بقلم/ عماد شُعيبي*

يشكل العمل على قانون محاسبة سوريا في الكونغرس الأميركي مفارقة متعددة الأوجه، فهو من ناحية ضد مصلحة الإدارة الأميركية الحالية، ومن ناحية ثانية يشكل مفارقة أوجه من خلال القوى التي تطرحه وتعمل عليه.

ففي الوجه الأول للمعادلة يضر المشروع بالمصالح الأميركية، على الأقل في حملة مكافحة الإرهاب وفي عملية السلام، فالمعروف أن الولايات المتحدة الأميركية تلقت كماً ونوعاً من المعلومات الاستخباراتية من دول عدة مما منع سقوط الآلاف من الأميركيين صرعى.

والمسألة الثانية هي أن الأمر لم يكن بالنسبة لسوريا "استجداء عطف"، كما حدث للعديد من الدول العربية والإسلامية التي رضيت بالضعف وموقع الاتهام فوضعت إمكاناتها خدمة للولايات المتحدة دون أن تضع لنفسها هامشاً في الشأن السيادي على الأقل.

لكنه كان نتيجة قناعة سوريا في العمق بأن الإرهاب لا يخدم قضية مبدأ "السيادة" في اللعبة الدولية، كما لا يخدم قضايا الصراع الأساسية ويحرف الانتباه عن الصراع العربي الإسرائيلي ليحوله إلى إسلامي -مسيحي أو شرقي مسلم- وغربي مسيحي.

ويعد هذا كله ارتكاسا إلى الصورة النمطية للعمق التاريخي للمعادلة الصراعية عدة قرون إلى الوراء، وتشريعا لتحويل الصراع العربي الإسرائيلي إلى "تنازع" ديني في المنطقة وليس على وجودَين قوميين.

كما أن إقرار هذا المشروع يعكس إلى حد كبير انحيازاً لصالح التيار اليميني في الإدارة الأميركية، أي أنه سيعني انحيازاً باتجاه إسرائيل، مما سيقوض الصورة الافتراضية التي كان يُعمل عليها باعتبارها حقيقة بحكم الممارسة القائلة بأن الولايات المتحدة الأميركية هي شريك كامل ونزيه في العملية السلمية.


إقرار هذا القانون الذي يشكل إرهاصاً لرياح عصابية في حملة مكافحة الإرهاب وخدمة أيديولوجيا من تيار اليمين الجديد لإسرائيل ومحاولة لاستبدال العصا بالسياسة في سياق غير سياسي

فمجرد إقرار مثل هذا القانون سيعني طياً لصفحة "الوساطة" الأميركية لصالح إلغاء عملية السلام، وهذا بلغة الإستراتيجيات خطأ يصل حد الخطيئة لأن الإدارة الأميركية هي منشئة عملية السلام وهي لم تأت بها كرمي لعين أحد، إنما انعكاسا لإستراتيجية للمصالح الأميركية ترى ضرورة إطفاء المناطق المشتعلة وخصوصاً ذات البعد المصلحي كمنطقة الشرق الأوسط، لا سيما إذا كانت العقلانية السياسية تقر بأن ما يمكن التقاسم حوله والتوافق عليه لا يجوز أن يكون وسط اشتعال أو أن تستبدل الأداء السياسي بأداء آخر فيه شيء من "الصراع التناحري" الذي قد يهدد في سياقه المصالح الإستراتيجية.

وبالتالي فإن إقرار هذا القانون الذي يشكل إرهاصاً لرياح عصابية في حملة مكافحة الإرهاب وخدمة أيدولوجية من تيار اليمين الجديد لإسرائيل ومحاولة لاستبدال العصا بالسياسة في سياق غير سياسي إطلاقا، سيعني إنهاء لعملية السلام.

وبهذا تكون إدارة "عابرة" قد طوت إستراتيجية "دولة" في سياق بنائها لإستراتيجية "مواجهة" مع الإرهاب وباستخدام عناصر أيدولوجية، ومما يؤكد أن ثمة اختراقاً في هذا السياق له رائحة سيئة، أن المشروع الذي طالب مساعد وزير الخارجية الأميركية الكونغرس بعدم إقراره وطيه لأنه يعقد العلاقة مع سوريا قبل نحو ستة أشهر، لم تكن صورة عرض جون بولتون الخطية مطابقة له ولا حتى مطابقة لموقف الرئيس الأميركي جورج بوش التي عرضت قبل نحو أسبوع من طرح المشروع أمام المداولة الرسمية في الكونغرس.

فقد أكد الرئيس الأميركي في إحدى حملاته الانتخابية أنه لن يسمح لأعضاء في الكونغرس أن يعقّدوا العلاقة مع دمشق، وكرر الأمر نفسه في مجلس الأمن القومي.

واللافت أن رئيسة اللجنة الفرعية للشرق الأوسط في الكونغرس دعت مدير مكتب مكافحة الإرهاب في الخارجية كوفير بلاك ومساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط السفير وليام بيرنز للإدلاء بشهادتهما نظراً لعدم كفاية موقف بولتون المنحاز، إلا أنهما تحفظا تحت ذريعة الأسباب السياسية واللوجستية، وهما تعبيران دبلوماسيان عن الاعتبارات السياسية الانتخابية المحض وضمن حسابات معقدة لا تسمح لهما بالحضور حرصاً على مستقبلهما، وهو تعبير عن الانقسام الواضح في الإدارة الأميركية بشأن طريقة التعامل مع سوريا.

ولفهم الأمر من زاوية أكثر تقنية يجب علينا أن نتذكر أن النظام السياسي في الإدارة الأميركية الحالية هو من نوع التنافسي (competetive) بحيث تتواجد تيارات عديدة متخالفة يكون للرئيس الأميركي أن يختار بينها في لحظة من اللحظات السياسية.

والواضح أن قانون محاسبة سوريا هو جزء من لعبة الكونغرس التي تستفيد منها الإدارة للضغط على دمشق لكونها الدولة الوحيدة التي لم تسلم بأن الحماقة الأميركية اللاسياسية هي قدر سياسي مطلق كما هو حال العديد من الدول.

اللافت في الدعوة لبحث قانون محاسبة سوريا إجرائياً أن الداعية هي إليانا روز ليتنين، وهي أميركية كوبية محسوبة على الحزب الجمهوري وترأس اللجنة الفرعية للشرق الأوسط في لجنة العلاقات الدولية بالكونغرس. ورغم عدم معرفتها الجيدة بقضايا الشرق الأوسط فقد دعمت كي تكون رئيسة اللجنة الفرعية عن الشرق الأوسط، وهي لجنة تتألف من 18 عضواً.

وتظهر ليتنين كمحركة للقضايا المتعلقة بالشرق الأوسط وهي تجهل عنها الكثير بدليل أنه قد طرح اسم الرئيس السوري بشكل خاطئ عدة مرات في الجلسة، في وقت يقوم فيه الذين نصّبوها في هذا المكان بطرح قضايا كوبا في غير ما مكان بالكونغرس، وهي لعبة تبادل أدوار باتت معروفة للقاصي والداني كإحدى أساليب العمل التي تتبع بهدف التكتيك المبسط.

ومما يدعو للتساؤل أن لجنة بحث قانون محاسبة سوريا المؤلفة من 18 عضواً لم يحضر منها سوى خمسة هم ليتنين وأربعة هم من ألد أعداء سوريا، وهذا مؤشر فعلي على أن القضايا لا تحظى عملياً بكل اهتمام لجنة الكونغرس رغم أن الذين وقعوا على القانون هم 71 عضوا من مجلس الشيوخ من أصل 100 و262 عضواً من أصل 435 عضواً في مجلس النواب، وهو ما يعطي انطباعاً بأن لجنة الشرق الأوسط في لجنة العلاقات الدولية ليست معنية كثيراً بالأمر من حيث المناقشة، وهي مستعدة للتصويت عليه إذا كانت الرياح السياسية والانتخابية والمصلحية تقر ذلك.


قانون محاسبة سوريا ليس هدفه سوى إرسال رسالة مكاسرة من الكونغرس شديدة مع سوريا
وليتنين التي لم تستطع أن تدعو إلى الجلسة الرسمية إلا هؤلاء الأربعة إضافة إلى وكيل وزارة الخارجية لضبط الأسلحة والأمن الدولي جون بولتون، لم تتمكن من إقناع رئيس لجنة العلاقات الدولية هنري هايد بأن يدعو إلى تلك الجلسة الشهود الثلاثة عون وبايبس وغينز بيرغ لأنهم من طيف سياسي واحد ضد سوريا، الأمر الذي يجعل كل هذا الشحن باتجاه إقرار قانون محاسبة سورية ليس أكثر من لقاء سياسي ثقافي، على الرغم من أن الإدارة الأميركية بصمتها هذه المرة المعلن عن هذه "الحركة" في الكونغرس إنما أرادت إرسال رسالة مكاسرة شديدة مع سوريا ربما قبل وضعها على الرف، مع أننا يجب ألا نلغي أنها قد تريد التصعيد فعلاً هروباً إلى الأمام في لحظة من اللحظات التي تشعر فيها هذه الإدارة الجمهورية الهجينة بين ثلاثة تيارات يمينية غير متجانسة على الأقل، أنها ستنهي مما يجعلها تهرب نحو وضع يكون بمثابة بوابة "افتراضية" للهروب من مأزق العراق.

وبالعودة إلى النص الرسمي الوحيد في جلسة الكونغرس، فإن علنيا أن نلاحظ أن جون بولتون كان قد منع من قبل الاستخبارات الأميركية من عرض نصه المكتوب في المرة الماضية باعتباره غير دقيق بشأن موضوع الأسلحة الكيميائية فضلاً عن اعتراض وكالة الاستخبارات الأميركية على طرح موضوعات تضر بالعلاقة مع سورية نظراً للدور الهام الذي اضطلعت به الأخيرة في حملة مكافحة الإرهاب.

هذا النص كان "بينيّاً" يتأرجح بين إعلانات غير موثقة وتنويهات بعدم الذهاب بعيداً في قانون محاسبة سورية أيضاً ورفع العصا من طرف خفي مرة أخرى. فجون بولتون تحدث طويلاً عن مزاعم أسلحة الدمار الشامل لكنه حثّ الأعضاء في الكونغرس على إعطاء وزير الخارجية كولن باول المزيد من الوقت نظراً لقيام الأخير باتصالات "حساسة" مع دمشق وهو تعبير ديبلوماسي يفهم منه أن حساسيتها تستدعي عدم المس بها، خصوصاً وأنه قد أكد أنها لم تستنفد بعد للوصول إلى نتائج بالوسائل الديبلوماسية والسلمية.

ونشير هنا إلى قوله إن جورج بوش قد أعلن ضرورة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل مضيفاً قرار إدارته بإلغائها والتخلص منها في تراسانات الدول المارقة لضمان عدم حصول التنظيمات الإرهابية التي تدعمها تلك الدول على مثل تلك الأسلحة، إلا أن هذا لم يجعله يستمر في الاسترسال طويلاً في هذه العناوين غير السياسية تجعل مركبته "الإيديولوجية" (وهو من اليمين الجديد) تستقر على ميناء القول بأن الرئيس جورج بوش يفضل استخدام الوسائل السلمية والديبلوماسية لوقف انتشار هذه الأسلحة.


الإدارة الأميركية لم تتخذ موقفاً نهائياً من مشروع قانون محاسبة سوريا غير أنها تبقي الخيارات مفتوحة ومتأرجحة بين رفع العصا وبين عدم القبول بمشروع القانون المذكور

لكن بولتون لم يتوقف عند هذه الحدود لأنه عاد إلى رفع العصا محذراً من أن إدارته تحتفظ لنفسها بخيار استخدام كل المعدات المتوفرة لها في صندوق منع انتشار هذه الأسلحة.

وبين هذا وذاك يعود جون بولتون إلى الموقف الذي يلزم الإدارة الأميركية (رسمياً) وهو أنها لم تتخذ موقفاً نهائياً من مشروع قانون محاسبة سورية وأنها تراجعه باستمرار مبقياً الخيارات مفتوحة ومتأرجحة بين رفع العصا وبين عدم القبول بمشروع القانون المذكور.

يحكم المسألة توقيت محدد مرتبط بالإدارة الأميركية حصراً التي عليها أن تحدد متى يكون الوقت قد أزف لإعلان نهاية المطاف للجهود الديبلوماسية مع دمشق حسب تعبير جون بولتون، رغم أن بولتون يود أن يضفي على الإدارة الأميركية موقفه الشخصي الذي يتناقض مع القول السابق له عندما قال إنه قد فعل ما يمكن أن يفعل ولم يعد هناك أي رد من سوريا.

والواقع أننا يجب أن نبحر في تصريحات جون بولتون معتمدين على القدرة السياسية لفهم ثلاث نقاط يجب فرزها:

الأولى: المدى الذي تريد أن تصله الرسالة السياسية التي تود الإدارة أن ترسلها عبر الكونغرس إلى دمشق، وهي في تقديرنا هنا لا تعدو كونها رسالة انزعاج قصوى إذا ما نظرنا للمسألة في سياق عقلاني.

الثانية: هي أفكار جون بولتون نفسه التي يود أن يبثها في ثنايا نسيج موقف إدارته، خصوصاً أنه يشكل اختراقاً من قبل اليمين الجديد لوزارة الخارجية.

والثالثة: ما تستفيد منه الإدارة الأميركية نفسها من الفهم الخاطئ لتصريحات جون بولتون الشخصية المبثوثة في نسيج موقف الإدارة من حيث إرهاب دمشق أو التأثير عليها بحرب نفسية.

والفيصل في كل هذه القضايا هو مدى العقلانية المتبقية في الإدارة الأميركية وخصوصاً، لدى كولن باول لجهة إيجاد "استراتيجية خروج" من المأزق في العراق.

والمسألة تنعقد بشدة في هذا المحور الذي على العقلانيين في الإدارة الأميركية أن يحددوا موقفهم النهائي منه في لحظة تتداعى فيها شعبية جورج بوش بشدة، فآخر استطلاع للرأي قد أظهر أن64% من الأميركيين يعتقدون أن غزو العراق قد زاد من احتمال شن هجمات إرهابية و77% منهم يبدون اعتقاداً بأن مواقف الولايات المتحدة الأميركية السلبية حيال العالم الإسلامي قد زاد من إمكانية اللجوء إلى الإرهاب و81% منهم يعتقدون أن الدرس الحقيقي لهجمات11 أيلول/ سبتمبر هو أن الولايات المتحدة بحاجة لتكون أكثر تعددية.

وليس لدينا اقتناع بأن هذا القانون يمكن أن يتحول إلى واقع سياسي ولو أقرّ من الكونغرس فليس أمام الإدارة الأميركية إلا أن تتعامل معه عبر ثلاثة احتمالات:

1. الاحتمال الأول أن يقوم هنري هايد رئيس لجنة العلاقات الدولية في الكونغرس، وهو رجل عقلاني مقرب من الإدارة الأميركية، ولاعتبارات تتعلق بمصلحة الدولة العليا، بتجاهل الدعوة للتصويت عليه هذه الدورة، بما يعني وضعه في الانتظار لستة أشهر قادمة قد تجعله مجرد أثر بعد عين.

2. الاحتمال الثاني أن يُقر القانون نظراً لكونه قد حصد أغلبية71 عضواً في مجلس الشيوخ من أصل مائة و262 في مجلس النواب من أصل435، ويؤجل الرئيس الأميركي تنفيذه لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد كما هو الحال بالنسبة لقانون نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وعموماَ فإن مجرد إقرار هذا القانون سيكون إعلاناً للرغبة في التعقيد أو الهروب إلى الأمام من مأزق العراق إلى كبش فداء ثانٍ في المنطقة وهذا سيعني انتقالاً من الحماقة إلى الغباء.

3. الاحتمال الثالث أن يُقر القانون بالضغط في الكونغرس خارج الإدارة نفسها، فيضطر الرئيس الأميركي إبداءً لحسن النوايا ومنعاً لانعكاسات ذلك على موقفه الانتخابي أن يستخدم الفيتو ضد مشروع القرار.
ــــــــــــــــــ
* كاتب سوري

المصدر : الجزيرة