بقلم/ أيمن الصياد

في اليوم ذاته الذي هاجمت فيه القوات الإسرائيلية مسيرة سلمية في رفح، قصفت المروحيات الأميركية حفل زفاف جنوبي العراق. ووسط أصداء القصف تلتئم قمة العرب -أو بعضها إن شئنا الدقة- في تونس "البعيدة"، والتي تحرص أن تكون كذلك.

جاء القصف عشية القمة "المتلكئة" ليجعل السؤال عن الظروف التي تنعقد فيها نظريًا بعد أن تلبدت سماؤها -واقعيًا- برائحة البارود، وتلطخت أوراقها فعليا بالدماء. كأنما لا مهرب من الحقيقة، ولا مفر من الأسئلة الصعبة والاستحقاقات.

هربت قمة مارس من أن تنعقد عشية اغتيال الشيخ المقعد، فيصبح المأمول أكثر من المستطاع، فها هي تنعقد -ولا إمكانية لتأجيل هذه المرة- عشية تفجير رئيس مجلس الحكم العراقي.. ومجزرة رفح.. وتوابيت العرس الأربعين.

"مالم تحدث مفاجآت.." هكذا استدرك العاهل الأردني عبد الله بن الحسين تفاؤلَه بقمة ناجحة، قبل ساعات فقط من انعقادها.

وفي المعنى الاصطلاحي للمفاجأة تكمن المفارقة. ففي حين بذل البعض كل جهده لتحاشي "مفاجآت" قد تنسف القمة ذاتها أو مشروعها المستقبلي، فإن الشارع العربي "المحبط" جلس يحلم بـ "مفاجأة".. وإن كانت من نوع آخر، يعرف العالمون بحقيقة الوضع العربي، والمتابعون للأحداث المتسارعة أنها غير واردة في تونس أو غيرها، وإن ظل حلم الشارع وإحباطه ضاغطين بلا شك على الهاربين من تونس مارس إلى تونس مايو.


تنعقد قمة تونس المرجأة والمتأرجحة في ظل أجواء مربكة وحالة من السيولة والغموض والضبابية, رغم اجتماعات التحضير الماراثونية ورغم كاريزما الأمين العام سيئ الحظ !
"مالم تحدث مفاجآت".. والحقيقة أننا نعيش الآن سياقًا من المفاجآت اللاهثة، والتي لكثرتها وتلاحقها، ألفناها واعتدناها حتى سقطت عنها صفة المفاجأة ذاتها. بدءاً من اغتيال الشيخ ياسين والأرض المحروقة في رفح والتلويح بمحاكمة عرفات.. حتى صور أبو غريب ومجزرة الفلوجة وإعدام الأميركي بحد السيف واعتراف باول بأن خطابه الشهير أمام مجلس الأمن كان جملة من الأكاذيب وتفجير موكب رئيس مجلس الحكم على أبواب المنطقة الخضراء "الأكثر أمنا" في العاصمة العراقية. لم يعد شيئا مفاجئا إذن! حتى تأكيدات الأميركيين بأن حفل الزفاف الذي قصفوه في "القائم" كان معسكرًا "للقاعدة" مدعومًا من سوريا، رغم الضحايا من النساء والأطفال و26 قتيلا من أسرة واحدة.

لا شيء مفاجئًا إذن.
تلك هي الأجواء المربكة التي انعقدت فيها قمة تونس المرجأة والمتأرجحة بين شتى أنواع أو اتجاهات الضغوط والتجاذبات؛ حالة من السيولة والغموض والضبابية. رغم اجتماعات التحضير الماراثونية، بلا مهلة كافية للغذاء، ورغم كاريزما الأمين العام سيئ الحظ، ورغم سرية غير مسبوقة لجلسة الافتتاح.

فلسطينيًا: تستبقُ إسرائيل القمةَ منذ أن أصبحت دورية برسالة "إلى من يهمه الأمر". فحواها باختصار أنها لا تأبه بالمجتمعين.. وأنها -لمن لم يعلم بعد- تتأهل لأن تكون في موقع المتحكم في النظام الإقليمي البديل "الشرق الأوسط الكبير".

وعلى المتضرر اللجوء إلى الصمت أو إلى البيانات "الحكيمة". أو في أفضل الأحوال التحرك لمناشدة "الوسيط النزيه" الذي لا يرى في الدماء المراقة في شوارع غزة كل صباح إلا حقَ اسرائيل في الدفاع!!

فإلى قمة بيروت قبل عامين، والتي خصصها المجتمعون لتبني مبادرة الأمير عبد الله "الأجرأ" والتي تضمن للمرة الأولى اعترافًا شاملا بالكيان الصهيوني، أهدت إسرائيل القادة العرب جريمة غزو الأراضي الفلسطينية وإعادة احتلالها ومحاصرة القيادة الفلسطينية في رام الله ومعها مذبحة جنين.


إلى قمة تونس التي تأجلت أهدى شارون ابتسامته العريضة وهو يهنئ جيشه على عملية الإطاحة بشيخ مقعد من على كرسيه المتحرك!! وإلى القمة المرجأة، أهدى هدم المنازل وتجريف الأراضي في رفح

وإلى قمة تونس (مارس) التي تأجلت أهدى شارون ابتسامته العريضة وهو يهنئ جيشه على عملية الإطاحة بشيخ مقعد من على كرسيه المتحرك بثلاثة صواريخ!!

وإلى القمة المرجأة (مايو)، ورغم قرار مجلس الأمن استمرت الجرافات في هدم المنازل وتجريف الأراضي. واستمر القناصة في اصطياد كل جسم يتحرك حتى لو كان سيارة إسعاف أو طفلا يحمل قسطلا من الماء. وأطلقت المروحيات صواريخها على مسيرة تحمل الحليب للأطفال المحاصرين.

وتزامن تقديم هذه الهدايا المسمومة قبيل عقد كل قمة مع بذور تفجيرها الموجودة أصلا بسبب الأوضاع المربكة في العراق ومفاجأة الرئيس الأميركي -إذا كان في الأمر ثمة مفاجأة- بتقديم ما عرف بإعلان بوش الذي تضمن بنوداً خطيرة تنسف كل قرارات الشرعية الدولية من بينها رفض عودة إسرائيل إلى حدود 67.

عراقيا: حيث أحزاب عراقية تناشد دول الجوار عدم التدخل في "شؤونه الداخلية". وحيث عشرة آلاف عراقي راحوا ضحية "حرب التحرير" حسب تصريحات جاك سترو وزير الدفاع البريطاني قبل أيام، مات الحاكم المناوب الصوري (رئيس مجلس الحكم) قبل أن تنقله الطائرة الأميركية إلى القمة العربية "الأولى" بعد سقوط العاصمة واستخراج "المهيب الركن" من الحفرة.

وكان الانفجار الذي أمات الرئيس المناوب "المعتدل" ليس أكثر من ختم إضافي على أوراق اعتماد عاصمة العرب الشرقية سفيرة للفوضى.. والارتباك. كما أنه على قائمة التفجيرات والاغتيالات الغامضة، وبين كل ما يحدث في العراق، لم يكن غير فوهة أخرى في بوابة العرب الشرقية، تهب منها رياح السموم والفوضى -حتى الآن على الأقل- لا نسائم الحرية والعدالة والمساواة.. والديمقراطية. كما أمل المتفائلون، وروج "آخرون".

عراقيا: كل الأسئلة صعبةٌ وكما السيارات في شوارع بغداد "مفخخةٌ". والكثيرون -إن لم يكن الجميع- لا يريد أن ينزلق إلى المستنقع الذي تحاول الولايات المتحدة الخروج منه. رغم مقارنات صحفية مجحفة بين ما يحاوله الأخضر الإبراهيمي، وما لا يفعله عمرو موسى.

أميركيا: ذهب العرب إلى قمتهم وفي ملفاتهم "قانون محاسبة سوريا" المذكّر حتمًا بسابقه الخاص بالعراق. ومن خلفهم مطالبات جماهيرية بـ "وقفة مع الصديق الأميركي"، وبموقف أكثر وضوحًا من سياساته.

كما في آذانهم أصداءُ خطبة جورج دبليو بوش "الانتخابية" في المؤتمر اليهودي "إيباك" والتي علق فيها على مجزرة رفح بأن لإسرائيل أن تدافع عن نفسها.. متماديًا في تماه غير مسبوق "لأميركا وإسرائيل قصة واحدة.. فكلتا الدولتين أنشأهما المهاجرون..".

ورغم امتناع واشنطن عن التصويت على قرار مجلس الأمن "الخالي من آليات التنفيذ" بإدانة ما تفعله إسرائيل في رفح، يعلم المجتمعون في تونس أن الانحياز الأميركي "العلني" لإسرائيل غير مسبوق. إلا أنهم يعتبرون، أو بعضهم على الأقل، أن "لا شيء نملكه حيال هذا الانحياز.." كما قال زعيم عربي منذ أيام.

وعلى أية حال فالذاهبون أو القادمون من تونس أو حتى الذين لم يذهبوا.. منشغلون أكثر بما تطلبه أميركا "الإصلاح" لا بما يطلبونه هم من "الأصدقاء" في واشنطن.

على رأس القائمة إذن مبادرة عربية "لفظية" للإصلاح "من الداخل". لن يعرف أحدٌ أبدًا لماذا تأخرت حتى طُلبت "من الخارج". كما لا يعرف أحدُ أبدًا إذا ما كان سيصبح لها يوما ظلالٌ حقيقيةٌ على الأرض.


انعقدت القمة.. أو نصفها إن شئنا الدقة في العدد.. وانفضت بلا مفاجآت؛ سواء هذه التي خشيها القلقون، أو تلك التي تمناها الحالمون. ولكن "يكفي أنها انعقدت" كما قال صادقا أمينها العام
ماذا بعد؟
رغم أنه كان لابد من القمة "بمن حضر.. وإلا لن تكون هناك قمة لاحقة أبدا" إلا أن السؤال حول جدواها ونتائجها "المباشرة وغير المباشرة "يظل مشروعا" 88% ممن أدلوا بآرائهم في استبيان "الجزيرة" رأوا أن القمة التونسية ستعمق الخلافات العربية العربية، بدلا من أن تعزز العمل العربي المشترك. ففضلا عن الغائبين، و"مغاربية" الحاضرين، والخلافات التي طالت حتى مراسيم الافتتاح، تحدثت الجزائر (الرئيس القادم) علنًا عن المطالبة بتغيير واقع استقر وبات مألوفا بشأن مصرية الأمين العام. ولوح الليبيون مرة أخرى بالانسحاب.

أيا ما كان الأمر فقد انعقدت القمة في نهاية المطاف. وكان أن جاء خبر انعقادها في ذيل نشرات الأخبار (العالمية) بعد الأخبار اليومية للدمار في رفح والدماء في بغداد.. والانتخابات "الديمقراطية" الحقيقية في الهند.

انعقدت القمة.. أو نصفها إن شئنا الدقة في العدد.. وانفضت بلا مفاجآت؛ سواء هذه التي خشيها القلقون، أو تلك التي تمناها الحالمون. ولكن "يكفي أنها انعقدت" كما قال صادقا أمينها العام. لتبقي بعضًا من الدماء في شرايين الفكرة.. وشيئًا من الحياء في الوجوه. مسكينةُ "قمة تونس".. الأسئلة صعبة، والإجابات تاهت في الحسابات.
ــــــــــــــــــ
مدير تحرير مجلة وجهات نظر

المصدر : أسوشيتد برس