بقلم: ياسر الزعاترة*

-خطة غزة أولا .. البداية
-دوافع الخطة "شارونيا"
-
الحوار الوطني الفلسطيني
-الموقف الفلسطيني
ماذا بعد؟

بشيء من السخرية، يعلق الكاتب الإسرائيلي المعروف (عوزي بنزيمان) في مقالة له في صحيفة (هآرتس) بتاريخ 18/8 على خطة "غزة أولا" بالقول: "بعد أن جربوا أيام الهدوء السبعة والتسوية المتدحرجة في مدن الضفة ومحادثات أمنية ومباحثات حول الدخول إلى مسار تينيت وميتشل، يتسلى قادة الدولة الآن بفكرة "غزة أولا"، على أمل أن يختفي عرفات أخيرا ويحدث الانقلاب في نهج القيادة الفلسطينية تجاه إسرائيل، هذه الحلول ناجعة مثلما هو الأكامول (دواء مسكن) لمرضى الخرف، العقدة الإسرائيلية – الفلسطينية لا يمكن حلها إلا بسبيل واحد: اتفاق يقوم على أساس استعداد إسرائيلي للتنازل عن المناطق".

خطة غزة أولا.. البداية

بنيامين بن إليعازر يصوب ببندقية جديدة من طراز تافور في مصنع للأسلحة بمدينة الناصرة
وزير الدفاع الإسرائيلي (بنيامين بن إليعازر) هو صاحب خطة "غزة أولا"، التي أصبحت "غزة – بيت لحم أولا"، وكان الرجل أول من حملها إلى القاهرة قبل أسابيع، بيد أنها لم تؤخذ على محمل الجد.

يلخص بن إليعازر الحكاية في حديثه لصحيفة (يديعوت أحرونوت) بتاريخ (16/8) بالقول، إن منطق الخطة هو عدم القدرة على التعايش مع "الإرهاب" الموجود في غزة، ما يعني الاجتياح كما جرى في الضفة الغربية، بما ينطوي عليه ذلك من الولوج إلى "مستنقع". أما الأمر الآخر فهو أن الشعب الفلسطيني "قد وصل إلى استنتاج بأنه يسير في طريق بلا مخرج، القيادة يائسة تماما، هناك اعتراف بالهزيمة في العملية العسكرية لديهم".


55% من الجمهور الإسرائيلي يقولون إن شارون لا يملك خطة سياسية وقال 33% منهم إن الفلسطينيين هم المنتصرون في المواجهة منذ مجيء حكومة (شارون)، في حين قال 30% فقط عكس ذلك، واعترف 77% من المستطلعين بأنهم يخشون الإصابة في "عملية إرهابية"

من هنا تبدأ القصة، حسب الوزير الإسرائيلي، الذي قال "دعوت إلي عبد الرزاق اليحيى وأمين الهندي ومحمد دحلان، وبدلا من أن أحملهم بأطنان من المهام والواجبات التي لا يستطيعون القيام بها سألتهم: ماذا تستطيعون أن تفعلوا على محور الأمن؟ هيا نأخذ غزة –التي لم نحتلها بعد- فهي مغلقة من ثلاثة اتجاهات وكل أجهزتكم مازالت موجودة هناك، فلنسر خطوة خطوة، نبدأ بوقف إطلاق النار، نخفض مستوى النيران، وسألوني: ماذا يعني ذلك؟ قلت لهم: لا مزيد من صواريخ القسام ولا انتحاريين ولا هجمات من البحر ولا تسلل إلى المستوطنات ولا إطلاق نار على الطرقات، فتفضلوا وابدؤوا، أنا لا أطلب منكم أن تفككوا التنظيمات لأنني أعرف أنكم غير قادرين على الوفاء بذلك، وفي المقابل، سأسير في اتجاهكم قدر المستطاع. إذا نجحتم في فرض وقف إطلاق النار، سننتقل للمرحلة التالية. إصلاحات، سنساعدكم قدر المستطاع، أنا مستعد لأن اقدم لكم تسهيلات مدنية، عشرة آلاف عامل في إسرائيل، توسيع منطقة الصيد، توسيع العمل في معبر كارني وفي منطقة إيريز الصناعية وفي معبر إيريز، سأسمح بمزيد من حرية الحركة، ابدؤوا في تنفس هواء نقي، وخلال فترة قصيرة ستكتشفون أنكم قادرون على أكثر من ذلك".

مسؤولو الأمن الفلسطينيون طالبوا برام الله، فرفض الوزير الإسرائيلي، وقال لهم "هيا نسر رويدا رويدا، وعندها جاءت فكرة غزة – بيت لحم أولا".

دوافع الخطة "شارونيا"

ثمة شيء من الصواب في حديث (بنزيمان) الذي افتتحنا به هذا التحليل، فالراهن أنه وبعيدا عن ماهية خطة "غزة أولا"، فإن هناك ما يدفع القيادة الإسرائيلية إلى البحث عن وسائل علاج لما هي فيه بعيدا عن الوسيلة الأساسية –ولن نقول الوحيدة- المتاحة لإنقاذ وضع، هو بأمس الحاجة إلى سفينة إنقاذ، ولعل ذلك هو بالفعل ما يدفع إلى البحث عن أي وسيلة لدفع المسار السياسي.

هناك حالة سياسية واقتصادية خانقة تدفع (شارون) إلى إعطاء الضوء الأخضر لحلفائه من حزب العمل للتحرك يمينا ويسارا بحثا عن أفق ينقذه مما هو فيه، سواء لجهة شبح نتنياهو الذي منحه آخر استطلاع للرأي تفوقا بنقطتين عليه، أم لجهة الجمهور الآخذ بالانفضاض من حوله، سواء فعل ذلك بسبب الأمن أم بسبب الانهيار الاقتصادي.

آخر استطلاعات الرأي بدت مخيفة بالنسبة لشارون فقد هوى الرضا عن أدائه العام إلى مستوى 46%، وكان 61% قبل ستة أسابيع فقط، أما الرضا عن أدائه الاقتصادي فهو في أسوأ أحواله إذ لم يتعد 18%، و55% من الجمهور الإسرائيلي يقولون إنه لا يملك خطة سياسية، في حين بدت معنوياتهم منهارة إلى حد كبير، إذ قال 33% منهم إن الفلسطينيين هم المنتصرون في المواجهة منذ مجيء حكومة (شارون)، في حين قال 30% فقط عكس ذلك، واعترف 77% من المستطلعين أنهم يخشون الإصابة في "عملية إرهابية".

كولن باول وياسر عرفات
في انتظار ماذا؟
من الطبيعي أن يدفع كل ذلك (شارون) إلى قبول أي مبادرة سياسية تدفع نحو الهدوء، مع أن الخطة الجديدة تنطوي على مصلحة إسرائيلية في كل الأحوال، بل هي انتصار لشارون بوصفها إعادة الأوضاع سنوات إلى الوراء تاركة له فرصة إعادة صياغة (أوسلو) وفق أسس جديدة.

لا ينفي ذلك بالطبع أن ثمة كثيرين يرون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إنما يراهن على عامل الوقت ويحاول إطعام السلطة جوزا فارغا بحثا عن عمل دؤوب من طرفها ضد "الإرهاب"، نظرا لحاجة الولايات المتحدة إلى التهدئة من أجل ضرب العراق، وهي المهمة التي تقول الدوائر الإسرائيلية إن (شارون) لا يكف عن إرسال الرسائل إلى واشنطن مطالبا بتنفيذها على نحو سريع، وهو ما يجعل توفير الأجواء المناسبة لها من طرفه أكثر من ضرورية.

ضرب العراق إذن هو المحطة التي ينتظرها (شارون) على أحر من الجمر، وهذا القول هو جزء من تقديرات دوائر الجيش الإسرائيلي. حسبما نقلها المحلل العسكري لصحيفة (هآرتس)، (أمير أرون)، أما الأمران الآخران فهما إنهاء العمل في بناء الجدار الفاصل، ثم الأمل بظهور قيادة فلسطينية غير ياسر عرفات.

تقول المصادر المذكورة إنه "حتى ربيع 2003 سيختفي نظام صدام حسين من الوجود، أما عرفات فسيصبح في الهامش، في مكانة رمزية قليلة التاثير"، فضلا عن إكمال بناء الجدار، والمطلوب حتى ذلك الحين مستوى من "الإرهاب" "يمكن تحمله".

موقف شارون؟
أشرنا سابقا إلى أن خيارات (شارون) تبدو محدودة، وهذه المحدودية هي التي دفعته إلى الإسراع في الركض خلف (بن إليعازر) في حكاية غزة أولا، أما تفكير عرفات فلا يعني بالنسبة إليه الكثير، فضربة العراق وفق حساباته قادمة لا محالة، وعندما يحدث ذلك فلن يكون بإمكان عرفات المراهنة على ذات اللعبة التي لعبها إثر أوسلو، بل سيكون بالإمكان جره إلى الحل النهائي أو شبه النهائي و"المرحلي بعيد المدى" الذي يترك قضايا الوضع النهائي إلى عشر سنوات قادمة مع الإبقاء على صيغة حكم ذاتي على معظم قطاع غزة و42% من الضفة الغربية.

من المؤكد أن الأميركيين الذين لا يقفون متفرجين أو على الحياد قد دعموا (شارون) في هذه الخطة، وأعطوه وعودا بشأن العراق والضربة وإخباره بها قبل الموعد، مع تزويده بما يلزم لصد أي هجمات محتملة.

بالمقابل ليس هناك تنازل يمكن لأحد في الحكومة الإسرائيلية أن يزايد به على (شارون)، ذلك أن أحدا في الحكومة أو الجيش لا يريد إعادة الاحتلال والإدارة المدنية إلى الضفة الغربية والقطاع، بدليل أن الجيش مازال يدخل ويخرج إلى مشارف المدن على نحو يومي تاركا لبعض أدوات السلطة وهيئات الإغاثة الدولية التعامل مع حاجات الفلسطينيين اليومية التي تتزايد مع اشتداد الحصار. وفي العموم فإن الخطة إذا لم تنجح في وقف ما يسميه "الإرهاب" فإنها لن تخسره شيئا، فهو أصلا لم يدخل قطاع غزة، في حين أن بيت لحم مدينة هادئة وليس فيها عمليات أو مقاومون كما أثبتت التجربة.

الموقف الفلسطيني

بعد إعلان بن إليعازر عن خطته وعرضها على الطرف الفلسطيني (الأمني) خرجت جملة من التصريحات "المتشددة" الرافضة للخطة، سواء من طرف قوى المقاومة أم من طرف رجالات السلطة، سياسيين وأمنيين، حتى إن جبريل الرجوب قد وصفها بـ"الأسبرين لمريض السرطان".

كانت المفاجأة عندما اجتمع مجلس الوزراء الفلسطيني، وأعلن قبوله بالخطة، وهو ما آثار حفيظة قوى المقاومة والشارع الفلسطيني الذي وجد فيها هوانا غير مسبوق، لا سيما عندما مرت الأيام على القبول الفلسطيني بالخطة دون أدنى تهدئة من الطرف الإسرائيلي، حيث تواصلت على نحو محموم عمليات هدم بيوت الاستشهاديين الفلسطينيين، بل وغير الاستشهاديين من المقاتلين الذين نفذوا عمليات عادية، ومنهم لم يتجاوز عمله الأراضي المحتلة عام 1967. أما الأحوال العامة فازدادت سوءا على سوئها من حيث الحصار والإغلاق، إضافة إلى تواصل عمليات الاغتيال المدبرة.

إثر ذلك بادر الطرف الإسرائيلي إلى اختزال الخطة في "غزة أولا" حيث تم شطب "بيت لحم"، وقد تبين أن ذلك لم يكن جديا إلى حد كبير، بقدر ما يمكن وصفه بالتراجع المقصود لإعطاء مبدأ قبول الخطة بعدا معنويا على اعتبار أن الموافقة الفلسطينية قد أحرجت الطرف الإسرائيلي ليس إلا. وقد تبدى هذا الأمر واضحا عندما بدأ الحديث اليومي عن الخطة، وصار هناك ما يشبه الاستعداد الإسرائيلي لإضافة الخليل إلى غزة وبيت لحم، إذا ظهر أن السلطة عازمة على إنجاح تطبيقها بالفعل.

لماذا وافق عرفات؟
من المؤكد أن هاجس العودة إلى المشهد السياسي لازال هو الحاكم لكل تصرفات ياسر عرفات، منذ صفقة المقر وكنيسة المهد وحتى الآن، فالرجل الذي لم يغير سلوكه منذ عقود لا يمكن أن يستوعب أي مبادرة أو سياسة من شأنها أن تسحب منه صلاحياته الإمبراطورية، سواء كان ذلك بمبادرة أميركية أم إسرائيلية أم فلسطينية داخلية، فكيف إذا كان الهدف هو تهميشه وصولا إلى شطبه من المعادلة كما أوضح الإسرائيليون والأميركيون مرارا خلال الأشهر الأخيرة؟.

عرفات كان قد وجد في الاتصال مع عبد الرزاق اليحيى الذي عينه قبل شهرين، في تغيير وصفه الأميركان بالهزيل، اعترافا واضحا به كعنوان وحيد للفلسطينيين. أما محمد دحلان فهو الذي منحه الصلاحيات رغم عدم وجود مسمى وزاري له، وهو نفسه الذي تمكن من تهميش جبريل الرجوب، عندما أراد ذلك، رغم اعتقاد الكثيرين أنه الرجل الذي لم يكن بالإمكان إزاحته.

ثمة بعد آخر ربما فكر فيه الرئيس الفلسطيني، ويقوم على إعادة اجترار مسيرة أوسلو منذ البداية، أي الحصول على مزيد من الأراضي بالانسحاب الإسرائيلي التدريجي من المناطق مقابل قيامه بمهمات "مكافحة الإرهاب" (التبادلية بتعبير نتنياهو) كما فعل خلال سنوات 1995، 1996، 1997، 1998، 1999، وحتى اندلاع انتفاضة الأقصى. أما المهم بالنسبة إليه فهو عدم تحوله إلى أنطوان لحد كامل المواصفات يدير ظهره للوضع العربي والمصري منه على وجه الخصوص.

الاعتراف، ومن ثم الخروج من الحصار، وصولا إلى تمدد السلطة مرة أخرى في الضفة الغربية.. تلك هي أهداف عرفات من الموافقة على خطة "غزة- بيت لحم أولا"، وليس من الصعب القول إن الإسرائيليين يدركون ذلك.

الحوار الوطني الفلسطيني

كان ثمة جانب آخر لا بد من رؤيته والتعامل معه في سياق حديث "غزة أولاً"، ولا يمكن بحال الإيمان بأنه قد انطلق بعيدا عن الخطة أو نوايا القيادة الفلسطينية، إنه ما يسمى الحوار الوطني الفلسطيني الذي يجري في غزة منذ ثلاثة أسابيع ويقوم على توافق القوى الفلسطينية جميعا على برنامج سياسي للمرحلة القادمة.

قامت فكرة البرنامج على نقطة جوهرية تقوم على حصر النضال والمقاومة في الأراضي المحتلة عام 1967. وهنا تكمن أهمية الفكرة بالنسبة للإسرائيليين. فرغم أنهم يعلنون رفضهم الواضح للتفريق بين الأعمال العسكرية في الأراضي المحتلة عام 1967 أو عام 1948، باعتبار ذلك كله إرهابا مرفوضا ومدانا، فإن أحدا لا يمكنه إنكار أن القيادة الإسرائيلية مازالت ترى في العمليات الاستشهادية في العمق الإسرائيلي خطرا محدقا بالاقتصاد، وخطرا يهدد تماسك المجتمع، فضلا عما يعنيه بالنسبة لرجل مثل (شارون) كلفته عمليات "حماس" بعد استشهاد صلاح شحادة في الجامعة العبرية ومفترق صيدا – صفد حوالي 20 نقطة في استطلاعات الرأي، ما يشير إلى أهميتها الفائقة.

كانت الوثيقة المقدمة للفصائل معدة بلغة فتح والجبهة الشعبية والديمقراطية، ولا صلة لها البتة باللغة التي تستخدمها حركة حماس أو الجهاد الإسلامي، رغم تأكيدها على المقاومة المسلحة كأحد أشكال النضال. ذلك أن تحرير الأرض المحتلة لا يمكن أن يكون هدفاً إستراتيجيا بالنسبة للحركة، فضلا عن أن الهدف لا يكون إستراتيجيا، وإنما الوسيلة.

المهم في الأمر أن "حماس" وقبلها (الجهاد) قد رفضت الوثيقة بشكلها المطروح وقدمت إضافات واعتراضات عليها جعلت إمكان التوافق عليها مستحيلا، والحال أن عضو "حماس" الذي أعطى ما يشبه الموافقة على الوثيقة في الاجتماع الأولي لم يدرك المطب الذي وقع فيه، فجاء الرفض بعد ذلك واضحا، في حين شنت دوائر السلطة وفتح هجوما على "حماس" بسب ذلك.

لماذا الوثيقة؟
لعل السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو ما أهمية هذه الوثيقة بالنسبة للسلطة، وهل تملك الاستعداد بالفعل للاعتراف بالمقاومة في الأراضي المحتلة عام 1967، وهي التي سلمت قتلة "زئيفي"، وأبعدت جماعة كنيسة المهد، وقدمت ما قدمت من التنازلات؟ وهل تملك فعل ذلك أمام هذه الموجة من الضغوط والتهديدات الأميركية والإسرائيلية؟ الجواب الأكيد هو لا، ولكن ما الهدف؟.

لقد أثبتت تجربة تعامل ياسر عرفات مع اتفاقات ووثائق كهذه أنه يأخذها لغرض آني ثم ما يلبث أن يلقيها في سلال المهملات ليبدأ في مناوراته السياسية بعيدا عنها، وقد كان المطلوب هو أخذ التنازل من حماس والجهاد ومن ثم بيعه بعد ذلك للإسرائيليين بوصفه تنازلا مهما، فضلا عن "مطب" استدراج تلك القوى إلى خطاب مختلف عن ذلك الذي آمنت به.

(عرفات) لم يلتزم بوما بسياسات المجلس الوطني ولا المجالس المركزية الفلسطينية أو أطر حركة فتح أو حتى اللجنة التنفيذية، فكل ذلك يمكن تجاوزه خلال اللعبة السياسية، وفي سياق المناورات اليومية. إن لغة الوثيقة كما أعدت لا يمكن أن تنسجم بحال مع مختلف الخطوات التي اتخذها الرئيس الفلسطيني، ولذلك فهي محض لعبة تضاف إلى ما هو مطلوب لإعادة الرئيس الفلسطيني إلى المشهد من جديد ليبدأ رحلة أوسلو أخرى، بدليل أن مقاومة "الإرهاب" خلال تلك المرحلة قد شملت الأراضي المحتلة عام 1967، و1948 من دون استثناء.

وماذا بعد؟

بالنسبة لقصة الوثيقة (وثيقة الحوار) يمكن القول إن "حماس" والجهاد قد تجاوزتا مطبها، بيد أن ذلك لن يعني أن الخطر قد انتهى، فالدلائل المتوفرة تشير إلى أن السلطة عازمة على الدخول بجدية إلى لعبة "غزة- بيت لحم أولا" بعد ما بادر الإسرائيليون إلى إضافة بيت لحم والخليل وشرعوا في خطوات الانسحاب بالفعل. ولعل وصول فرق تدريب أردنية مصرية إلى مناطق السلطة يؤكد أن مهمة ترميم أجهزة الأمن ستمضي في طريقها، وأن القادم سينطوي على إعادة السلطة إلى مهماتها السابقة، من دون أن يعني ذلك الوصول بالوضع إلى حد الاحتراب، من زاويتين، الأولى عقلانية قوى المقاومة، والثانية إدراك تل أبيب وواشنطن لخطورة ذلك وإلحاحهم على التهدئة وصولا إلى محطة العراق التي سيغدو كل شيء بعدها سهلا.

مع ذلك، حتى لو مضت الخطة في طريقها فإن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن السلطة بقيادة عرفات لازالت تملك الاستعداد للدخول في معركة ضد المقاومة (حماس والجهاد تحديدا)، وبالطبع، فستبدأ هذه المعركة في المجالين السياسي والإعلامي والتنظيمي (محاولة شق قوى المقاومة واللعب على تناقضاتها)، وصولا إلى المجال الأمني الذي لا يبدو صعبا سوى في غزة التي لم تضرب فيها المقاومة. في حين أنها تعاني من ندرة الأهداف الإسرائيلية التي يمكن استهدافها، أما في الضفة فلم يبق غير القليل، وستكون مهمة وقف أعمال المقاومة ميسورة بالنسبة للسلطة دون الحاجة إلى الكثير من الاعتقالات والتعاون الأمني المفضوح.

يشار هنا إلى أن معالم المعركة قد بدأت بالحملة على حركة حماس من طرف السلطة بحجة عدم التوقيع على الوثيقة، مع أن الجميع يدرك أن السلطة هي أول من سيتجاوز بنودها.

قوى المقاومة من طرفها لن تلجأ إلى الصدام مع السلطة، وستحاول كعادتها إيجاد سبيل لإبقاء راية المقاومة مرفوعة من دون الوصول إلى نقطة الصدام، وذلك انتظارا لتطورات جديدة، وإيمانا منها بأن خط التسوية لا بد أن يصطدم بالجدار المسدود، أو بإرادة الشعب والأمة في نهاية المطاف.

يبقى أن مفاجآت الموقف في العراق أو عمليات جديدة من طرف (شارون) وقدرة قوى المقاومة على إعادة خلط الأوراق بعملية أو عمليات كبيرة قد تؤجل هذه المشكلة، وربما تدخلها إلى الرفوف مثل سواها من الخطط السابقة كما ذهب (عوزي بنزيمان)، في حين يكون عرفات قد أخذ منها إيجابية العودة إلى المشهد السياسي، وإن على نحو جزئي عبر القدرة على إيفاد مبعوثين، سواء للاجتماع مع بن إليعازر أم مع الأميركان في واشنطن، وذلك هو الأكثر أهمية بالنسبة إليه، أقله في هذه المرحلة.

_______________
*كاتب صحفي فلسطيني

المصدر : غير معروف