بقلم: د. نجيب الغضبان*

-الرؤية الأميركية ومحتواها
-مستقبل دول المنطقة بعد صدام
-ضمانات تحقيق الأهداف الأميركية

بعد فترة من الترقب قدم الرئيس الأميركي جورج بوش رؤيته لمستقبل العراق ومنطقة الشرق الأوسط لما يسمى بمرحلة ما بعد الرئيس العراقي الحالي صدام حسين، وذلك في خطابه الذي ألقاه أمام معهد "أميركان إنتربرايز" يوم 26 فبراير/ شباط الماضي. وقراءة سريعة لخطاب الرئيس الأميركي تظهر أن هذه الرؤية قائمة على المبادئ التي تؤمن بها الولايات المتحدة وهي الحرية والسلام والرفاهية، وأن عراق ما بعد صدام سيكون قاعدة ومثالاً لنشر هذه المثل.

غير أن قراءة متأنية تقود إلى نتيجتين أساسيتين:

  • أولاهما أنه رغم تصاعد وتيرة المعارضة للحرب في كافة أنحاء العالم، ومحاولة إيجاد بدائل سلمية لنزع سلاح العراق، يبدو من الواضح أن إدارة الرئيس بوش قد حسمت أمرها بشأن الحرب.
  • النتيجة الثانية أن الولايات المتحدة ستبقى في العراق لأجل طويل، وذلك لربط هذا الوجود بمهام ليس لها علاقة بأسلحة الدمار الشامل وإنما ببناء دولة مسالمة وديمقراطية ومتطورة حسب خطاب بوش.

ولعل من المفيد بداية، التنويه بأهمية اختيار هذا المعهد دون غيره من مراكز الأبحاث المرموقة.

  • السبب الرئيسي هو التوجه اليميني المحافظ لهذا المعهد، وذلك باعتراف الرئيس في بداية كلمته بفضل هذا المعهد عندما أشار إلى أن إدارته قد استقطبت في عضويتها 20 من باحثي هذا المعهد.
  • النقطة الهامة الثانية في كلمة الرئيس تتمثل في الإتيان على ذكر أحداث سبتمبر/ أيلول المأساوية والدرس المستفاد منها، وهو أن الولايات المتحدة لن تسمح بأي شكل من أشكال التهديد بالوصول إلى أراضيها أو سمائها، بل ستقوم بالرد على مثل هذه التهديدات قبل أن يكتمل تشكيلها.

وبمعنى آخر، فهنا تأكيد على عقيدة "الحرب الوقائية" التي تبنتها الإدارة الأميركية سابقاً كأحد أهم مكونات إستراتيجية الأمن القومي الأميركي.

الرؤية الأميركية ومحتواها

اشتملت الرؤية الأميركية على موضوعين يتعلق أولهما بالعراق، في حين يتعرض الثاني للشرق الأوسط عموماً.. القسم المتعلق بالعراق يركز على ملامح عراق المستقبل فهو عراق حر وموحد ومستقر ينعم بالرفاهية، كما أنه خال من أسلحة الدمار الشامل. ليس هذا فحسب، بل إن عراق ما بعد صدام سيكون مثالاً لباقي دول المنطقة وقاعدة تشع منها قيم الحرية والسلام والديمقراطية!

يثير هذا الطرح المغرق في مثاليته عدة نقاط أساسية يصعب القفز فوقها، خاصة بعد الإمعان في بعض الإشارات المرافقة لما جاء في طيات هذا الجزء من الخطاب.


  • أفضل ضمان للدول العربية الأخرى لتقليل الآثار السلبية التي ستترتب على التغييرات في العراق، تكمن في استباق الأمور واتخاذ خطوات حقيقية باتجاه التحول الديمقراطي
    النقطة الأولى:
    لم يحسم خطاب الرئيس ما إذا كانت الإدارة ستتبنى خيار تعيين حاكم عسكري أميركي أم حاكم عراقي يقود عملية التحول تجاه الديمقراطية وإعادة البناء والرفاهية. من الواضح أن قوى المعارضة العراقية التي تنسق مع واشنطن لا تفضل الخيار الأول، لكنها تعلم أن الأمر ليس بيدها خاصة إذا فشلت في تقديم مرشح إجماع تلتقي عليه كافة الفصائل ويتمتع بقبول من قبل الطوائف الرئيسية الثلاث.
  • النقطة الثانية: وتتعلق باتهام الرئيس بوش نظيره العراقي بأنه يخفي قواته المسلحة بين المدنيين، وفي هذا تهيئة واضحة للرأي العام الأميركي والعالمي لاحتمالات وقوع ضحايا بأعداد كبيرة غالبيتها العظمى لن تكون إلا من المدنيين العراقيين.
  • النقطة الثالثة: وتتعلق بتعهد بوش بتأمين وحماية المنشآت النفطية في المراحل الأولى من الحرب، وفي هذا تأكيد على أن الولايات المتحدة ستقوم بالسيطرة المباشرة على هذا القطاع لتأمين احتياجات العراقيين الأساسية في المرحلة التي تعقب الاحتلال الأميركي، وتأمين مصالحها هي في المدى البعيد.
  • النقطة الرابعة: وهي أن تحديد الرئيس بوش لمهمة القوات الأميركية بخلق عراق ديمقراطي مسالم مزدهر، يعني أن هذه القوات ستبقى في بغداد لفترة طويلة وستتخذ العراق كنقطة انطلاق لتحقيق المراحل اللاحقة من الحرب على الإرهاب.

مستقبل دول المنطقة بعد صدام

الجانب المتعلق برؤية الرئيس الأميركي لباقي دول المنطقة وعلاقتها بالحرب القادمة، لا يقل مثالية عن الوصفة العراقية.


ستبقى الولايات المتحدة في العراق لأجل طويل، وذلك لربط هذا الوجود بمهام ليس لها علاقة بأسلحة الدمار الشامل وإنما ببناء دولة مسالمة وديمقراطية ومتطورة حسب خطاب بوش
الدولة الفلسطينية
نقطة البداية في هذه الرؤية، دولة فلسطينية ديمقراطية قادرة على البقاء وخالية من الإرهاب والتهديد لأمن إسرائيل. التزام إدارة الرئيس بوش بدولة فلسطينية مستقلة تتعايش مع جارتها إسرائيل، ليس جديداً، وإنما الأمر الجديد هو التركيز على صفة الديمقراطية لهذه الدولة وربطها في الخطاب الأخير بعراق ديمقراطي. كيف ذلك؟ جواب بوش بسيط وهو أن ذهاب صدام حسين سيحرم القوى الراديكالية (المقاومة) الفلسطينية من الدعم المالي والسياسي وحتى الإنساني الذي تقدمه الحكومة العراقية لأهالي منفذي العمليات الاستشهادية.
النقطة الثانية أن دولا مثل سوريا وإيران ممنوعة في شرق أوسط ما بعد صدام من ممارسة مثل هذا السلوك.

سلطة إصلاحية
والنقطة الثالثة في رؤية الرئيس الأميركي للجانب الفلسطيني أن تبرز قيادة فلسطينية إصلاحية. عندها وعندها فقط، يمكن الحديث عن تقدم في عملية السلام، والانتقال إلى مفاوضات المرحلة النهائية، ومطالبة إسرائيل باتخاذ خطوات منها وقف الأنشطة الاستيطانية. وهكذا تحضر القضية الفلسطينية، بعد فترة من الصمت المطبق من الإدارة الحالية تجاه استمرار الممارسات الوحشية من قبل حكومة شارون تجاه الشعب الفلسطيني، لكن بوش لم يقدم برنامجاً عملياً لوقف الجرائم الإسرائيلية ماخلا الإشارة إلى خطة خارطة الطريق والتزام إدارته بتنفيذها.

الدول الأخرى
أما الدول الأخرى في المنطقة فنصيبها من رؤية الرئيس الأميركي يتمثل في متابعته لمطالب الرأي العام العربي، خاصة في دوائر المثقفين الداعين إلى الإصلاح السياسي وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية والانفتاح الاقتصادي وتشجيع التجارة الحرة. وبكلمة أخرى، فعلى هذه الدول غير الديمقراطية (أغلب الدول العربية) أن تتوقع ضغوطاً في هذا الاتجاه إذا قررت معارضة التوجهات والمصالح الأميركية في مرحلة ما بعد صدام.

ولطمأنة المنتقدين والمشككين بنوايا الولايات المتحدة، يذكِّر الرئيس الأميركي العراق ودول المنطقة بتجربة الولايات المتحدة في دمقرطة ألمانيا واليابان، ومساعدة هاتين الدولتين في إعادة البناء والتنمية الهائلة التي تمت.

والتطمين الثاني في خطاب الرئيس بوش يتمثل في قناعة إدارته بأن الشعوب الإسلامية تنشد الحرية كغيرها من الشعوب، كما أن من حقها أن تتخلص من أغلال الدكتاتورية.

ضمانات تحقيق الأهداف الأميركية

ما هي فرص تحقيق هذه الأهداف المعلنة؟ وما هي الضمانات على أن الولايات المتحدة ستلتزم بتحقيق هذه التعهدات؟

تشكيك وتشاؤم
في البدء لا يملك المرء إلا أن يعبر عن تشكيكه وتشاؤمه تجاه التزام الولايات المتحدة بالديمقراطية في هذه المنطقة، وذلك لعدة أسباب أهمها:

  • أولاً- أن الولايات المتحدة لم تظهر دعماً للديمقراطية في المنطقة العربية في السابق. ليس هذا فحسب، بل إن أميركا كانت سبباً رئيسياً من أسباب استمرار كثير من الأنظمة الدكتاتورية.
  • ثانياً- لقد ارتبط استمرار الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة بأمن إسرائيل بشكل مباشر وغير مباشر، فكيف سيتم فك هذا الارتباط من قبل إدارة وصفها شارون بأنها من أكثر الإدارات قرباً من إسرائيل؟
  • ثالثاً- صحيح أن الولايات المتحدة فرضت الديمقراطية على ألمانيا واليابان، لكنها فعلت ذلك عندما خرجت منتصرة من الحرب، وكانت تقودها مجموعة من السياسيين بعيدي النظر من أمثال جورج مارشال وغيره من المؤمنين بترابط المصالح الأميركية بالمثل والمبادئ التي قامت عليها أميركا. من الصعوبة بمكان مقارنة أولئك باليمين المتطرف الذي يسيطر على إدارة الرئيس بوش، وبشكل خاص في مرحلة ما بعد أحداث سبتمبر/ أيلول المشؤومة والحرب المعلنة على الإرهاب.
  • رابعا- إن أغلب المشاريع الاستعمارية السابقة استخدمت مبادئ وقيما مثل "تحضير" الشعوب المُستعمَرة ومساعدتها على حكم نفسها. ولعل هذا هو سبب الاعتقاد القوي بين كثيرين من أهل المنطقة بأن الشعارات الديمقراطية هي عناوين مرحلة الإمبريالية الأميركية الجديدة.

امتحان حقيقي
الإدارة الأميركية أمام امتحان حقيقي لإثبات ادعاءاتها الجديدة، خاصة أن الديمقراطية نادراً ما تُفرض من قبل القوات المحتلة الأجنبية –فهذا هو النقيض لحكم الشعب لنفسه وبنفسه- التي تختفي وراء أفتك أدوات الدمار.


في اتهام الرئيس الأميركي نظيره العراقي بأنه يخفي قواته المسلحة بين المدنيين، تهيئة واضحة للرأي العام الأميركي والعالمي لاحتمالات وقوع ضحايا بأعداد كبيرة غالبيتها العظمى لن تكون إلا من المدنيين العراقيين
كما أن فرص تحقيق الديمقراطية في عراق ما بعد صدام سيعتمد على وعي القوى السياسية العراقية وعلى رأسها المعارضة المجتمعة في أربيل، لتجاوز مصالحها الضيقة وصياغة دستور جديد يقنن التعددية والتناوب السلمي على السلطة. ومن ناحية ثانية، تعتبر المهمة الملحة أمام هذه المعارضة أن تحصل على تعهدات من الإدارة الأميركية على أن هذه الأخيرة لن تدمر العراق وتقتل الآلاف من أبنائه باسم تخليص العراق من الدكتاتورية. كما أن من مؤشرات وعي المعارضة أن تضع التعهدات بعراق ديمقراطي على أنها المحك الحقيقي لكيفية التعامل المستقبلي مع الوجود الأميركي.

أما الدول العربية الأخرى فإن أفضل ضمان لتقليل الآثار السلبية التي ستترتب على التغييرات في العراق، تكمن في استباق الأمور واتخاذ خطوات حقيقية باتجاه التحول الديمقراطي. لقد سبق لكثير من المثقفين العرب أن دعوا الحكومة العراقية إلى مصالحة وطنية شاملة ووضع حد للنظام الدكتاتوري في بغداد. على الأغلب أن هذه الدعوات قد تكون متأخرة بالنسبة لنظام صدام، لكنها ليست بالضرورة متأخرة للأنظمة المجاورة للعراق، خاصة تلك الأنظمة المغرقة في ممارساتها الدكتاتورية والتي لا تزال تؤمن بالحد الأدنى من الحقوق العربية الأساسية فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.

من الواضح أن شهية الإدارة الأميركية لتوسيع دائرة إعادة تشكيل المنطقة سيعتمد على سرعة نجاح القوات الأميركية في حربها المحتملة ضد العراق من ناحية، وعلى استمرار اتساع الهوة القائمة بين الأنظمة والشعوب في الدول المجاورة للعراق، من ناحية ثانية. الاستبداد السياسي هو حصان طروادة التي ستتسلل منه واشنطن لتحقيق أهدافها في مرحلة ما بعد صدام.

_______________
* أستاذ العلوم السياسية في جامعة آركنسا

المصدر : غير معروف