بقلم: غراهام فولر*

أجبرت الأحداث في فلسطين الرئيس جورج بوش على مواجهة الحقيقة في منطقة الشرق الأوسط. ويبدو أن بوش وتشيني تفاجآ كثيرا عندما اكتشف الأخير خلال جولته في العالم العربي أن دول المنطقة غاضبة جدا من السياسة الأميركية أو أنها لا تملك سياسة أصلا في فلسطين حتى إن حكام المنطقة لن يفكروا بالتعاون مع واشنطن في الإطاحة بنظام صدام حسين ما دامت الأزمة في فلسطين مستمرة.


بدأ بوش الأسبوع الماضي تغيير نبرته كثيرا بخصوص فلسطين إذ بدأ ينتقد في العلن شارون والاحتلال العسكري الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية، وتوقف عن لوم عرفات وعن وصف "الإرهاب الفلسطيني" بأنه السبب الرئيسي للمشكلة
إن أفكار الحكام العرب هذه ليست مفاجئة لأي شخص يتابع الأحداث في المنطقة، إلا أن بوش وكبار مستشاريه يبدون للأسف غير مدركين للطبيعة المتفجرة التي تكتنف الحقائق في المنطقة. وهذا الوضع ليس مرده فشل الاستخبارات الأميركية وإنما الاعتقاد السائد في البيت الأبيض بأن بوش أصبح بعد سقوط نظام طالبان قادرا على عمل أي شيء.

ومن حسن الحظ أن تشيني هو الذي يقوم بهذه الجولة وليس باول، لأن باول قد يكون الشخص الوحيد بين كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية الذي يفهم المشكلة، بينما تشيني وكبار مسؤولي البنتاغون لا يفهمونها. وكان تشيني بحاجة إلى التعليم ولا شك أنه سيعود إلى واشنطن حاملا معه رسالة جديدة مفادها أن خطط بوش بشأن العراق لن يكتب لها النجاح المطلوب في الظروف الحالية وأنه لم يعد بإمكان واشنطن دعم شارون مثلما كانت تفعل من قبل.

والواقع أن بوش بدأ الأسبوع الماضي تغيير نبرته كثيرا بخصوص فلسطين، إذ بدأ ينتقد في العلن شارون والاحتلال العسكري الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية، وتوقف عن لوم عرفات وعن وصف "الإرهاب الفلسطيني" بأنه السبب الرئيسي للمشكلة، وهي اللازمة التي ظل شارون يتمسك بها منذ عدة أشهر. لقد وافقت واشنطن ولأول مرة على قرار مجلس الأمن الدولي الذي يطالب بإقامة دولة فلسطينية، كما أن بوش أرسل الجنرال زيني مرة أخرى إلى إسرائيل للتفاوض على وقف إطلاق النار وهو ما لا يريده شارون.

كل ما سبق جميل، لكن مثل هذا التغير المفاجئ في موقف بوش يعتبر في الوقت نفسه مقلقا لأنه يشير إلى أن السبب الوحيد الذي دفع البيت الأبيض إلى تغيير موقفه فجأة هو المشاكل التي واجهها تشيني خلال جولته في الشرق الأوسط. لقد بدأ البيت الأبيض يدرك أن سياسات شارون تفشل. إنه أمر طيب بالطبع أن تغير واشنطن سياستها هذه، لكني أرجو أن يكون هذا الموقف مستندا إلى فهم إستراتيجي عميق للمشاكل وليس مجرد مناورة تكتيكية عابرة. ومع ذلك يبدو أن الخطر الذي تواجهه سياسة بوش بشأن العراق هو السبب الرئيسي الذي دفعه اليوم لتغيير نبرته بشأن فلسطين. هل هذا هو بداية واقع أكبر في البيت الأبيض؟ نأمل ذلك.

ومع ذلك فإن بوش ليس الحاكم الوحيد الذي يغير نبرته فجأة، فشارون نفسه قام بتغيير مذهل في سياسته خلال الأسبوعين الأخيرين في ما يتعلق بسحب قواته من مدن الضفة الغربية الرئيسية، والسماح لعرفات بحرية الحركة داخليا، إضافة إلى عدم انتقاده لمبادرة السلام السعودية، فلماذا هذا التغيير؟ أولا لقد أدرك أنه يفقد دعم البيت الأبيض الذي أعطاه من قبل تأييدا غير محدود تقريبا.


إن الإسرائيليين يفقدون ثقتهم بقدرة سياسات شارون على حمايتهم. وحتى نكون أكثر صراحة فإن الهجمات الفلسطينية على إسرائيل لها تأثير أكبر من تأثير الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين
وقد كتبت هنا في العاشر من فبراير/ شباط الماضي خلال زيارة شارون للبيت الأبيض وقلت إن الزيارة لم تحقق نجاحا كاملا وإن شارون بلغ أقصى مداه من النفوذ والشعبية داخل البيت الأبيض. لكن الأهم من ذلك كله هو أن شارون يفقد الآن تأييد شعبه له، وقد هبطت شعبيته إلى ما دون 50% في استطلاعات الرأي. كما أن غالبية الإسرائيليين لا يعتقدون أنه يعالج قضايا الأمن بنجاح وهو المجال الذي يفترض أن يكون شارون خبيرا فيه. إن الإسرائيليين يفقدون ثقتهم بقدرة سياسات شارون على حمايتهم. وحتى نكون أكثر صراحة فإن الهجمات الفلسطينية على إسرائيل لها تأثير أكبر من تأثير الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين.

ويبدو أن شارون ربما أدرك أن سياسة القمع الإسرائيلية قد فشلت، وهو ما يعتبر تطورا شديد الأهمية لأسباب عديدة أحدها أن بنيامين نتنياهو يتأهب لخلافة شارون في زعامة الليكود في حال فشل الأخير وربما كان نتنياهو يضمر سياسات أكثر قسوة من سياسات شارون. كما أن نتنياهو يريد تدمير السلطة الفلسطينية كليا ويرفض أي فكرة لإقامة دولة فلسطينية. لكن سيكون من الصعب على نتنياهو لعب دور المنقذ لإسرائيل إذا كانت أفكاره أشد قسوة من سياسات شارون مما سيجعل الإسرائيليين يفقدون الثقة في إمكانية نجاح هذه التكتيكات. وعلى الرغم من أن نتنياهو يعتبر سيئا كشارون إلا أن هذا الأخير فظ في سلوكه بينما نتنياهو يمارس الخداع والمراوغة.


إن بوش لم يظهر من قبل أي استعداد لتحدي إسرائيل مباشرة، لكن الظروف قد تتغير بعد زيارة تشيني للمنطقة
لكن مشاكل شارون هذه ليست سوى البداية، لأنه سيكون مستحيلا على شارون قبول مبادرة السلام السعودية قبولا جادا حتى لو وافقت عليها الدول العربية جميعها في قمة بيروت. إن غاية ما يتمناه شارون أن يكون الجانب العربي هو الذي يفشل مبادرة الأمير عبد الله لأن ذلك سيريحه من أي التزام تجاهها.

وتظل المبادرة غير مقبولة على الإطلاق بالنسبة لحزب الليكود الذي يضع كل ثقله للحفاظ على المستوطنات اليهودية وعلى القدس كاملة. ويكون السؤال التالي هو هل سيقبل بوش بهذه المبادرة ويصر على تطبيقها إذا رفضها الليكود؟ إن بوش لم يظهر من قبل أي استعداد لتحدي إسرائيل مباشرة، لكن الظروف قد تتغير بعد زيارة تشيني للمنطقة.

وحتى لو وافق العرب على مبادرة الأمير عبد الله، فلا أعتقد نجاح أي وقف لإطلاق النار في فلسطين خلال الفترة القادمة، فالهجمات الاستفزازية التي يقوم بها شارون على مخيمات اللاجئين ومدن الضفة الغربية تركت مخزونا من الغضب بين الفلسطينيين وكثير منهم عقد العزم على الانتقام من تلك الهجمات. إن شارون يعلم ذلك ولذلك وقّت الهجمات لكي تنتهي مع وصول الجنرال زيني لكي يكون الرد الفلسطيني خلال وجود زيني في فلسطين. إلا أن زيني ذكي بدرجة يدرك معها هذه المسألة لكن سيكون أمامه خلال الأسابيع القليلة القادمة مشاكل وأعمال عنف من جانب الفلسطينيين أكثر مما هي من الجانب الإسرائيلي وهو ما سيعيد الجيش الإسرائيلي إلى الأراضي المحتلة مرة أخرى. لكن الجميع يعلم الآن أن هذا ليس هو الحل للمشكلة، فالإرادة الفلسطينية لم تسحق.


شهدنا خلال الشهر الماضي تطورين هامين جدا، الأول أن بوش بدأ ينأى بنفسه عن شارون، والثاني أن شارون يواجه احتمال الهزيمة بسبب سياساته واستياء الجمهور الإسرائيلي منها
وأخيرا كما كتبت في هذه الزاوية بتاريخ 2 ديسمبر/ كانون الأول 2001 "لا أعتقد أن بوش يمكن أن يبدأ التفكير جديا بشأن العراق ما لم يحدث تغيير جذري على الجبهة الفلسطينية. لا بد من إرضاء العرب وإقناعهم عن طريق إحداث تقدم حقيقي ودراماتيكي بشأن إقامة دولة فلسطينية بشروط عادلة بالنسبة للفلسطينيين. وإذا لم تتم تلبية هذا الشرط فلن يكون بالإمكان اتخاذ إجراءات حقيقية وهامة ضد نظام الرئيس العراقي". هذا الوضع لم يتغير، فالغضب العربي الآن أكبر كما أن الخطر الذي يواجه استقرار المنطقة كبير إلى حد بعيد.

وهكذا شهدنا خلال الشهر الماضي تطورين هامين جدا، الأول أن بوش بدأ ينأى بنفسه عن شارون، والثاني أن شارون يواجه احتمال الهزيمة بسبب سياساته واستياء الجمهور الإسرائيلي منها. لكن ذلك ليس كافيا لحل المشكلة، فنحن لا نستطيع تحديد ما إذا كان هذا التغيير إستراتيجيا أم مجرد خطوة تكتيكية. فإذا كان التغيير إستراتيجيا فهو خبر جيد لأنه يعني مزيدا من الالتفات الأميركي لفلسطين ويعني عدم وقوع هجوم أميركي على العراق لفترة قادمة من الزمن. أما إذا كان التغيير تكتيكيا فقط فإن ذلك يعني أننا ما زلنا أمام فترة عصيبة.

المصدر : غير معروف