بقلم/ نبيل شبيب

- مضمون الخلاف
- أبعاد سياسية
- ضغوط أميركية وأنانيات قومية

على النقيض من محطات سابقة لم تكن بريطانيا في قمة بروكسل الأوروبية (12-13 ديسمبر/ كانون الأول 2003) هي الطرف المتهم بعرقلة مسيرة الوحدة الأوروبية هذه المرة، وإنما توجه أصابع الاتهام إلى إسبانيا وبولندا بأن موقفهما المتشدد هو الذي حال دون اتفاق على دستور جديد لضمان قدرة الاتحاد الأوروبي على اتخاذ القرارات عندما تكتمل توسعته الحالية في مايو/ أيار المقبل ليضم 25 بدلا من 15 دولة عضوا.

وكانت الجبهة المقابلة بزعامة ألمانيا وفرنسا، أو يمكن القول إن الخلاف الرئيسي كان بين الدول الأكبر من حيث عدد السكان وبين الدول المتوسطة. وقد كان واضحا قبل أن تنعقد القمة أن الخلافات بلغت درجة كان يصعب على أشد المتفائلين معها التنبؤ بالتوصل إلى حل وسطي خلال يومين من المناقشات.


الصيغة المطروحة للتصويت كان من شأنها أن تراعي الدول الأصغر سكانا والدول الأكبر في وقت واحد، ولكن يبقى موقع الدول المتوسطة ضعيفا على الصعيد التطبيقي
مضمون الخلاف
البداية الحقيقية للمشكلة كانت في قمة نيس عام 2000، وهي القمة التي تقرر فيها توسيع الاتحاد بتلبية طلبات عشرة دول في شرق أوروبا وجنوبها للانضمام إليه، وتأجيل طلب الانضمام التركي مرة أخرى. آنذاك كادت قمة نيس تسجل إخفاقا مشابها لما وقع في بروكسل الآن، ففي تلك القمة طالبت بولندا -المقررة عضويتها عام 2004- وإسبانيا من بين الدول الأعضاء سابقا، بأن يكون لكل منهما أربعة مقاعد أو أربعة أصوات في إطار نظام التصويت المراد تطبيقه في الاتحاد بعد توسعته، وهو العدد المخصص للدول الأكبر سكانا وهي فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا.

آنذاك كان الحرص على تجنب انهيار مشروع التوسعة من وراء موافقة فرنسا وألمانيا على الطلب في اللحظة الأخيرة، على أمل أن يوجد حل وسطي في المفاوضات التي بدأت بعد فترة وجيزة لإقرار دستور مشترك للاتحاد الأوروبي الجديد.

الصيغة التي توصلت إليها لجنة صياغة الدستور برئاسة الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان –بمشاركة إسبانية وبولندية- ابتكرت ما يسمى الغالبية المزدوجة، وتعني إصدار القرارات على أساس موافقة ما لا يقل عن نصف الدول الأعضاء شريطة أن يكون عدد سكان الدول الموافقة أكثر من 60% من سكان الاتحاد الأوروبي بمجموعه.

واعترضت إسبانيا وبولندا لاحقا، وبرز للعيان مدى تمسكهما بهذا الاعتراض في مؤتمر وزراء الخارجية المكلف بالإعداد لقمة بروكسل، ثم في اللقاءات الثنائية التي حاولت فرنسا وألمانيا خلالها تجاوز الخلاف.

والواقع أن الصيغة المطروحة من شأنها أن تراعي الدول الأصغر سكانا والدول الأكبر في وقت واحد، ولكن يبقى موقع الدول المتوسطة ضعيفا على الصعيد التطبيقي. فالمشكلة لا تكمن في "عملية حسابية" قدر ما تكمن في واقع الممارسات السياسية. ولا تجهل كل من إسبانيا وبولندا أن الدول الأكبر والأقوى اقتصاديا أقدر منها على استخدام لغة المصالح المتبادلة والإغراءات المالية وغيرها لحشد عدد كاف
من الدول الأصغر في الاتحاد لتبني مواقفها ورؤاها السياسية، وبالتالي للوقوف معها في التصويت. كما أن نسبة 60% من السكان تحفظ للدول الأكبر إمكانية إسقاط قرارات في غير صالحها من خلال التقاء دولتين فقط على رفض القرار، وهو ما يمكن توقعه في إطار العلاقات الفرنسية-الألمانية على وجه التخصيص.


توسعة الاتحاد دون سريان مفعول نظام جديد للتصويت يثير مخاوف الأوروبيين نتيجة التوقعات الموضوعية ألا تجد القرارات موافقة سائر الدول الأعضاء الـ25 بالإجماع إلا نادرا
أبعاد سياسية
من الناحية الشكلية لا يبدل الإخفاق في التوصل إلى صيغة مقبولة للدستور الجديد عقبة كبيرة، فقرار التوسعة ثابت على أي حال، والقرارات تتخذ في الاتحاد وفق الأنظمة السارية فيه منذ زمن طويل، والمفاوضات ستستمر خلال الشهور المقبلة، وإن بات من المستبعد أن يتم التوصل إلى اتفاق قبل النصف الثاني من عام 2004. على أن هذه ليست العقبة الأولى التي تمكنت المجموعة الأوروبية من تجاوزها في اللحظات الأخيرة، بعد أن بدا للوهلة الأولى أن التغلب عليها مستحيل.

ولكن توسعة الاتحاد دون سريان مفعول نظام جديد للتصويت فيه، يثير مخاوف الأوروبيين نتيجة التوقعات الموضوعية ألا تجد القرارات المراد اتخاذها موافقة سائر الدول الأعضاء الخمس والعشرين بالإجماع إلا نادرا. وهذا مما دفع الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الألماني غيرهارد شرودر إلى التحذير من أن الوضع الراهن قد يسبب أن تتخذ المسيرة الأوروبية "سرعتين مختلفتين". والمقصود أن يسعى بعض الدول الأعضاء إلى اتخاذ قرارات مشتركة لمضاعفة نسبة الاندماج فيما بينها خارج نطاق الاتحاد الأوروبي، وإن جرى ذلك شكليا تحت مظلته، بمعنى فتح الأبواب أمام من يريد الانضمام لاحقا.

والواقع أن التحذير من الخطر أقرب إلى "التهديد به".. فقد سبق أن سلكت فرنسا وألمانيا على وجه الخصوص هذا الطريق من قبل، وهو ما وجد التطبيق العملي في مسيرة الوحدة النقدية التي لا تضم حتى الآن سائر أعضاء الاتحاد، كما وجد التطبيق العملي في مشاريع التميز الأمني والعسكري عن الولايات المتحدة الأميركية والتي بدأت بتكوين فيلق فرنسي ألماني صغير انضمت إليه دول أخرى، ووصل في هذه الأثناء إلى مستوى تشكيل قيادة عسكرية أوروبية لقوة عسكرية قوامها أكثر من 60 ألف جندي، وتجهيزها بما يكفي للقيام بمهام عسكرية بمعزل عن حلف شمال الأطلسي إلى حد كبير.

الجدير بالذكر أن هذا القرار كان هو الأهم الذي اتخذ في قمة بروكسل نفسها، إنما لم تسلط عليه الأنظار تحت وطأة الاهتمام بالخلاف حول الدستور. وصحيح أن القرار سبقه اتفاق ثلاثي فرنسي ألماني بريطاني على "تنازلات" لتخفيف حدة المعارضة الأميركية الشديدة، ولكن هذه المعارضة بقيت قائمة، فواشنطن تدرك أن التنازلات كانت "شكلية"، منها تسمية مركز القيادة "غرفة عمليات" دون تبديل المضمون المقصود بها والذي يرقى إلى مستوى قيادة عسكرية أوروبية قائمة بذاتها. ومنها تأكيد عدم قيام القوة الأوروبية المستقلة بمهام عسكرية إلا بعد أن يمتنع حلف شمال الأطلسي عن القيام بها أو يرفض ذلك. وليس مجهولا أن قرارات الحلف تُتخذ بإجماع الأصوات أيضا، وأن الدول الأوروبية دول أعضاء فيه وباستطاعتها إذا نشبت أزمة حول تفاصيل أي مهمة مطلوبة أن تمنع صدور قرار في الحلف، فتتحول القضية إلى الاتحاد الأوروبي لينفرد باتخاذ القرار بصددها.


ارتفاع وتيرة المعارضة الأميركية للتميز الأوروبي أمنيا، والممارسات الأميركية دوليا، دفعت إلى تحقيق تقارب أكبر بين الدول الأوروبية وعجلت بمسيرة التميز الأمني التي كانت بطيئة في التسعينيات
ضغوط أميركية وأنانيات قومية
ويبين المثال الأخير بصورة خاصة ضعف التكهنات القائلة إن بولندا وإسبانيا تحركتا بإيعاز من جانب واشنطن لعرقلة المسيرة الأوروبية عموما. فالواقع أن القضية الأهم بالمنظور الأميركي هي التميز الأمني والعسكري وخروج أوروبا من مظلة حلف شمال الأطلسي الأميركية، ولم تستطع واشنطن طوال المراحل السابقة أن توقف ما اتخذ من خطوات متتالية على هذا الصعيد. بل يمكن القول إن بطء هذه الخطوات لا يعود إلى تأثير معارضة واشنطن قدر ما يعود إلى حدود الطاقة الذاتية التي تتحرك بها الدول الأوروبية، وحاجتها إلى جهود كبيرة لتحقيق مزيد من التقارب في منطلقاتها وأهدافها السياسية.

بل يمكن القول إن ارتفاع وتيرة المعارضة الأميركية للتميز الأوروبي أمنيا والممارسات السياسية الأميركية دوليا، دفعت إلى تحقيق تقارب أكبر من الدول الأوروبية وعجلت بمسيرة التميز الأمني التي كانت بطيئة في التسعينات, وشهدت خطوات نوعية جديدة خلال السنوات القليلة الماضية، وآخرها ما تقرر في قمة بروكسل.

كذلك يصعب القبول بالتكهنات التي تشير إلى عنصر التنافس الاقتصادي، وحرص واشنطن على ألا تبلغ أوروبا الموحدة موقعا يضاعف قدرتها على منافستها اقتصاديا، ثم تصل إلى القول إن واشنطن تسعى بهذا الطريق ولا سيما من خلال الإغراءات المالية لصالح بولندا أو الحديث عن نقل القواعد العسكرية الأميركية إليها من ألمانيا، أن تجعل منها مرتكزا رئيسيا داخل نطاق الاتحاد الأوروبي.

إن ربط الموقف البولندي والإسباني في قمة بروكسل بالعامل الاقتصادي يغفل عن حقيقة أن دعم مسيرة الاتحاد وتوسعته يحقق مكاسب اقتصادية ومالية مباشرة لبولندا وسبق أن حقق الكثير لإسبانيا، بل ويكاد يكون العامل الرئيسي الذي تريد فرنسا وألمانيا الاعتماد عليه للتأثير على الدولتين بشأن موقفهما من الدستور الجديد.

والمعروف أن الوحدة الاقتصادية والمالية الأوروبية ماضية دون عقبات كبيرة، بغض النظر عن الموقف الأميركي تجاه المسيرة الأوروبية.

والواقع أن الخلاف على نظام تصويت جديد يصدر في الدرجة الأولى عن خشية مختلف دول الاتحاد من اتخاذ قرارات أوروبية على مستوى السياسة الخارجية وليس على المستوى الاقتصادي أو المالي، فمشروع الدستور الجديد يتضمن خطوات جديدة على طريق تطبيق اتفاقية ماستريخت الموضوعة منذ أكثر من 12 عاما والتي تضمنت اعتبار وحدة السياسة الخارجية والأمنية هدفا رئيسيا لها، ومن ذلك الآن استحداث منصب "وزير خارجية أوروبي" وزيادة فترة رئاسة الاتحاد من ستة أشهر دورية إلى عامين على الأقل، وشغل منصب رئاسة الاتحاد بطريق الانتخاب وليس عن طريق مجلس رؤساء الحكومات ومن خارج نطاقهم.

ويظهر أمام هذه الخلفية أن العنصر الأكثر تأثيرا في قمة بروكسل لم يكن يتمثل في ضغوط أميركية حقيقية أو مزعومة، قدر ما كان يتمثل في العقبة التقليدية التي رافقت نشأة الاتحاد الأوروبي وتطوره منذ ولادته الأولى على شكل "مجموعة اقتصادية لصناعة الصلب والفولاذ"، وهي التي شاع وصفها بعقبة الأنانيات القومية، وهي خليط من المواقف الذاتية للمسؤولين في الأحزاب الحكومية والمعارضة على السواء، ومن الاقتناعات وتقدير المصالح الذاتية على المستوى الشعبي.

فمن جهة لا يريد المسؤولون التخلي بسهولة عن صلاحيات اتخاذ القرار على المستوى الوطني ولا سيما في الميادين السياسية الخارجية لصالح القرار الأوروبي المشترك، ومن جهة لا يكتسب الاتحاد -بمعنى تطوير أجهزته المركزية ومضاعفة صلاحياتها- من التأييد الشعبي إلا بمقدار ما يمكن إقناع المواطن الفرد في دولة أوروبية بأن ذلك يحقق له ميزات اقتصادية ومعيشية مباشرة.

وفي الآونة الأخيرة فقط، مع وصول السياسات الأميركية الدولية على صعيد شبكة المنظمات الدولية وعلى صعيد التسلح ولا سيما مشروع الدرع الصاروخي، وفي حالات معينة كالعراق، بدأت المخاوف تظهر من الخطر الأميركي المحتمل مادامت القدرة على المنافسة عبر اتحاد أوروبي قوي ضعيفة. وكما انعكس ذلك على المستوى الشعبي كما تظهر عمليات استطلاع الرأي والمظاهرات وغيرها، فقد انعكس على الصعيد الرسمي في خطوات التعجيل بمسيرة الوحدة الأوروبية وتوسعتها، ولن تكون محطة قمة بروكسل في هذا الإطار أكثر من نكسة سيمكن التغلب عليها، في الأرجح عاجلا وليس آجلا.
ـــــــــــــ
كاتب سوري مقيم بألمانيا

المصدر : غير معروف