟ وهل يمكن أن تؤدي تداعيات الهجوم على البرلمان الهندي الشهر الماضي لاندلاع حرب حقيقية بين البلدين؟.

جذور الصراع الباكستاني الهندي

تعود معظم المشكلات العالقة بين الهند وباكستان إلى فجر الاستقلال في صيف عام 1947 حين ظهرت الدولتان من بطن دولة الهند البريطانية، وهذه مشكلات ناجمة عن تقسيم البلاد على أساس ديني وبصورة متسرعة. وأخذت هذه المشكلات بعدا شائكا بسبب عوامل أخرى برزت في السنوات التالية وأهمها كشمير ثم دور الهند في تقسيم باكستان بالتدخل العسكري لصالح الانفصاليين في بنغلاديش، ومن هذه المشكلات:

  • هجرة على نطاق واسع لمسلمي الهند إلى باكستان ولهندوس باكستان إلى الهند وسط المواجهات الطائفية.
  • مشكلة كشمير المزمنة.
  • حرب "بنغلاديش" عام 1971 التي جزّأت باكستان إلى دولتين فخلقت رغبة الانتقام العارمة في الجيش الباكستاني بسبب تدخل الهند النشط إلى جانب القوميين البنغال الذين حملوا السلاح للانفصال عن باكستان الغربية.
  • التأييد المتبادل للعنف الانفصالي الداخلي.
  • ثم جاء سباق التسلح بين الدولتين أولا في صورة إنتاج الصواريخ ثم التفجير النووي الهندي في مايو/ أيار 1998 الذي أجبر باكستان على أن تقوم هي الأخرى بتفجيرها النووي بعد أيام وذلك لأجل تحقيق "الردع المتبادل". ومما زاد من حنق الهند أنها فقدت تفوقها العسكري على باكستان نتيجة حماقة التفجير النووي الذي كانت تريد به حسم الموقف نهائيا لصالحها، ولكن الذي حدث هو أن باكستان هي الأخرى قامت بتفجيراتها النووية في الوقت الذي كانت فيه المخابرات الهندية تؤكد لحكومتها طوال الوقت أن البرنامج النووي الباكستاني بدائي للغاية.. بل واستمرت المخابرات الهندية تسول لنفسها حتى بعد التفجيرات الباكستانية أنها "وهمية" وأنه لم يقع شيء كهذا..!.

كشمير صاعق التفجير الباكستاني الهندي


قامت باكستان بتفجيراتها النووية في الوقت الذي كانت فيه المخابرات الهندية تؤكد لحكومتها طوال الوقت أن البرنامج النووي الباكستاني بدائي للغاية.. بل واستمرت المخابرات الهندية تسوِّل لنفسها حتى بعد التفجيرات الباكستانية أنها "وهمية" وأنه لم يقع شيء كهذا..!
تعود قضية كشمير إلى الأساس الذي تم به تقسيم شبه القارة الهندية في أغسطس/ آب 1947 بين الهند وباكستان.. فقد كان بداخل الهند البريطانية 580 إمارة لها استقلال ذاتي يحكمها الأمراء والمهراجات وما شابههم من حكام محليين تركهم الإنجليز يحكمون مناطقهم بعد نزع معظم سلطاتهم وتجريد أسلحتهم إلا ما يلزم للمحافظة على الأمن. وكانت بعض هذه المناطق ذات غالبية هندوسية يحكمها أمراء مسلمون وهناك مناطق ذات أغلبية إسلامية يحكمها أمراء هندوس. وكان هذا تدبيرا إداريا ممتازا في نظر المستعمر البريطاني لأن هؤلاء الحكام المحليين كانوا يحكمون مناطقهم بيد من حديد إذا كانوا من غير ديانتهم.

الهند تخالف قانون الاستقلال
نص قانون استقلال الهند على أن هذه الإمارات حرة في أن تنضم إلى أي من الهند أو باكستان أو أن تبقى مستقلة مع الأخذ في الاعتبار بعض العوامل مثل الوضع الجغرافي ورغبات الشعب. ولكن الهند تجاهلت هذا المبدأ عند الاستقلال وخصوصا في ما يتعلق بإمارات جوناكره (غرب الهند) وحيدر آباد (جنوب الهند) وكشمير (شمال). وكان بالإمارتين الأوليين غالبية هندوسية يحكمها أميران مسلمان، أما في كشمير فكان الوضع على عكس ذلك إذ إن غالبية السكان كانوا مسلمين وحاكمها كان هندوسيا.

وقررت غالبية الإمارات المستقلة ذاتيا -حسب وضعها الجغرافي- أن تنضم إلى الهند أو باكستان بعد ظهورهما. وقرر حاكم إمارة جوناكره أن ينضم إلى باكستان ولكن الهند على الفور أرسلت قواتها المسلحة لاحتلال الإمارة وقالت تبريرا لذلك إن سكان الإمارة هم من الهندوس بنسبة 81% وبالتالي لا يجوز لحاكمها الانضمام إلى باكستان طبقا لمبادئ التقسيم. وتذرعت الهند بالحجة نفسها فيما يتعلق بحيدر آباد التي كان يحكمها أمير مسلم فأرسلت قواتها المسلحة لاحتلال الإمارة بالقوة. ولكن الهند تجاهلت هذه الحجة حين تعلق الأمر بإمارة كشمير. وحين تردد مهراجا كشمير في إعلان انضمام الإمارة إلى باكستان تمرد المسلمون الكشميريون الذين كانوا يمثلون نسبة 82% من السكان. وقام جنود الحاكم الهندوسي بارتكاب المذابح في منطقة بونش وميربور في سبتمبر/ أيلول 1947. ويقال إنه قتل في هذه الاضطرابات ما لا يقل عن مائة ألف مسلم. وجرت هذه المجازر لإجهاض انتفاضة مسلمي كشمير ضد الحاكم الهندوسي.

ثورة مسلمي كشمير
هب رجال قبائل قندهارا المسلمة (التي تقع في باكستان) لنصرة إخوانهم المسلمين في كشمير، وذلك بتحريض من السلطات الباكستانية وبمشاركة جنودها. ومني جيش المهراجا بهزيمة منكرة وأقيمت "حكومة كشمير الحرة المؤقتة" بمدينة مظفر آباد في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 1947.

وأعلنت الحكومة الجديدة على الفور بدء الحرب لتخليص الولاية من ظلم المهراجا بتأييد من القبليين المسلمين وقدامى الجنود المسلمين الذين كانوا قد سرحوا من الخدمة عقب الحرب العالمية الثانية بمنطقة بونش وميربور. وتقدمت هذه القوات بسرعة نحو عاصمة كشمير الصيفية سرينغار. وبينما كان المهراجا يقيم حفلا من حفلاته الماجنة ليلة 25 أكتوبر/ تشرين الأول تمكن المجاهدون من احتلال محطة الكهرباء التي كانت تغذي سرينغار، فهرب المهراجا من عاصمته إلى مدينة جامو حيث موطن قبيلته دوغرا وهناك قام بالتوقيع على وثيقة الانضمام إلى الهند لقاء المساعدة الهندية العسكرية العاجلة لدحر الانتفاضة المتمتعة بدعم عسكري باكستاني .


أكد جواهر لال نهرو لنظيره الباكستاني لياقت علي خان أنه ستؤخذ رغبات الشعب الكشميري في الحسبان عند تقرير مصير كشمير، ولنهرو بيانات متعددة بهذا المعنى في السنوات القليلة اللاحقة
وفي ضوء هذه الخلفية قبل الحاكم العام الإنجليزي للهند اللورد مونتباتن بوثيقة الانضمام هذه -ولكن بصورة مشروطة- يوم 27 أكتوبر/ تشرين الأول 1947، وذلك لإدراكه الوضع الخاص بكشمير. وقال مونتباتن "إن الوضع النهائي لجامو وكشمير سيتقرر باستفتاء شعبي بعد إعادة القانون والنظام إلى الإمارة". وأكد جواهر لال نهرو الذي كان رئيس وزراء الهند ببرقيته في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 1947 إلى نظيره الباكستاني لياقت علي خان بأنه ستؤخذ رغبات الشعب الكشميري في الحسبان قبل تقرير مصير كشمير. ولنهرو بيانات متعددة بهذا المعنى في السنوات القليلة اللاحقة.

ورفضت باكستان من جانبها قرار حاكم كشمير الهندوسي بالانضمام إلى الهند.

مجلس الأمن يتدخل
وبينما كانت المعارك تجري بين قوات القبائل والقوات الباكستانية من جهة والقوات الهندية من جهة أخرى بادرت الحكومة الهندية برفع قضية كشمير أمام مجلس الأمن بالأمم المتحدة في 1 يناير/ كانون الثاني 1948 وحاولت إقناع الدول الأعضاء بأن ضم كشمير إلى الهند قد جاء استجابة لقرار اتخذه شعب كشمير نفسه. وقدمت الهند زعيم "المؤتمر القومي" الكشميري (شيخ محمد عبد الله) في اجتماعات مجلس الأمن باعتباره الناطق الوحيد باسم شعب كشمير.

وفى 5 يناير/ كانون الثاني 1949 أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا يتضمن وقف إطلاق النار والاتفاق بشأن سحب جيوش البلدين وتوطين اللاجئين وإجراء استفتاء عام محايد بشأن الانضمام إلى الهند أو باكستان.


نص قانون استقلال الهند على أن الإمارات حرة في أن تنضم إلى الهند أو باكستان أو أن تبقى مستقلة ولكن الهند تجاهلت هذا المبدأ في ما يتعلق بإمارات جوناكره وحيدرآباد وكشمير في الشمال. وكانت بالإمارتين الأوليين غالبية هندوسية يحكمها أميران مسلمان، أما في كشمير فكان الوضع على عكس هذا أي أن غالبية السكان كانوا مسلمين وحاكمها كان هندوسيا
وتم تنفيذ وقف إطلاق النار بتعيين خط لوقف إطلاق النار بصورة مؤقتة. ولكن لم يتم تنفيذ قراري مجلس الأمن الخاصين بسحب القوات الهندية والباكستانية وإجراء الاستفتاء.

وفى سبتمبر/ أيلول 1951 أقيمت في كشمير "جمعية تأسيسية"بزعامة شيخ عبدالله يتزعمه. وتحدت رغبات الناس فصادقت على قرار المهراجا هاري سينغ بالانضمام إلى الهند. ونصب شيخ عبد الله نفسه رئيسا لوزراء دولة جامو وكشمير. وظل زعماء الهند يرددون حتى عام 1954 تمسكهم بمبدأ إجراء الاستفتاء العام إلا أنه اتضح على مر الزمن أنهم لم يكونوا يعنون ما يقولونه.

وحين تأكدت باكستان من فشلها في حل هذه القضية بالوسائل الدبلوماسية خططت لثورة شعبية مسلحة في كشمير بالتعاون مع الزعيمين (مولانا مسعودي) و(مولوي فاروق)، إلا أنهما وآخرين من زعماء كشمير خذلوا العناصر الموالية لباكستان لدى بدئها الحركة الشعبية في كشمير في أغسطس/ آب 1965. ونتيجة لهذا خاض البلدان غمار الحرب الثانية حول كشمير في سبتمبر/ أيلول 1965، إلا أن الحرب لم تؤد إلى نتائج ملموسة.

ثم جرت بين الهند وباكستان حرب 1971 التي تمخض عنها قيام بنغلاديش في باكستان الشرقية. وتبع ذلك توقيع البلدين على اتفاقية شيملا في يوليو/ تموز 1972. واعترفت هذه الاتفاقية بأن "جامو وكشمير" منطقة متنازع عليها"، واتفقت الدولتان على احترام "خط التحكم" القائم على حدود جامو وكشمير إلى أن يتم التوصل إلى "تسوية نهائية".

وقد تمسك الطرفان بمبادئهما من خلال هذه المعاهدة إلا أنهما اتفقا على تسوية الخلافات بينهما، ومنها مشكلة كشمير، بصورة سلمية ثنائية وبدون تدخل طرف ثالث. .

وتعاقبت على سرينغار عدة حكومات كانت دلهي تختار كلا منها بكل عناية ودون أخذ رغبات الشعب الكشميري بعين الاعتبار. وحاولت دلهي شراء ذمة الشعب الكشميري وممنونيته بتقديم دعم هائل للولاية (كانت قيمة الدعم السنوي حتى عام 1989 تبلغ ثمانية مليارات روبية أى ما كان يعادل آنذاك 516 مليون دولار أميركى)، ولكن الجزء الأكبر من هذا الدعم كان يتسرب إلى جيوب طبقة السياسيين السماسرة والمقاولين التجاريين.

تزوير الانتخابات يشعل انتفاضة عسكرية
اندلعت انتفاضة مسلحة في كشمير إثر التزييف المفضوح لانتخابات 1987 واللعب بنتائجها على نطاق واسع مما أفشل آمال "الجبهة الإسلامية المتحدة" التي كانت تتمتع بشعبية واضحة.. وكانت نتيجة ذلك التزوير أن فقد الناس ثقتهم تماما بالهند وبديمقراطيتها، وأدركوا ألا سبيل إلى تغيير الحكومة بالوسائل "الديمقراطية". وحين احتجوا على التزوير في الانتخابات جرى اعتقالهم فقرروا في اجتماع داخل سجن سرينغار في أبريل/ نيسان 1987 انتهاج سبيل الكفاح المسلح. وأصبح كثيرون من هؤلاء زعماء حركات انفصالية مسلحة وعلى رأسهم (سيد صلاح الدين) زعيم حزب المجاهدين ورئيس مجلس الجهاد المتحد.
وأخذت المنظمات تلو المنظمات تظهر في وادي كشمير الذي لا يتجاوز عدد سكانه ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة .

عودة إلى الحوار
بعد عدة محاولات لكسر الجليد بين البلدين خلال التسعينيات تغيرت الحكومة في الهند بصورة جذرية فجاء إلى الحكم في أوائل عام 1998 حزب الشعب الهندي (بهارتيا جاناتا) الهندوسي المعروف بتطرفه وتعصبه وموقفه المتشدد إزاء باكستان.. وكان هذا الحزب قد أعلن في برنامجه الانتخابي أنه يفضل تحول الهند إلى قوة نووية.. وهكذا جرى التفجير النووي الهندي في مايو/ أيار 1998 وتبعه التفجير النووي المضاد وأخذت العلاقات تتدهور بين البلدين إلى أن جمعت بينهما العزلة والمشكلات الاقتصادية التي يعاني منها البلدان معا مع الضغط الدولي على كليهما لحل المشكلات بينهما لدرء مخاطر حرب نووية تدمرهما معا. وهكذا توصل رئيسا وزارة البلدين خلال اجتماعهما في نيويورك في 23 سبتمبر/ أيلول 1998 إلى إحياء المباحثات بينهما. ورضخت الهند لتناول القضية الكشميرية منذ البداية بينما كانت تصر فيما مضى على تناولها في نهاية الأمر بعد حل القضايا الأخرى.

وهكذا عقدت المباحثات على مستوى وكيلي الخارجية بين البلدين في أواخر عام 1998 وأدت إلى عدد من الخطوات كعلامة على الانفراج وعلى رأسها إعادة خط الأوتوبيس بين البلدين وإعادة تشغيل الخط التليفوني الساخن بين رئاستي الوزارة بالبلدين. وهذه الاتصالات دفعت برئيس وزراء الهند أتال بيهاري فاجبايي إلى أن يقوم بزيارة باكستان على متن أول رحلة للأوتوبيس، الذي سمي بـ"نداء الحدود"، في 20 فبراير/ شباط 1999 وتم التوقيع في اليوم التالي على "إعلان لاهور" بين رئيسي الوزراء فاجباي ونواز شريف واتفق البلدان بمقتضى هذا الإعلان على تسوية كل القضايا العالقة بما فيها كشمير.

كارغيل تفجر الأوضاع

صاروخ هندي أرض أرض من طراز بريثفي

ولكن سرعان ما فوجئت الهند بمتسللين يحتلون قمم كارغيل في الجزء الهندي من كشمير في يوليو/ تموز 1999 واعتبرتها الهند -وبحق- طعنة في الظهر ومعارضة صريحة لخط الانفراج والتسوية الذي كان البلدان يسلكانه منذ إعلان لاهور.. فتعطلت كل الخطوات والاتصالات مرة أخرى نظرا لما وصفته الهند بـ"خدعة باكستانية" أوصلت "أوتوبيس لاهور" إلى كارغيل!.

وحين هدأ غضب الهند من واقعة كارغيل، وبعد شهور طويلة من الرفض القاطع لأي حوار مع باكستان وخصوصا بعد الانقلاب العسكري بها وافقت الهند على قمة آغرا مع الرئيس الباكستاني برويز مشرف من 14-15 يوليو/ تموز 2001.

وجرت اجتماعات قمة آغرا في جو مشجع للغاية إلا أن الرئيس مشرف أعطى الفرصة لمعارضي أي اتفاق مع باكستان، حين التقى برؤساء الصحف الهندية وقال بصراحة تامة: "لن يكون هناك أي تقدم فى المباحثات ما لم يتم قبول أن كشمير هي القضية الرئيسية بين البلدين".. فلم يصدر بيان ختامي عن القمة.

هجمات 11 سبتمبر ومشكلة كشمير

إثر ظهور أزمة أفغانستان بعد هجمات نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول الماضي وإصرار أميركا على محاربة ما تسميه بالإرهاب "بكل صوره وفى كل مكان في العالم"، حاولت الهند توظيف الأزمة لصالحها لأجل وضع باكستان في قفص الاتهام وذلك بترديد مستمر أن باكستان شريكة مع نظام طالبان في الإرهاب وبالتالي يجب محاربة باكستان أيضا..! وزاد حنق الهند حين رأت أن الميل الأميركي الجديد نحو باكستان سيكون على حساب العلاقات الممتازة التي تمكنت الهند من التوصل إليها مع الولايات المتحدة منذ مجيء حكومة فاجبايي قبل ثلاث سنوات وأن هذا التطور الجديد سينعكس على الموقف الأميركي من كشمير.

وقد تعزز هذا الاستنتاج بأنباء تقول إن هناك اتفاقا سريا بين باكستان وأميركا على حل القضية الكشميرية وفق المطالب الباكستانية وأن ذلك سيتبع الانتهاء من الحملة الأميركية على افغانستان.. فأخذت الهند تبذل المحاولات للمشاركة في التحالف الغربي وخرجت عن الأسلوب المعتاد في التلهف للمشاركة والإعلان عن استعدادها لإعطاء أميركا كل التسهيلات العسكرية الممكنة إلا أن واشنطن فضلت باكستان نظرا لعوامل جغرافية ودينية، إذ إن باكستان ملاصقة لأفغانستان من جهة وكونها "مسلمة" يساعد واشنطن على محاربة بلد "مسلم" هي أفغانستان بينما الهند -وخصوصا بسبب علاقاتها الوطيدة مع إسرائيل- أصبحت محل ريبة في نظر كثير من الدول العربية والإسلامية. إلا أن هذه المحاولات الهندية باءت بالفشل.

تداعيات الهجوم على البرلمان الهندي تنذر بالحرب


الحكومة الهندية تخطط لحرب (محدودة) تأخذ شكل هجوم بري وجوي على قواعد المسلحين الكشميريين في "كشمير الحرة" وذلك لتدميرها وإرسال رسالة واضحة إلى باكستان والعالم بأن الهند لن تقبل بوجود مثل هذه التسهيلات على الأراضي الباكستانية
حين وقع الهجوم على البرلمان الهندي في 13 ديسمبر/ كانون الأول الماضي وجدت الهند الفرصة المناسبة لرفع التوتر والتصعيد العسكري إلى حد مواجهة شاملة مع باكستان بحجة القضاء على القواعد "الإرهابية" في كشمير الباكستانية واستفادت الهند في ذلك من المناخ العالمي الحالي ضد "الإرهاب" ومن سابقة أميركا في مواجهة أفغانستان.

ويبدو أن دلهي قد اتخذت بالفعل قرار دخول الحرب ضد باكستان. وغالبية أعضاء حزب الشعب الهندي (بهارتيا جاناتا) الهندوسي المتعصب الذي يقود التحالف الحاكم على مستوى الحكومة المركزية حاليا تفضل خيار الحرب في المواجهة الحالية. وعلى رأس مؤيدي الحرب السيد لال كريشنا أدفاني وزير الداخلية المعروف بتشدده وتعصبه وعدائه الشديد لباكستان ورئيس الوزراء أتال بيهاري فاجبايي ووزير الدفاع جورج فرنانديز الذي يقود حزب "سامتا" الاشتراكي.

توقعات بحرب محدودة
وتقول معلومات مؤكدة إن الحكومة الهندية تخطط لحرب (محدودة) تمتد بين ثلاثة أيام إلى نحو أسبوع وهي ستأخذ شكل هجوم بري وجوي على قواعد المسلحين الانفصاليين الكشميريين في "كشمير الحرة" التي تسميها الهند "كشمير المحتلة من قبل باكستان" وذلك لتدميرها وإرسال رسالة واضحة إلى باكستان والعالم بأن الهند لن تقبل بوجود مثل هذه التسهيلات على الأراضي الباكستانية
.

وقد تم بحث هذه الأفكار في اللجنة الوزارية للأمن والتي عقدت عدة اجتماعات لها منذ الهجوم المسلح على البرلمان الهندي. ويقول السيناريو الهندي إنها ستكون حربا محدودة في كشمير الباكستانية وستقوم الهند بإيقافها عندما تطلق الأمم المتحدة والولايات المتحدة نداءاتها لوقف إطلاق النار. وترى الهند أن الأسلحة النووية لن تستخدم في هذه المواجهة إلا أن بإمكان الهند الاستيلاء على بعض الأراضي في كشمير حيث جرى العرف أن يحتفظ أي من الدولتين بأي أرض يستولي عليها في "كشمير" خلال الحروب الثلاث التي جرت بين البلدين.

ولكن الأمر سينفلت من أيدي الهند بعد توجيه الضربة الأولى ولا يمكن التكهن كيف ستتصرف باكستان وهل ستلجأ إلى استخدام القنبلة النووية لو واجهت هزيمة صريحة؟ وقد أجرى خبراء البنتاغون -وزارة الدفاع الأميركية- ألعابا حربية وهمية خمس مرات لمعرفة كيف ستكون الحرب القادمة بين الهند وباكستان ووصلوا فى كل مرة، حسب نشرة جينز للدفاع، إلى وقوع حرب نووية.

حملة دبلوماسية هندية
وتمهيدا للدخول في الحرب الفعلية تقوم الهند حاليا بحملة سياسية دبلوماسية عالمية مشفوعة بخطوات سياسية لإظهار أن باكستان هي الطرف المعتدي وقد اتخذ هذا حتى الآن شكل استدعاء السفير الهندي من باكستان وإيقاف خطي (القطار) و(الأوتوبيس) بين البلدين ووقف رحلات الخطوط الباكستانية إلى الهند ومنعها من التحليق فوق الأجواء الهندية وتخفيض عدد موظفي السفارة الباكستانية بالهند إلى 50% من وضعها الحالي وإلغاء وضع "الدولة المفضلة" التي أعطتها الهند لباكستان من جانب واحد.
وقد قابلت إسلام آباد كل هذه الخطوات بالمثل، وهناك حديث حول خطوات هندية قادمة في الطريق مثل إلغاء معاهدة المياه بين البلدين (المعقودة سنة 1960) وقيام الهند بإغراق أراض باكستانية على الحدود وذلك بفتح المياه من السدود على الأنهار على الجانب الهندي وهذا سيدمر مئات القرى الباكستانية وسيفسد المزروعات القائمة في الحقول على آلاف الهكتارات وهذه الخطوات هي محاكاة للخطوات التي اتخذتها إنديرا غاندي عام 1971 قبل أن تهاجم باكستان الشرقية تمهيدا لإنشاء بنغلاديش. وضمن هذه الخطة سينطلق عدد من كبار الوزراء والشخصيات الهندية في الأيام القليلة القادمة لشرح الموقف الهندي وإقناع الرأي العام العالمي بأحقيته.

ويعود تفضيل السلطات الهندية لخيار الحرب إلى أن الحزب الحاكم يحتوي أصلا على عناصر متشددة تفسر حبها للهند في ضوء كراهيتها لباكستان لدرجة المزايدة، وباكستان بنظرهم تمثل عكس كل ما تمثله الهند. وهناك عناصر مماثلة في باكستان تفسر حبها لباكستان في ضوء كراهيتها للهند.

الانتخابات أوتار براديش ترجح خيار الحرب


ومن الأسباب المباشرة لتفضيل قرار الحرب أن الحزب الحاكم يواجه انتخابات حاسمة في ولاية أوتار براديش وهي كبرى الولايات الهندية وسوف تجرى فيها الانتخابات في منتصف فبراير/ شباط القادم وحزب الشعب الهندي يحكم هذه الولاية في الوقت الحالي على رأس تحالف حزبي مماثل للوضع على مستوى الحكومة المركزية وهذه الانتخابات مصيرية حيث إن الحزب الذي يتحكم في هذه الولاية هو الذي يتحكم في الحكومة المركزية أيضا. ولو انهزم الحزب في ولاية أوتار براديش فإن أيامه ستصبح معدودة على مستوى الحكومة المركزية.

يوازي كل ذلك ضغط دولي وخصوصا من أميركا على البلدين بألا يدعا الأمور تنفلت إلى حرب.. وتخاف الولايات المتحدة خاصة من أن المواجهة العسكرية بين البلدين سوف تهدد أمن جنودها وعتادها في باكستان، كما أنها سوف تنال من حملتها الحالية ضد "الإرهاب" في أفغانستان وغيرها من الأماكن والتي ستستمر فيها باكستان شريكا أصيلا إلى جانب أميركا، حيث إن كل الدول والمنظمات المستهدفة هي "إسلامية" وبالتالي تحتاج أميركا إلى غطاء "إسلامي" قوي لتثبت أنها ليست ضد الإسلام والمسلمين.

_______________
* رئيس تحرير صحيفة "مِلِّى غازيت" Milli Gazette الهندية وخبير في الشؤون الهندية والكشميرية.

المصدر : غير معروف