بقلم/ منير شفيق

مجموعة مؤتمرات قمة حدثت خلال الأسبوع الأول من حزيران/ يونيو الجاري 2003، شكلت مؤشرات أولية لمتغيرات عالمية وإقليمية عربية تحتاج إلى وقفة متمعنة ومتمهلة وذلك لأنها جاءت مغرية للخروج باستنتاجات قاطعة سريعة.

ومن تلك الاستنتاجات التي أشار إليها عدد من المحللين والمراسلين والصحفيين وإعلاميي القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت، القول إن أوروبا وروسيا عادتا إلى بيت الطاعة الأميركية من خلال قمة الدول الصناعية الثماني بمنتجع إيفيان في فرنسا أو قمة بوش-بوتين في سان بطرسبرغ أو اللقاءات الثنائية بين بوش وشيراك أو بوش وشرودر. وقيل مثل هذا بالنسبة إلى قمتي شرم الشيخ والعقبة بعد ذلك. وقد جاء كل هذا استمراراً للتعليقات التي سادت بعد صدور القرار 1483.


التناقضات في المصالح والسياسات كانت موجودة دائما بين أميركا والدول الكبرى الأخرى خلال السنوات العشر الماضية بيد أنها كانت ضمن سقف التحالف والصداقة وتجنب التأزيم
هذه الاستنتاجات القاطعة السريعة -وإن عبرت من جهة عن آمال البعض- تستند إلى ما ظهر على سطح تلك القمم من مظاهر في التصريحات بعد التأزم الذي ساد في المرحلة السابقة للحرب (العدوان) على العراق من جهة أخرى، ولكن ليس ثمة ما يدل عمليا على أن نقاط الخلاف والتأزم عولجت وتم الاتفاق حولها، بل إن كل ما صدر حول الخلافات الجوهرية والحاسمة هو القفز عليها وجعلها من الماضي والتطلع إلى المستقبل.

صحيح أن استعادة الجدل حول النقاط الخلافية المتعلقة بحرب العراق لا ضرورة لها في أجواء جديدة حرص الجميع على تلطيفها وقد مالوا إلى التهدئة والمصالحة لاسيما بعد تأزم كاد يصل حد المقاطعة الاقتصادية وشبه القطيعة الدبلوماسية بين أميركا وكل من فرنسا وألمانيا وروسيا، وبالتحديد فرنسا التي ناصبتها الإدارة الأميركية عداوة أشد.

ولكن هل ما ظهر على السطح يعبر عما تحته؟ أو هل فعلا تجاوز اتجاه تطور العلاقات بين الدول الكبرى الخلافات وسيمضي نحو التحسن أكثر فأكثر؟ أم أن ثمة عوامل وأسباباً عابرة هي التي دفعت إلى ترطيب الأجواء خصوصا من جهة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش لأنه كان المسؤول الأول عن تأزيم العلاقات ومن ثم فإن عبور تلك العوامل والأسباب سيلازم الأجواء الدولية من جديد؟

هنالك ثلاث حقائق يجب استحضارها بداية وهي:

  • التناقضات في المصالح والسياسات كانت موجودة دائما بين أميركا والدول الكبرى الأخرى خلال السنوات العشر الماضية بيد أنها كانت ضمن سقف التحالف والصداقة وتجنب التأزيم. أما الذي حدث في السنة الأخيرة فهو الارتفاع بحدتها إلى مستوى التوتر وتبادل الاتهامات القاسية، ولكن مع ذلك لم ينفرط عقد التحالف (حلف الناتو) ولم ينقطع التواصل الروسي الأميركي.
  • الخلاف الشديد الذي حدث حول موضوعات الحرب على العراق لم يكن سببه الرئيسي هو العراق بل كانت الحرب من جانب أميركا على العراق تعبيرا عن إستراتيجية الأمن القومي الأميركي التي أعلنت يوم 20/9/2002، وفي المقابل كان الموقف الفرنسي والألماني والروسي والصيني في معارضة الحرب تعبيرا عن معارضة تلك الإستراتيجية التي جعلت أول أهدافها إقامة نظام عالمي جديد تحت القيادة العسكرية الأميركية المنفردة، الأمر الذي يعني فرض تبعية كاملة أو شبه كاملة على الدول الأخرى وإحداث تغيير في أسس العلاقات التي قام عليها حلف الأطلسي. هنا تكمن النقطة الأساسية وراء التأزيم الذي حصل للعلاقات بين أميركا وكل من فرنسا وألمانيا وروسيا والصين والدول الأخرى عموماً.

  • ليس ثمة ما يدل عمليا على أن نقاط الخلاف والتأزم عولجت وتم الاتفاق حولها، بل إن كل ما صدر حول الخلافات الجوهرية والحاسمة هو القفز عليها وجعلها من الماضي والتطلع إلى المستقبل
    فرنسا وألمانيا وروسيا والصين لم تكن راغبة طوال الوقت في توتير العلاقات مع الإدارة الأميركية، بل كانت حريصة على استبقاء علاقات التحالف أو الصداقة كما كانت حريصة على هيئة الأمم المتحدة وميثاقها والقوانين الدولية، في حين لم تكن الإدارة الأميركية حريصة على ذلك.. لأنها كانت تريد فرض دكتاتوريتها العسكرية على العالم. والكل يتذكر تصريحات وزير الدفاع دونالد رمسفيلد حول أوروبا القديمة أو تصريحات نائبه بول ولفويتز حول الأمم المتحدة.

ومن هنا يبرز السؤال الحاسم: هل تراجعت فرنسا وروسيا وألمانيا والصين عن معارضة نظام القطب الواحد أو عن دور الأمم المتحدة أو عن العودة بالعلاقات مع أميركا إلى ما كانت عليه قبل حرب أفغانستان؟

الجواب بالتأكيد أن هذا لم يحدث ومن غير المتوقع أن يحدث، لأن التسليم بانفراد أميركا في القرار الدولي كما يسعى إليه الفريق المتصهين المتطرف في الإدارة الأميركية، يعني تدمير المكانة السياسية والاقتصادية والثقافية لتلك الدول عالمياً ومن ثم الدمار الاقتصادي والاجتماعي الداخلي، مما يسمح باستنتاج أن حرص تلك الدول على علاقات دافئة أو غير مأزومة ومتوترة مع أميركا لا يعني العودة إلى بيت الطاعة والتسليم بالإستراتيجية الأميركية الجديدة، أو أن الضرب تحت الحزام لن يعود من جديد.

أما من جهة ثانية فإن ما يظهره بوش من رغبة مقابلة في المصالحة وتحسين العلاقات لا يعني التخلي عن تلك الإستراتيجية أو القبول بالعودة إلى مرحلة ما قبل نهاية حرب أفغانستان، ولهذا يمكن القطع بأن نقطة الخلاف الأساسية التي سببت التأزيم والتوتير مازالت على حالها من جانب الإدارة الأميركية كما هي من جانب الدول الأخرى. ومع ذلك أين التغيير الذي حدث؟

إذا كان من الصحيح أن روسيا وفرنسا وألمانيا والصين والدول الأخرى كانت الأشد حرصا دائماً على تخفيف حدة الأزمة مع أميركا ومحاولة التفاهم وإياها، فإن التغيير الأبرز يكون قد جاء بالضرورة من جانب الإدارة الأميركية التي رمت القفاز قبل الحرب على العراق في وجه الجميع: إما الخضوع التام وإما تأزيم العلاقات وإهمال من لا ينضم إلى التحالف الجديد، الأمر الذي يطرح السؤال: لماذا حدث هذا التراجع الأميركي؟


ما يجري الآن يمثل الدخول في مرحلة جديدة من الصراع بين اتجاه أميركا لفرض نظام القطب الواحد واتجاه الدول الأخرى لفرض نوع من النظام التعددي ولكن ضمن أجواء مصالحة على الضد من أجواء المشاكل السابقة
الجواب قد يتشكل من عدة جوانب أحدها يبدأ من الانتصار العسكري السهل السريع واحتلال العراق وفرض وقائع جديدة، ولكن هذا السبب اختلط بعامل آخر هو ما راحت تواجهه أميركا من تخبط وصعوبات في الانتصار بالمعركة السياسية في العراق بما فرض عليها العودة إلى الأمم المتحدة بعدما أعلن ولفويتز التخلص منها إثر اندلاع الحرب. ولا شك أن رغبة كل من روسيا وألمانيا وفرنسا في تخفيف التوتر ومحاولة التسلل إلى دور في العراق وربما إغراء الولايات المتحدة للتخلي عن تطرفها السابق في الانفراد بالقرار الدولي، ساعدت في تسهيل أمر عودتها إلى مجلس الأمن وصدور القرار 1483 ولكن ليس من دون مساومة وصفقات جانبية من أجل أن تلبي طلبها رفع العقوبات والتصرف بأموال "النفط مقابل الغذاء" والاعتراف بسلطة الاحتلال.

وهناك سبب ثان لا يقل أهمية عن سابقه وهو اقتراب الانتخابات الرئاسية القادمة في الولايات المتحدة وحاجة بوش إلى ترطيب الأجواء مع الأوروبيين وبالخصوص امتصاص المعارضة الداخلية التي انتقدت سياسات الإدارة إزاء حلف الأطلسي وأوروبا، فلا شك أن المعركة الانتخابية ستلعب من الآن فصاعدا دوراً حاسماً في توجيه السياسات الأميركية.

أما السبب الثالث فقد يلحظ من خلال المأزق الذي دخله بوش وبلير بعد الفشل في الكشف عن أسلحة دمار شامل في العراق، الأمر الذي وجه إليهما تهمة خداع الشعبين الأميركي والبريطاني والكذب عليهما، ولهذا فإن بوش بحاجة إلى ترطيب الأجواء الدولية حتى لا يسهم إعلام الدول الكبرى الأخرى في إثارة الموضوع وصب الزيت على النار، فالخروج من هذه المآزق يشكل اليوم قضية القضايا بالنسبة إلى كل من بوش وبلير.

وخلاصة القول أن المتغيرات التي حملتها قمة الرئيس الأميركي بوش مع نظيريه الروسي بوتين والفرنسي شيراك والمستشار الألماني شرودر، تمثل مناخاً إيجابيا في العلاقات ولكن مع بقاء الاختلافات والتوترات، فهي مرحلة جديدة وسط بين مرحلة التأزم وتلك التي سبقتها قبل انتهاء حرب أفغانستان. فمن جهة لا تستطيع أميركا أن تمضي بإستراتيجية الأمن القومي الجديد كما فعلت قبل الحرب وبعدها وتحافظ في الآن نفسه على المناخ الراهن، ولكنها لا تستطيع أن تتخلى عنها لتعود إلى الإستراتيجية السابقة التي سادت في عهود بوش الأب وكلينتون حتى تكرس هذا المناخ الذي ولدته ظروف طارئة لا إستراتيجيات عليا.

ولهذا علينا أن نتوقع تعرجا في العلاقات ضمن المرحلة الحالية، ولا يتوقع أن يكون التوافق الذي حدث في القرار 1483 نموذجا للمساومات القادمة لأنه لم يحقق بالنسبة للروس والأوروبيين إلا مكاسب جزئية وشكلية وترك لأميركا السلطة العليا في العراق، الأمر الذي سيجعل المساومات القادمة تتطلب من بوش تقديم تنازلات أكبر نسبيا لاسيما إذا اشتد الخناق عليه في موضوع الحرب.. ثم هناك المشاكل الاقتصادية العالمية بين أميركا وأوروبا في منظمة التجارة العالمية مما قد يؤزم العلاقات من جديد.

وبكلمة واحدة يجب الابتعاد عن الانجرار وراء نظرية استسلام الجميع لأميركا أو دخولها في بيت الطاعة حتى لا يتكرر ما حدث بعد انتهاء الحرب الباردة لأن المصالح العليا للدول الكبرى الأخرى تفرض عليها عدم التسليم لنظام القطب الواحد كما تتطلب تعددا في القطبية أو لحالة ثالثة بين الحالتين.

وهذا بالضبط ما أفشل تلك النظرية مع نهاية تسعينات القرن الماضي وما سيفشلها مرة أخرى. وما إستراتيجية إدارة بوش إلا دليل على ما أصاب تلك النظرية من خطأ لأنها جاءت لغرض إقامة نظام القطب الواحد بعدما أفلت الزمام كثيرا في العهد الثاني من إدارة بيل كلينتون. وما التأزيم الذي حصل قبل الحرب إلا دليل على خطأ نظرية القطب الواحد كذلك.

أما ما يجري الآن فيمثل الدخول في مرحلة جديدة من الصراع بين اتجاه أميركا لفرض نظام القطب الواحد واتجاه الدول الأخرى لفرض نوع من النظام التعددي، ولكن ضمن أجواء مصالحة على الضد من أجواء المشاكل السابقة ولكن مع التذكر أن عبارات المجاملة قد تخفي الأسوأ تحتها.

أما بالنسبة إلى قمتي شرم الشيخ والعقبة فإن ما يمكن اعتباره متغيراـ يظل محدودا وغير مؤثر في السياسات اللاحقة بحيث تأتي موصولة بما أنجز غير القمتين.

فالذي صدر عن قمة شرم الشيخ وإن تكشف عن ضعف في الموقف العربي من خلال الصيغة التي اعتمدها حول الإرهاب، وقد فسرها المحللون بأنها تشمل منظمات المقاومة الفلسطينية وحزب الله وحتى الانتفاضة. غير أن هذا التفسير اعتمد على التآمر بالنسبة إلى نص فضفاض يحتمل المراوغة مادام لم يذكر بالاسم المنظمات التي يعنيها، علماً بأن بوش كان يريد نصاً أكثر وضوحا وتحديدا ومع ذلك يمكن للإعلام أن يفسره في مصلحة الموقف الأميركي، وإن كان التطبيق العملي هو الذي سيحكم على مدى جدية التفسير آنف الذكر. وهذا بالطبع يتوقف على تطور العلاقات الأميركية بكل من مصر والسعودية في المرحلة القادمة لأن السؤال يظل: هل ستكتفي إدارة بوش بما قدم من تنازلات في قمة شرم الشيخ أم أنها مازالت مصرة على إستراتيجية تغيير الأنظمة والمجتمعات العربية وعينها على السعودية ومصر وسوريا وفلسطين بعد العراق؟

قمة شرم الشيخ لا تعطي ردا إيجابيا على السؤال ولهذا يمكن القول إن الإشكاليات السابقة مازالت معلقة، وإن أشير إلى متغيرات في علاقة أميركا بالسعودية ومصر فلا تتعدى القشرة حتى الآن. ولعل اتجاه حاجة بوش الانتخابية سيقرر في الأشهر القادمة أي الاتجاهين ستسير فيه السياسة الأميركية لأن اللوبي الصهيوني الأميركي سيكون بانتظاره، إذ هناك أسئلة كثيرة سيطرحها عليه وهذه ستقرر السياسات الأميركية تجاه المنطقة في الأسابيع القادمة.


الخلاف الشديد الذي حدث حول موضوعات الحرب على العراق لم يكن سببه الرئيسي هو العراق، وإنما كان رفضا للإستراتيجية الأميركية من قبل فرنسا وروسيا والصين
يمكن أن يقال الأمر نفسه بالنسبة إلى قمة العقبة حيث يصعب وصفها بالتغير وذلك قبل التأكد من السياسات التي تأتي بعدها لاسيما من جانب الدولة العبرية واللوبي الصهيوني الأميركي لأن ما طلبه بوش من شارون على هزاله أعطي له على مضض فيما النيات غير ذلك.

ولأن بوش أراد من قمتي شرم الشيخ والعقبة أن يحقق كسبا إعلاميا أكثر من السعي لإرساء قواعد قوية لمتغيرات مستقبلية تتطلب ضغطا على شارون وهو ما لا يريده ولا يستطيعه.

أما المستقبل القريب فسيظل رهنا بتطورات سياسية لن تكون موصولة بالقمتين المذكورتين فالمنطقة مقبلة على التأزم والتفجر وليس على استقرار وتسويات، فلا الإستراتيجية الأميركية قابلة للتحقق ولا المساومة العقلانية قابلة للنفاذ إلى السياسة الأميركية في المنطقة ولا على المستوى الدولي.
_______________
كاتب ومفكر ومحلل فلسطيني

المصدر : غير معروف