بقلم/خيري منصور*

يبرر الكتابة الاستباقية عن القمّة العربية القادمة كون هذه القمة استباقية أيضا، فهي إذ تغيّر عاصمة الانعقاد، تغيّر أيضا أولويات أجندتها، فالأزمة العراقية أفرزت في الأسبوع الأخير ما لا يشتهي النظام السياسي العربي من إحراج سياسي وأخلاقي، خصوصا بعد أن ناشدت فرنسا العرب لتأييد مبادرتها الهادفة إلى تغليب الخيار الدبلوماسي حتى لو كان مؤقتا واستدراكيا على الخيار العسكري.


أصبح العرب يرطنون بلغتهم في حين يتحدّث الفرنسيون والألمان وحتى الروس بالعربية الفصحى!!
وقد يكون من السهل على المراقب أن يكرر الرأي الشائع والمتداول عن القمّة التي تستبق موعدها بشهر، وهو أن النظام السياسي العربي يسعى إلى رفع العتب وتبرئة الذات من دم العراق إذا ما وقعت الحرب، لكن هذا الرأي يفترض أن المبادرة العربية لعقد القمّة قبل موعدها هي مبادرة قومية خالصة وغير مشوبة بغبار أميركي، ذلك لأن الولايات المتحدة التي تشعر بما يشبه الصّدمة من الانشقاق في الحلف الأطلسي وبتصعيد المواقف الرافضة للحرب خصوصا الموقف الألماني الذي اتسم بقدر من الراديكالية أصبحت بحاجة إلى حفظ ماء الوجه أو ما تبقى منه إذا تراجعت عن قرارها، فما قاله كولن باول دون أن يخفي إحباطا مباغتا في مجلس الأمن عن الأسابيع القليلة القادمة التي سينفذ بعدها صبر بلاده يعطي العراق على مضض مهلة تتجاوز شهر فبراير/ شباط والأسبوع الأخير منه على وجه التحديد، وهو زمن الحرب كما أشارت عدّة قرائن، في مقدّمتها الحسابات الأميركية الاقتصادية والعسكرية والمناخية!

لقد تعددت أسماء القمم العربية، فهي طارئة ودورية واستثنائية، وأخيرا استدراكية، لكن المضمون والمتوقّع من هذه القمم على اختلاف العناوين والمناسبات لا يسيل لعاب الشارع العربي أو حتى فضوله على مفاجآت فيه تقلب المائدة، إذ طالما تحولت القمم ببياناتها الختامية المدجّنة سياسيا بحيث تقل عن المواجهة ولا تتجاوز التعاطف إلى حكاية الراعي والذئب المعروفة في الموروث العربي الشعبي.


لقد تعددت أسماء القمم العربية، فهي طارئة ودورية واستثنائية، وأخيرا استدراكية، لكن المضمون والمتوقّع من هذه القمم على اختلاف العناوين والمناسبات لا يسيل لعاب الشارع العربي أو حتى فضوله على مفاجآت فيه تقلب المائدة
وبالطبع لن تجترح قمّة الأسبوع الأخير من فبراير/ شباط -وهو أقصر أسابيع العام بمقياس التقاويم- معجزة لأن القمة هي بأبسط الحسابات حاصل جمع العرب ولن يكون هناك فائض سياسي أو عسكري يمكن التلويح به لتعريب المسألة العراقية، والتزامن بين التنادي العربي لعقد هذه القمة وبين ما أحسّته الولايات المتحدة من تجريح لهيبتها يتجاوز الصّدفة، لهذا لا نستبعد أن يكون انعقاد هذه القمة بمثابة البحث عن مخرج مزدوج لأزمة مزدوجة.

فالنظام السياسي العربي محاصر بأسئلة شعبية لا يقوى على الإجابة عنها، كما أنه لا يستطيع تجاهلها، خصوصا بعد أن تظاهر ملايين البشر في مختلف عواصم العالم ضد قرار الحرب، ولدينا من الأسباب والتجارب القممية السابقة ما يدفعنا إلى الشّك في جدوى قمة عربية استثنائية بمبادرة عربية خالصة، لأن الأيام التي سبقت الإعلان عن هذه القمة شاع فيها مناخ سياسي راكد، وبلغت خلالها سلبية النظام السياسي العربي حدا حوّله إلى متفرّج، ولم يعد حتى قادرا على دور الوسيط!.

وليس هناك ما يدفعنا إلى التفاؤل بهذه القمة بحيث نرى فيها انفراج الأزمة بعد أن اشتدت وأوشكت على الانفجار، والنسبة الوحيدة المتاحة لهذا التفاؤل تأتي من خارج الوطن العربي برمّته ومن خارج الإقليم، وهي باختصار حاجة الولايات المتحدة إلى صيغة تبرر لها تخفيف النبرة العسكرية، فما قاله باول عن الأسابيع القليلة التي ينفذ بعدها صبره.

وما قاله الرئيس بوش عن ضرورة تدمير السلاح العراقي بشكل أو بآخر يدفعنا إلى وضع كلمة (آخر) هذه بين هلالين، فالسياسة لها نظرية احتمالاتها أيضا، وأحيانا تتمدد نسبة واحد أو خمسة بالمائة لتصبح أكبر من تسع وتسعين بالمائة، خصوصا في وقت كهذا تتسارع فيه الأحداث بإيقاع يتخطى إيقاع التوقعات، وإذا كان للقمم العربية سواء أكانت طارئة أو دورية من دور فهو على الأقل تعريب الأزمات بدلا من تدويلها وبالتالي إخراجها من النطاق القومي وتعسير السيطرة عليها، ولأن مثل هذا التعريب فشل عام 1991 مثلما فشلت الجامعة العربية في البقاء على قيد الزمان والمكان عام 1978 أثناء زيارة السادات لإسرائيل، فإن أية مبالغة في التعويل على حل عربّي قد تضاعف من حجم الصّدمة، اللهم إلا إذا اضطر العربي في زمن لم يعد زمنه إلى التعويل على رافعة غير عربية خصوصا إذا كانت أميركية.


إن كنا نستبق هذه القمة بقليل من التفاؤل فلأن الملدوغ من الأفعى يخاف من الحبل، خصوصا وأننا لم نتلقّح بأمصال تقينا من اللدغ السياسي المتكرر، وقد يبالغ كثيرا ويسقط فريسة التفكير "الرغائبي" من ينتظر الشّهد من اليعاسيب، حتى لو سطت على أبهى وأعذب ما في الغابات من رحيق
فنحن نعلم أن عرب النصف الأول من فبراير/ شباط 2003 لم يتجرّعوا حليب السّباع ولم يهبط عليهم الوحي ليطلوا برؤوسهم فجأة من الكهوف بعد سبات سياسي دام عقدا من الزمن على الأقل، وهم يدركون الآن -خصوصا بعد الإحراج السياسي الأوروبي وخروج الملايين إلى الشوارع والساحات شاجبين هذه الحرب- أن شرعيتهم أو ما تبقى منها عرضة لنهاية غير سعيدة على الإطلاق، وأن رهانهم على خمول المناخ السياسي واستنقاعه في الشارع العربي لن يفوز دائما.

هناك إذن عامل ذاتي يحرك هاجس البقاء والديمومة لدى هذا النظام العربي إضافة إلى عامل دولي، قد لا يكون موضوعيا تماما لكنه على أية حال عامل يفرض نفسه وحيثياته. إن واقعا سياسيا كهذا الذي نعيشه في النطاق القومي بأسره لا يغري بالتوقعات أو حتى الاستنتاج، لأن ما عشناه خلال العقد الماضي كان جملة من ردود الأفعال، والسؤال الذي ساد في الشارع العربي هو عن حدوث الكوارث أو عدم حدوثها بذهنية "ياناصيبية" متروك فيها القرار للغد وما يجود به الآخرون!

وإن كنا نستبق هذه القمة بقليل من التفاؤل فلأن الملدوغ من الأفعى يخاف من الحبل، خصوصا وأننا لم نتلقّح بأمصال تقينا من اللدغ السياسي المتكرر، وقد يبالغ كثيرا ويسقط فريسة التفكير "الرغائبي" من ينتظر الشّهد من اليعاسيب، حتى لو سطت على أبهى وأعذب ما في الغابات من رحيق!

والسؤال الذي يدور الآن في أذهان ملايين العرب هو: لماذا تأخّرت المبادرة لانعقاد قمة عربية حتى ربع الساعة الأخير؟؟ ألم يكن ممكنا تدارك الكثير من التدهور في هذه الأزمة قبل شهور؟؟

وأخيرا على العراق أن يقلب دفتره بحثا عما ظفرت به الانتفاضة الفلسطينية من قمة بيروت الطارئة كي لا يعد نفسه بإغاثة قومية تجنّبه الكارثة الوشيكة!

فقمة القاهرة الشباطيّة لن تكون "المعتصم" الذي يلبي نداء عشرين مليون عراقي محاصر، وإذا تكررت فيها مقترحات تعجيزية كتلك التي حاولها وزراء الخارجية في أنقرة أو سواها من المقترحات الأميركية الأقرب إلى الخيال، فإن من حق البعض أن يروا فيها مجرّد تبرئة من دم العراق!!

لكن مثل هذه التبرئة غير متاحة لأحد اليوم خصوصا بعد أن أصبح العرب يرطنون بلغتهم في حين يتحدّث الفرنسيون والألمان وحتى الروس بالعربية الفصحى!!
ــــــــــــــــ
* كاتب أردني

المصدر : غير معروف