بقلم: عبدالله العمادي*

-قبرص في المنظور التاريخي
-
اليونانيون يستدعون التاريخ
-
التدخل التركي يقسم الجزيرة فعليا
-إعلان
جمهورية قبرص التركية الشمالية
-ما الحل؟.. الكونفدرالية أو الانفصال

إن أول ما يتبادر إلى الذهن حين سماع اسم قبرص هي تلك الجزيرة السياحية التي يرتادها المصطافون من أرجاء العالم، أو تصدر منها مئات المجلات والصحف وتوجد بها عناوين آلاف المكاتب والشركات التي تكون غالباً وهمية لا وجود لها على أرض الواقع.

هذه هي الصورة الذهنية المحفورة في أعماق عقولنا فور سماعنا اسم قبرص، لكن الحقيقة الغائبة هي أن هناك حقاً ضائعاً ساهمت الأمم المتحدة ودول عديدة في ضياعه وتعزيز ودعم الذي أضاع ذاك الحق.

وقبل أن نسترسل كثيراً دعونا نتعرف على الصورة الذهنية الموجودة في عقول أغلبنا، ومن ثم نواصل الحديث. فالصورة المأخوذة عن قبرص أنها جزيرة واحدة، وتحديداً تلك الصورة المعروفة لكثيرين من السياح ورجال الأعمال وكذلك عصابات المافيا وتجار المخدرات.


إن تحسين العلاقات التركية العربية وتوطيدها يمكن أن يؤثر بالضرورة على علاقات العرب بجمهورية شمال قبرص التركية وخاصة الدول العربية المحورية ذات التأثير في العالم العربي
لكن الواقع الآن هو غير ذلك تماما، فهناك جزء يوناني وآخر تركي، الأول يشغل الجزء الجنوبي من الجزيرة في حوالي 59% من مساحتها البالغة حوالي 9251 كلم2، والثاني يشغل الجزء الشمالي في مساحة تصل إلى
35%، ومساحة 256 كلم2 لقاعدتين بريطانيتين تتمتعان بسيادة بريطانية كاملة، وبقية مساحة الجزيرة البالغة 244 كلم2 هي منطقة عازلة ترابط فيها قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة على طول الخط الأخضر الفاصل بين شطري الجزيرة منذ عام 1964، حيث يتم تجديد مدتها كل ستة أشهر.

لفكوشا هو الاسم التركي لنيقوسيا، وهي الجزء الذي أصبح عاصمة ما أصبح يعرف بجمهورية شمال قبرص التركية، وعلى العموم فالعاصمة القبرصية مدينة عريقة تقع في وسط الجمهورية على ارتفاع 500 متر عن سطح البحر ومنقسمة إلى قسمين، شمالي وجنوبي بالخط الأخضر منذ أحداث عام 1963. وبهذه المدينة تبدو ملامح وآثار العثمانيين واضحة من خلال الأسوار المحيطة بها وبغيرها من المدن أو مساجدها العريقة وبعض القصور والقلاع.

قبرص في المنظور التاريخي

فتح المسلمون الجزيرة في عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وانتشر الإسلام بها، وقد ظلت جزيرة عثمانية هادئة لأكثر من ثلاثمائة عام (فتحها العثمانيون عام 1571 إلى عام 1878 ميلادية) عاشت الطائفتان التركية واليونانية في وئام وود طوال الحكم العثماني، حتى تم تأجيرها للإنجليز بموجب اتفاقية بينهم والدولة العثمانية مقابل وقوف بريطانيا بجانب العثمانيين فيما لو فكرت روسيا القيصرية في غزو مناطق حدودية للإمبراطورية العثمانية لكن بريطانيا ضمت الجزيرة إليها بعد أن تحالف العثمانيون مع ألمانيا في الحرب الأولى، واستمر البريطانيون بها مستعمرين حتى قامت ثورات ضدهم من القبارصة الأتراك واليونانيين على حد سواء، وفي عام 1960 تم تأسيس الجمهورية القبرصية بموجب اتفاقيتي زيورخ ولندن، وتم الاتفاق على دستور ينص على منح القبارصة الأتراك واليونانيين حق الاشتراك في الجمهورية.

لم يستمر الوضع في الجمهورية القبرصية الجديدة حسب تلك الاتفاقيات، ففي عام 1963 قام القبارصة اليونانيون بحملات عسكرية على نظرائهم القبارصة الأتراك رافعين شعار "الإينوسيس" المتفرعة عن فكرة "الميغالي" التي تدعو بشكل مختصر إلى ضم كامل الجمهورية أو الجزيرة إلى اليونان وإحياء الإمبراطورية الإغريقية، تدعمهم في ذلك الكنيسة الأرثوذوكسية اليونانية.

اليونانيون يستدعون التاريخ

بدأت الكنيسة تغذي روح الارتباط الكامل باليونان أو "الإينوسيس" وهي دعوة دينية من أجل ضم كامل جزيرة قبرص إلى اليونان على غرار ضم جزر كريت وبعض جزر أخرى متفرقة ضمتها اليونان إلى نفسها من هذا المبدأ، وحركت الكنيسة الأرثوذكسية روح القومية اليونانية في القبارصة اليونانيين حتى صارت عقيدة كبرى أو كما يسمونها "فكرة الميغالي" وهي فكرة إعادة مجد الإمبراطورية اليونانية القديمة وجمع كافة الناطقين باللغة اليونانية ومواقعهم الجغرافية تحت حكم دولة أو إمبراطورية عظمى واحدة، هي الإمبراطورية اليونانية أو الإغريقية.

فقد شن تحت هذا الشعار الأسقف مكاريوس حملات إبادة ضد المسلمين القبارصة وحاول بشتى الطرق تهجيرهم ليتسنى له بعد ذلك الانضمام إلى اليونان، وبدأت المنظمات القبرصية اليونانية المتطرفة بارتكاب جرائم ومذابح جماعية عديدة ضد القبارصة الأتراك منذ عام 1963 حتى منتصف عام 1974، إلى أن اضطرت تركيا للتدخل للحيلولة دون وقوع كارثة كبيرة على غرار ما حصل للأتراك في جزيرة كريت من عام 1897 حتى 1920.

التدخل التركي يقسم الجزيرة فعليا


الولايات المتحدة دورها سلبي في القضية القبرصية، باعتبار قوة اللوبي اليوناني الموجود في أميركا الذي يأتي في المرتبة الثانية بعد اللوبي الصهيوني

لقد ساءت الأمور منذ عام 1963 ولمدة عشرة أعوام تقريبا، حتى اتخذ نجم الدين أربكان وكان وزيراً للدفاع حينها، قراراً بالتدخل في الجزيرة لحماية القبارصة الأتراك المسلمين من حملات نظرائهم اليونانيين المدعومين من اليونان، وكان ذلك في 20 يوليو من عام 1974، والذي تحول هذا اليوم بعد ذلك إلى يوم يعتز القبارصة الأتراك به، يكنون بسببه كل التقدير والاحترام لتركيا التي لو تأخرت قليلا لانتهى أمر القبارصة المسلمين ولكانوا اليوم أقلية مضطهدة تحت أيدي القبارصة الأرثوذوكس في أحسن الأحوال.

ونشط القبارصة اليونانيون إعلاميا وأظهروا أنفسهم على أنهم يمثلون الجزيرة كلها، واعترف العالم لهم بذلك، بل اجتهدوا في مساعيهم تلك في العالم العربي والإسلامي أيضا، الذي قبل بهم واعترف لهم بواقع ما يريدون، في الوقت الذي تجاهل الكل القبارصة الأتراك ولم يعترف بهم سوى تركيا.

رئيس قبرص التركية رؤوف دنكطاش
(يمين) بجانب صورة رئيس قبرص اليونانية غلافكوس كليريدس
ويفتخر القبارصة اليونانيون أن لهم من الأصدقاء في العالم العربي والإسلامي الكثير ما يجعلهم يمررون ما يريدون ويحصلون على ما يرغبون والعكس هو الحاصل مع القبارصة الأتراك، الذين بدؤوا كفاحهم منذ عام 1974 على جميع الأصعدة لبيان مطالبهم للعالم كله. ويحاول القبارصة الأتراك منذ عام 1974 إفهام العالم بمساعيهم للتفاهم مع نظرائهم اليونانيين من أجل إيجاد صيغة لتأسيس فدرالية أو كونفدرالية مشتركة.

إعلان جمهورية قبرص التركية الشمالية

ظهر للقبارصة الأتراك أن المسار الذي سلكوه غير مجد في إثبات حقوقهم، فأعلنوا جمهورية قبرص الشمالية التركية في 15 نوفمبر 1983، معلنين استقلالهم ورغبتهم في العيش في دولة مستقلة خاصة بهم، ومنذ ذلك الحين يحاول القبارصة اليونانيون عبر المنابر الدولية والإعلامية أن يقولوا للعالم إن القبارصة الأتراك ما هم إلا أقلية تعيش ضمن الأمة القبرصية، وهو ما ينفيه القبارصة الأتراك بقولهم إنه لا وجود لما يسمى بالأمة القبرصية بل هناك شعبان اتفقا على الشراكة في الجزيرة وإن القبارصة اليونانيين دمروا ونقضوا تلك الشراكة والاتفاقية، وحكومتهم لا تمثل أحدا سواهم، "ونحن القبارصة الأتراك لنا حكومتنا ونمثل أنفسنا"، هكذا يقول القبارصة الأتراك، الذين يترأسهم القانوني رؤوف دنكطاش.

ويحاول الجانب اليوناني أن يبين للدول العربية والإسلامية على وجه الخصوص أن الجانب الشمالي التركي عبارة عن أقلية أو مجتمع مسلم ضمن مجتمع مسيحي أرثوذكسي، ولقد حاول القبارصة اليونانيون مراراً أن يدخلوا ضمن منظمة المؤتمر الإسلامي بحجة أن مثلهم كمثل نيجيريا التي لا تعتبر دولة إسلامية ولكنها تمثل المجتمع المسلم فيها دون جدوى.

ويبرهن القبارصة الأتراك في كل أدبياتهم على أن ما تم التخطيط له منذ الستينات وإلى إعلان جمهوريتهم المستقلة هو تحويل الجزيرة بكاملها إلى جزيرة يونانية أرثوذكسية وتصفية الجزيرة من كل نفس مسلمة وكل معلم وأثر للإسلام، وأن التدخل التركي عام 1974 جاء في الوقت المناسب، ولولاه لانمحى أثر المسلمين في الجزيرة، ولكانت تركيا محاصرة بالفعل من قبل اليونان، وهو هدف تسعى إليه اليونان منذ زمن، وتحرص تركيا على ألا يتحقق.

ما الحل؟.. الكونفدرالية أو الانفصال


تقوم فكرة الميغالي على إعادة مجد الإمبراطورية اليونانية القديمة وجمع كافة الناطقين باللغة اليونانية ومواقعهم الجغرافية تحت حكم دولة أو إمبراطورية عظمى واحدة، هي الإمبراطورية اليونانية أو الإغريقية

بالرغم من أن القضية معلقة منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلا أن الحل يكمن في تنازل الطرف اليوناني عن عصبيته وفكرة الميغالي وضرورة تحويل الجزيرة إلى يونانية بحتة، والمفاوضات مستمرة بين الطرفين منذ فترة طويلة ولكن من دون جدوى.

الاتحاد الأوروبي
الرفض اليوناني لقبول كافة المبادرات التي قدمها الجانب التركي أو الأمم المتحدة، من أسباب تعويم القضية إلى اليوم وعدم الوصول إلى حل نهائي يرضي الطرفين، وقد بدا بعد العديد من جولات المفاوضات أن الكونفدرالية هي الحل الوحيد والأخير الذي لا يرضى بغيره الجانب التركي، وهو ما يقتضي تقسيم الجزيرة إلى قسمين تركي ويوناني، يكون لكل طرف شخصيته وهويته وتراثه وسيادته. وعلى الاتحاد الأوروبي التريث في طلب الجانب القبرصي اليوناني الانضمام إليه، لأنه بالموافقة على الطلب سيكرس ويعمق المشكلة، لأن الجانب التركي لا يعترف بنظيره اليوناني ولا يقبل أن يمثله نيابة عنه في الاتحاد الأوروبي.

الدور الأميركي
سألت القبارصة عن الدور الأميركي وغيابه في المشكلة القائمة في الجزيرة، وتساءلت إن كان الأميركان قد تقدموا بطلب استخدام الجزيرة وخصوصا الجانب التركي كقاعدة عسكرية وما يمكن أن يعود ذلك بالنفع على الجمهورية سياسيا واقتصاديا.. فهل ذلك ممكن أو سيكون هناك رفض صريح فيما لو طلبت الولايات ذلك، ولكن تبين بالفعل أن الولايات المتحدة لم تتقدم بطلب كهذا رغم إستراتيجية موقع الجزيرة، ولقد تبين أن للولايات المتحدة دورا سلبيا للغاية في القضية القبرصية، وقد أكد على ذلك أيضاً رئيس الجمهورية رؤوف دنكطاش، باعتبار قوة اللوبي اليوناني الموجود في أميركا الذي يأتي في المرتبة الثانية بعد اللوبي الصهيوني. الأمر الذي يحرص رؤساء الولايات المتحدة وكثير من السياسيين كسب ودهم وتعاطفهم كما الحاصل مع اليهود، بدلاً من الدخول معهم في خصومات وما قد ينتج عن ذلك من مشكلات مؤثرة على مستقبلهم السياسي بكل تأكيد.

انفتاح تركي مطلوب


يحاول القبارصة الأتراك منذ عام 1974 التفاهم مع نظرائهم اليونانيين من أجل إيجاد صيغة لتأسيس فدرالية أو كونفدرالية مشتركة، إلا أن الرفض التام أو التسويف هو الحاصل من الطرف القبرصي اليوناني
إن انفتاح جمهورية شمال قبرص التركية على العالم وشرح وجهات نظرها للغير أمر محمود ومطلوب استمراره، مثلما المطلوب منا كدول عربية وإسلامية دعم هذه الجمهورية ويمكن القول ضمن هذا السياق أيضاً بأن تركيا تقدر على لعب دور كبير في حشد التأييد والاعتراف الدولي بجمهورية قبرص الشمالية التركية من خلال استخدام ورقة المصالح، وقد تنبهت اليونان إلى هذا مبكراً، فأقامت علاقات وثيقة جدا بالعالم العربي على وجه التحديد ومن ثم بقية العالم الإسلامي، في الوقت الذي تتراوح علاقات تركيا بالدول العربية بين مد وجزر.

إن تحسين العلاقات التركية العربية وتوطيدها يمكن أن يؤثر بالضرورة على علاقات العرب بجمهورية شمال قبرص التركية وخاصة الدول العربية المحورية ذات التأثير في العالم العربي، ولو حاول الرئيس القبرصي التركي رؤوف دنكطاش وبحكمته وخبرته أن يلعب دوراً في إزالة سوء الفهم الواقع بين كثير من العرب وتركيا، لكان بالإمكان كسب الكثير من الجانب العربي في سبيل قضية بلاده. المسألة تستحق المبادرة والعمل الفوري، إلا إذا كانت حسابات القبارصة الأتراك مختلفة عن حساباتنا ورؤاهم مختلفة عن رؤانا كذلك.

_______________
*كاتب وصحفي قطري

المصدر : غير معروف