بقلم/ منير شفيق*

نشرت الجزيرة نت في 21/3/2003م في "وجهات نظر" مقالة بقلم غراهام فولر تحت عنوان ضعف نظام التعليم العربي سبب جوهري لضعف العرب، وقد تضمنت هذه المقالة أطروحات تحتاج إلى وقفة جلاء من أجل معرفة أدق وأكثر اقترابا من الواقع.
يبدأ الكاتب بطرح مجموعة تساؤلات أهمها هل محاولة أميركا من سياساتها في الهجوم على العراق ومحاربة الإرهاب وما تمارسه من ضغوط على الحكومات العربية للتعاون معها تشكل دلالة أخرى على استيلاء الإمبريالية الأميركية على منطقة الشرق الأوسط؟ وهل تسعى للسيطرة على ثقافة العرب وهل تحاول إعادة ترتيب البيت العربي وتغيير معالمه طبق الأصل الأميركي؟


لو تعرف فولر بصورة أعمق الفرد العربي لأدرك استقلاليته في التفكير وطموحه للخلاص من التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية وتطلعه إلى النهوض وإذا لم يقتنع بهذا فليسأل الأنظمة السلطوية أو فليتفحص جيداُ التاريخ القديم والحديث أو فليلتق الناس العاديين في البلاد العربية ويناقشهم
لا يجيب الكاتب عن أي من هذه الأسئلة إجابة مباشرة ويتركها ليشير إلى أنه من أشد النقاد انتقادا لسياسات أميركا في الشرق الأوسط لكونها تتجاهل مشكلة فلسطين وتظهر انحيازا قوياً لإسرائيل فارضة بذلك سياسة الكيل بمكيالين.

وهو موقف يقدر له وإن كان من المهم لفت الانتباه إلى أن ما يأخذه على السياسة الأميركية من انحياز قوي لإسرائيل وسياسة الكيل بمكيالين هما جزء من كل متماسك ويفترض أن يساعدا في الإجابة عن الأسئلة أعلاه كما لا يمكن فصلهما عن سياسات أميركا التي تريد التدخل في النظام التعليمي السائد في الشرق الأوسط فإذا كان من الممكن لمثقف أميركي أن يعارض سياسة بعينها ويؤيد سياسة أخرى من دون أن يربط بين السياستين وهو صادق في الحالتين إلا أن واضع السياسة في مجلس الأمن القومي أو الخارجية أو البيت الأبيض أو البنتاغون لا يفكر بطريقة انتقائية وإنما يهمه أن يكون متماسكا وإلا تضاربت سياساته وشل بعضها بعضاً.

ومع ذلك يتابع غراهام فولر في تقديم موضوعه حول التعليم ويبدأ بمسلمة حول التعليم العربي وموقعه في العالم استند إليها من تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002، ويبدو أنه لم يقرأ متن التقرير في فصله المتعلق بالتعليم بل اقتصر على مختصره في "نظرة عامة" التي تتناقض في نتائجها حتى مع المتن والإحصاءات والتقديرات الخاصة بالموضوع فعلى سبيل المثال وباختصار شديد جاء في المتن "معيار الإنفاق على التعليم في البلاد العربية بالنسبة إلى الدخل القومي الأعلى بين البلدان النامية أن ثمة تفوقا في التعليم الثانوي على بلدان العالم الثالث عدا أميركا اللاتينية. فالتقرير أعد لأغراض سياسية معينة ولا تعبر "نظرته العامة " التي اشتهرت عن آراء جميع المشاركين فيه كما أنه تعرض للنقد الشديد من عدد كبير من المثقفين والباحثين والعلماء العرب، ولهذا لا يجوز اعتماده مرجعا، فهو يعترف على سبيل المثال بـ"النقض الحاد في البيانات والمعلومات الضرورية للقيام بمعاينة شاملة للتنمية الإنسانية" وهذا ينطبق على التعليم كذلك كما يعترف بأن المعيار الذي اعتمده "تشوبه عيوب كثيرة"، ومع ذلك فقد قدم مجموعة من المسلمات استقبلها الكثيرون في الغرب بالحماس الشديد بمن فيهم كولن باول وهو يعد العدوان على العراق كأن وظيفة التقرير تبرير التدخل الأميركي العسكري وسائر الضغوط الأخرى من أجل إعادة ترتيب البيت العربي وتغيير معالمه طبق الأصل الأميركي وفقاً لأحد أسئلة غراهام فولر.
وبناء على مرجعية التقرير يقبل غراهام فولر إصدار حكم قاطع حول انحطاط مستوى التعليم أيضا ولكن لا يخطر بباله أن الجامعات ومراكز البحوث والمستشفيات في أميركا تعترف بشهادات الجامعات العربية وتستقبل خريجيها كما تستقبل خريجي أية جامعات أخرى ولم تثبت نتائج الأطباء والمهندسين والمهنيين وسائر خريجي الجامعات العربية أنهم نتاج تعليم "منحط" في سمته الغالبة.

وإذا ظن فولر أن التعليم في البلاد العربية لم ينجح إلا "في تلقين المبادئ الدينية" فعليه أن يعود إلى مناهج التعليم في الأغلبية الساحقة من المدارس والجامعات الحكومية وغير الحكومية وإلى الغالبية الساحة من الدول العربية ليجد التعليم الديني مهمشاً جداً حتى في المراحل الابتدائية وبأقل درجة من الاهتمام كمياً ونوعياً، فهذه المسلمة لا علاقة لها بالتعليم فتلقين المبادىْ الدينية مصدره الأساسي البيت لا المدرسة ثم الجامع وحركات الدعوة على اختلافها فضلاً عن المجتمع عموماً ولهذا فإن في اتهام التعليم مبالغة وتهويل.

أما النقطة التي يريد السيد فولر التركيز عليها ويعتبرها أهم جزء في التعليم فهي تعليم الناس "كيفية التفكير" ومن ثم يتوسع في إثبات أهمية تعليم كيفية التفكير بحيث لا نسلم بصحة شيء إلا بعد إجراء اختبارات عليه والتأكد من صحة الفكرة.


كيفية التفكير في البلاد العربية قوية إلى حد لا تستطيع أجهزة الإعلام الرسمية أو شبه الرسمية أن تؤثر فيها كما هو الحال في الغرب عموماُ ولا تستطيع المدرسة أو المعلم أو المنهج تسويق الأفكار على الطلبة الذين لا يستقبلونها كما هي بل يضعونها تحت النقاش والاختبار ويسألون عن البراهين
طبعاً هذا يتضمن مسلمة أخرى، وما هي بمسلمة، تعتبر أن الفرد العربي يفتقر إلى تعلم كيفية التفكير بالتعريف أعلاه ولكن قبل مناقشة هذه النقطة يجب إبداء ملاحظة أن كل ما شغل المقال حول علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالعالم غاليليو لا علاقة له بالإسلام والمسلمين لا ماضياً ولا حاضراُ فالمسلمون كما يحثهم القران والسنة يرون في العلم طريقا لمعرفة الله واليقين في الله وإن جاءت المعرفة من طرق أخرى. أما الإشارة إلى العالم الذي كان يقول إن الأرض مسطحة أو إن وصول رواد الفضاء إلى القمر خدعة فهذا رأى يخصه ولا توافقه عليه الغالبية الساحقة من علماء المسلمين ناهيك عن المسلمين عموماًَ أو ما يتلقاه الطلاب من تعليم "منحط" في البلدان العربية ولهذا لامجال هنا للربط ولو من بعيد بموقف الكنيسة الكاثوليكية من غاليليو فالعالم المذكور لم يحاول أن يمنع أحدا أو يحرم على الآخرين أن يأخذوا بكروية الأرض أو ألا يصدقوا بوصول رواد الفضاء إلى القمر ولم يهدد أحدا بالقتل ليغير رأيه في كروية الأرض. طبعاً استدرك الكاتب أن الآراء المذكورة ة لم تكن جزءاً من الأعراف الإسلامية الكبيرة لكن في يومنا الحاضر ليس العلماء فقط الذين يخشون هذا النوع من الفكر (العقلاني الذي يؤمن بالعالم) الذي أصبح قوة ومسانداً في العالم الغربي أي أنه يعتبر العلماء المعاصرين يخشون الفكر العقلاني الذي يؤمن بالعلم وفي هذا ولا شك عدم معرفة بالعلماء العرب وبموقفهم من العلوم على اختلافها ثم يضيف أن الحكام العرب لا يريدون أن يفكر الناس بمفردهم.

ولكن ماذا يقصد بـ" يفكر الناس بمفردهم"؟ يقول "من حسن الحظ فإن عالم الديمقراطية يعطي الناس الفرصة لتحدي فكر السياسيين وحتى رئيس الدولة ورئيس الوزراء إننا لا نقبل دائماَ أفكار جورج بوش لمجرد أنه رئيس فهنالك الكثيرون ممن يعارضون تفكيره لكن بالنسبة إلى الأنظمة السلطوية في الشرق الأوسط فإن الناس لا يمكنهم أن يقدموا أفكارا تعارض آراء السلطات".

ثم يعزز فولر رأيه بالقول إن تعليم الناس كيفية التفكير يمكنهم أن يقدموا أفكاراً تعارض آراء السلطات وذلك مثل الذين يخالفون آراء جورج بوش في الولايات المتحدة.

وهنا لا يحلاظ غراهام فولر أن الأنظمة السلطوية هي قمعية لأن الناس أغلب الناس تحمل أفكاراً تعارض آراء السلطات وليس العكس فالسلطات لا تقمع من يوافقها آراءها.


الأغلبية الساحقة من المدارس والجامعات الحكومية وغير الحكومية وفي الغالبية الساحة من الدول العربية ليجد التعليم الديني مهمشاً جداً حتى في المراحل الابتدائية وبأقل درجة من الاهتمام كمياً ونوعيا
فلو تمعن فولر الوضع العربي والفرد العربي بصورة أعمق لتأكد من أن كيفية التفكير في البلاد العربية قوية إلى حد لا تستطيع أجهزة الإعلام الرسمية أو شبه الرسمية أن تؤثر فيها كما هو الحال في الغرب عموماُ ولا تستطيع المدرسة أو المعلم أو المنهج تسويق الأفكار في الطلبة الذين لا يستقبلونها كما هي بل يضعونها أمام النقاش والاختبار ويسألون عن البراهين بدليل أن حركات الاحتجاج بين الطلبة في العالم العربي تزيد في كثير من الأحيان عن مثيلاتها في البلدان الأخرى.

بل يمكن القطع أن الذي يزعج الإدارة الأميركية أن الفرد العربي والجماهير عموماً لا يسهل ترويضها وتلقينها أفكارا وسياسات معينة لا من خلال المدرسة ومناهجها ولا من خلال السلطات القمعية أو الديمقراطية ولا من خلال الإعلام العالمي ولهذا أصبح هنالك اتجاه لممارسة الاحتلال العسكري ومحاولة التدخل المباشر في تغيير مناهج التعليم والتحكم في أجهزة الإعلام عساه يؤدي إلى إعادة قولبة العقل العربي ليتوقف عن التفكير الذي لا يرضي الإدارة الأميركية أساسا إزاء سياساتها التي لا يوافق على بعض منها غراهام فولر نفسه.

بكلمة واحدة لو تعرف غراهام فولر بصورة أعمق إلى الفرد العربي لأدرك استقلاليته في التفكير وطموحه للخلاص من التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية وتطلعه إلى النهوض، وإذا لم يقتنع بهذا فليسأل الأنظمة السلطوية أو فليتصفح جيداُ التاريخ القديم والحديث أو فليلتق الناس العاديين في البلاد العربية ويناقشهم ليلمس إن كانوا يفكرون أو لا يفكرون ويسألون عن الأدلة أو لا يسألون.

______________
*كاتب ومفكر ومحلل فلسطيني

المصدر : غير معروف