* بقلم/د. حسن مكي

مبادرة إيغاد
مقترحات إيقاد الجديدة
مبادرة الميثاق الوطني

أهم إنجاز حققته المفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في إطار منظمة إيغاد هو إعلان المبادئ الذي تم توقيعه في 20 مايو/أيار 1994 والذي أكد أنه لا يمكن للخيار العسكري أن يكون حلا لقضية جنوب السودان، كما اعترف بمنح الجنوب حق تقرير المصير على أن تعطى الوحدة فرصة في إطار تنوع السودان عرقيا وسياسيا ولغويا ودينيا، كما نص على إقامة دولة علمانية وديمقراطية أو الاستفتاء على تقرير المصير.

ولكن الحكومة تنصلت من هذا الإطار ولجأت إلى عقد اتفاقية سلام مع الفصائل المنشقة عن جون قرنق في 21 أبريل/نيسان 1997 وهي خمسة فصائل، وقد أجاز المجلس الوطني هذه الاتفاقية ووقع عليها رئيس الجمهورية وهي تعطي كذلك الجنوب حق تقرير المصير. ونصت الاتفاقية على أن الشريعة والعرف هما مصدر التشريع، وأعطت الولايات السودانية ذات الخصوصية حق التشريع فيما يليها من اختصاصات، ولكن الاتفاقية تعثرت أيضا بموت بعض موقعيها وعودة بعض آخر إلى أحضان جون قرنق واحتضان الحكومة آخرين.


المقترحات الجديدة لمنظمة إيغاد تنقلب على اتفاقية ماشاكوس وتنحاز بشدة لقوات التمرد
مبادرة إيغاد
نشطت مبادرة إيغاد مرة أخرى بعد انقسام الحكومة السودانية وإبعاد الدكتور حسن الترابي. وقامت إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون بتعيين مبعوث رئاسي هو السيناتور جونستون الذي انتهت مهمته مع انتهاء ولاية كلينتون. ولما جاءت حكومة بوش قامت بتعيين السيناتور دان فورت وهو ذو خلفية كنسية (قسيس)، ولكن قبل أن تكتمل مراسم تعيينه وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 وأبدت حينها الحكومة السودانية تعاونا مع السلطات الأميركية في حربها على ما يعرف بحرب الإرهاب مما مثل رسالة من الحكومة السودانية للإدارة الأميركية، وتلا ذلك قيام بريطانيا بتعيين ألن قولتي مبعوثا بريطانيا للسلام في السودان.

وفي إطار مهمة دان فورت تم توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار في جبال النوبة في 19 يناير/كانون الثاني 2003 والتي كونت رقابة دولية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية لمراقبة الأوضاع فيما عرف بالهيئة العسكرية المشتركة، كما تم توقيع اتفاقية لحماية المدنيين بإشراف رقابة أميركية، ثم تواصلت جهود أميركا وبريطانيا في إطار إيغاد إلى أن تم توقيع ما عرف باتفاق ماشاكوس الإطاري في 20 يوليو/ تموز 2002 والذي أعطى لشمال السودان حق الاحتكام للشريعة الإسلامية وأعطى الجنوب حق الاحتكام لتقرير المصير في استفتاء على الوحدة أو الانفصال.

ورفضت مصر الاتفاقية وكونت مع ليبيا المبادرة المشتركة التي أسقطت تقرير المصير في حين احتفظت ببقية مكونات مبادرة إيغاد، ولكن لم تسجل المبادرة الليبية المصرية حضورا في الساحة بأبعادها المحلية والإقليمية والدولية في حين أصبحت مبادرة إيغاد سيدة الموقف نسبة للدعم الأميركي البريطاني.

مقترحات إيغاد الجديدة
وفي السادس من يوليو/تموز 2003 قامت سكرتارية إيغاد بتقديم مقترحها بشأن السلام والشراكة السياسية ما بين الحكومة السودانية وحركة التمرد. وقد رفضت حكومة السودان هذه المقترحات كإطار وقبلت بها حركة التمرد، علما بأن سيف العقوبات الذي أجازه الكونغرس الأميركي ووقع عليه الرئيس الأميركي بوش باسم قانون سلام السودان في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2002 والذي يعطي أميركا الحق في حظر السلاح عن السودان ووضع يدها على عائدات البترول السوداني كما يعطيها الحق في دعم حركة التمرد بمبلغ مائة مليون دولار سنويا لا يزال حاضرا. ولكن لماذا رفضت حكومة السودان المقترحات وفضلت العقوبات على اعتبار المسودة أساسا للنقاش؟ مرد ذلك للآتي:


اختارت السودان رفض مقترحات إيغاد رغم التهديدات الأميركية بحظر السلاح عنها ومصادرة عائدات البترول السوداني ومنح قوات التمرد مائة مليون دولار سنويا
أولا- في السيادة تجعل مقترحات إيغاد المتمرد جون قرنق نائبا للرئيس وتعطيه حق الاعتراض على قرارات الرئيس البشير مما يخلق رئاسة متشاكسة في حين لا يستطيع الرئيس الاعتراض على قرارات نائبه فيما يتعلق بقراراته في جنوب السودان.

ثانيا- تخلق المقترحات جيشا موازيا للجيش الوطني في جنوب السودان يقوم عليه قائد أعلى ووزير دفاع مما يعني خلق نواة لدولة منفصلة قبل ضربة البداية.

ثالثا- تعطي جون قرنق كل الجنوب وربع الوظائف السياسية في الحكومة القومية، في حين تريد الحكومة القومية أن ينعكس الأمر على حكومة الجنوب بحيث يعين جون قرنق نصفها فقط (51%) وتعين الحكومة القومية ربعها (25%) ويعطى الباقي للقوى السياسية الجنوبية الأخرى.

رابعا- أن المقترحات تريد خلق عاصمة خالية من الشريعة في تعارض مع الاتفاق الإطاري الأول الذي أعطى الشمال حق الاحتكام للشريعة وأعطى الجنوب حق تقرير المصير. والمقترحات طويلة وغارقة في التفاصيل وتعطي الجنوب 50% من البترول المكتشف في الجنوب، بالإضافة إلى ذلك تقوم الحكومة المركزية بدفع تكاليف الجيش الجنوبي الذي لم يتم تحديد حجمه وكذلك دفع مبلغ سنوي يعادل مائتي مليون دولار لتغذية حساب حكومة الجنوب.

وتعتقد الحكومة أن اتفاقا كهذا لن يصمد حتى لو وقعت عليه ولذلك آثرت الرفض حتى لو استحقت غضب أميركا وقانون سلام السودان. وحينما جاء المبعوث الأميركي جون دانفورث استمع لوجهة نظر الحكومة ولم يعلق كما أن الحكومة المصرية أبلغت دان فورث باستيائها ورفضها للوثيقة.

مبادرة الميثاق الوطني
وتم تحديد العاشر من أغسطس/آب 2003 لاستئناف المفاوضات.
وفي سعي كل طرف لتحسين وضعه التفاوضي حدثت تطورات منها اتساع دائرة العمل العسكري ضد الحكومة في ولاية شمال دارفور تحت راية حركة سمت نفسها حركة تحرير السودان، كما زار وفد من الكونغرس الأميركي برئاسة مستر دونالدين مناطق الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب واجتمع مع جون قرنق، وفي ذات الوقت قامت الحكومة بجولة على دول الجوار (مصر وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي) وشرحت موقفها، وأردفت الحكومة ذلك بالدعوة إلى ميثاق وطني يشمل جميع القوى السياسية في خطوة لتوحيد الجبهة الداخلية وللاستفادة من رفض بعض القوى السياسية لمقترحات إيغاد.


يبدو أن مبادرة الميثاق الوطني ستلتقي في منتصف الطريق مع مبادرة إيغاد، وستقوم إيغاد بتعديل مقترحاتها لتتواءم مع متطلبات العدالة
وينص هذا الميثاق على القبول بالاتفاق الإطاري الذي وقع في ماشاكوس، ويتعهد بإجراء انتخابات حرة تحت إشراف دولي.

ولم تحظ الوثيقة حتى الآن بتأييد من القوى التي يعول عليها توحيد الجبهة الوطنية، إذ رفضها حزب الأمة المعارض، كما اشترط الحزب الاتحادي المعارض أن تطرح من قبل رئاسة الجمهورية ووافقت الرئاسة على هذا الطرح، كما بدأت بعض الشخصيات الوطنية في التحرك في محاولة للم الشمل والخروج بمبادرة وطنية جامعة.

ومن المؤكد أن ثمة شيئا سيتطور من خلال هذا التحرك، ويمكن التخمين بأن الحكومة ستسعى لإعلان منبر قومي يمثل رئيس الجمهورية يقوم بتبني هذه المبادرة وربما على ضوئها تحدث بعد التغيرات في هياكل السلطة.

ويبدو أن مبادرة الإجماع الوطني ستلتقي في نصف الطريق مع مبادرة إيغاد، إذ من الواضح أن إيغاد ستقوم بتعديل مقترحاتها حتى تتواءم مع متطلبات العدالة وكذلك الحكومة السودانية، وإذا حدث ذلك فإن حكومة انتقالية ستبرز وفق البرنامج الانتقالي لوثيقة اتفاق ماشاكوس بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة التي ستغير شيئا ما من أجهزتها وهياكلها حسب متطلبات وثيقة الإجماع الوطني، وربما يحدث كل ذلك قبل شهر أكتوبر/تشرين الأول 2003.
__________________
* كاتب سوداني

المصدر : غير معروف