د. عبد الوهاب المسيري

كانت فلسطين بحكم موقعها نقطة انطلاق لأصحاب الأحلام الإمبراطورية. فحينما فكر الإسكندر الأكبر في تكوين إمبراطوريته الهيلينية فتح فلسطين ومصر، وهكذا فعل الرومان من بعده. وقد تصاعدت الرغبة في الاستيلاء على فلسطين مع زيادة شراهة التشكيل الاستعماري الغربي الحديث.

فقد حاول نابليون أن يستولي على فلسطين، وأن يؤسس فيها دولة يهودية حتى يسد على الإنجليز الطريق إلى الهند. كما ساند كثير من المفكرين الاستعماريين الإنجليز فكرة إنشاء دولة يهودية في فلسطين تضم البريطانيين اليهود "بوصفها وسيلة لتأمين الطريق إلى الهند" التي كانت توصف بأنها جوهرة التاج البريطاني.

ولأن الاستعمار الغربي كان يرى فلسطين باعتبارها بوابة غزو الشرق وتأمين خطوط الإمداد للهند، فقد حرصت الحركة القومية الهندية على أن تبقى فلسطين عربية حتى لا تستخدم كقاعدة للهجوم على الهند أو الإضرار بها. ففي فبراير/شباط 1938 أصدر "حزب المؤتمر الهندي" قراراً يدين بريطانيا لقيامها بتبني مشروع لتقسيم فلسطين.

وسجل الحزب إدانته الشديدة لاستخدام سياسة القمع في فلسطين لإجبار العرب على قبول الوضع الجديد. وعبّر الحزب عن تعاطفه الكامل مع العرب في صراعهم ضد الاستعمار من أجل الحرية.


يفند غاندي الادعاء الصهيوني بضرورة إقامة وطن لليهود في فلسطين قائلا: إن التصرف النبيل يقضي بأن يتلقى اليهود معاملة عادلة حيث وُلدوا وتربوا، وأن يعوضهم الغربيون عما اقترفوه في حقهم من جرائم
وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، تبنى الحزب قراراً يطالب بريطانيا "بالتخلي عن سياستها وترك الأمر لليهود والعرب لإصلاح ما بينهم من مشكلات"، كما ناشد الحزب اليهود "بألا يتخذوا من الإمبريالية البريطانية ملاذاً لهم".

وكان المهاتما غاندي برفضه الاستعمار والعنف هو العامل الأساسي المؤثر في تشكيل وجهة النظر الهندية نحو القضية الفلسطينية. ففي إحدى افتتاحيات صحيفة الهاريغان عام 1938 عبَّر غاندي عن تعاطفه مع يهود أوروبا المضطهدين، ولكن هذا لم يمنعه من أن يرى الفلسطينيين على أنهم بشر وليسوا مجرد وحدات إحصائية.

ومن هذا المنظور أدان غاندي الصهيونية واتجاهاتها العدوانية واللاأخلاقية، وكتب يقول "إن الدعوة إلى إنشاء وطن لليهود لا تعني الكثير بالنسبة لي، إذ إن فلسطين تنتمي للعرب تماماً كما تنتمي إنجلترا للإنجليز أو فرنسا للفرنسيين، ومن الخطأ فرض اليهود على العرب، وما يجري الآن في فلسطين لا علاقة له بأية منظومة أخلاقية".

ويمضى غاندي في مقاله مفنداً الادعاء الصهيوني بأن إقامة "وطن قومي" لليهود على أرض فلسطين يُعد حلاً لمشاكل الجماعات اليهودية في أوروبا، فيقول: "إن التصرف النبيل يقضي بأن يتلقى اليهود معاملة عادلة، حيث وُلدوا وتربوا، وإذا كان اليهود قد عانوا على يد العالم الغربي، فعلى الغربيين إذن أن يعوضوهم عما اقترفوه في حقهم من جرائم".

وفي المقال نفسه حذر غاندي يهود فلسطين من الصهيونية والعدوانية العرقية، وتساءل "لماذا لا يقوم اليهود الصهاينة -شأنهم شأن كل شعوب الأرض- بأن يجعلوا وطنهم البلد الذي وُلدوا فيه ويكسبون رزقهم على أرضه". ثم أضاف "إذا لم يكن لليهود أي وطن غير فلسطين كما يدعون، فهل يمكنهم أن يتقبلوا فكرة طردهم من بقية أرجاء العالم".

ثم دفع غاندي بهذه الأطروحة إلى نهايتها المنطقية حين قال "إن الدعوة لإنشاء وطن قومي لليهود سيقدم مبرراً قوياً لطرد اليهود من ألمانيا". ويميز غاندي بين الارتباط الديني اليهودي بفلسطين والرغبة الصهيونية الاستعمارية في الاستيلاء عليها، فيقول "إن فلسطين التي يرد ذكرها في الكتب المقدسة ليست موقعاً جغرافياً، إنها في قلب اليهود، وعن طريق التفاوض يمكنهم أن يحولوا المشاعر العربية لصالحهم، فالفعل الديني لا يمكن أن يتم عن طريق السلاح أو العنف".

واستمر غاندي قائلاً إنه رغم أنه كان يتمنى أن يختار العرب المقاومة السلمية، فإنه لا يمكن أن يلقي باللوم على المقاومة التي انتهجوها "فقد تآمر اليهود (أي الصهاينة) مع البريطانيين على نهب أناس لم يلحقوا بهم أي أذى".

وعندما سئل المهاتما غاندي في الأربعينيات عن رأيه في القضية الفلسطينية أجاب بأنها أصبحت قضية لا حل لها، واستطرد موضحاً سبب ذلك في رأيه فيقول "لو كنت يهودياً لقلت للصهاينة: كفاكم سخفاً ولا تلجؤوا للإرهاب لأنكم بذلك تضرون بقضيتكم التي كان من الممكن أن تصبح قضية عادلة دون اللجوء لمثل هذه الوسائل".
وقد حاول الفيلسوف الصهيوني مارتن بوبر إقناع غاندي بوجهة النظر الصهيونية فكتب له قائلا "إن المستوطنين الصهاينة لم يأتوا إلى فلسطين بوصفهم مستعمرين، ولم يأتوا من الغرب ليقوم السكان الأصليون بالعمل نيابة عنهم.. إنهم يعملون بأيديهم ويحملون المحراث على أكتافهم".
ثم أضاف بوبر في لغة صوفية "هذه الأرض تعرفنا لأننا نعرفها".

ولم يكلف غاندي خاطره بالرد على خطاب بوبر لأنه كان يعلم تمام العلم أن الصهاينة هم في نهاية الأمر مجموعة من المستعمرين الاستيطانيين الإحلاليين الذين يسعون إلى الاستيلاء على أرض الغير، وذلك رغم كل اعتذارياتهم المصقولة، ورغم كل الذرائع الدينية والتاريخية التي يخفون وراءها حقيقة مشروعهم الاستعماري.


يكن غاندي احتقاراً عميقاً للصهيونية ولكل ما تتسم به من انتهازية، ويعتقد بأن "الدولة اليهودية" المنشودة -آنذاك- لن تكون سوى إضافة جديدة لمستعمرات الرجل الأبيض وقاعدة لحماية المصالح الاستعمارية
وفي مقال كتبه في يوليو/تموز 1946 بيّن غاندي موقفه من العنف الصهيوني (ربما للمرة الأخيرة في حياته) فعبر عن حزنه لمعاناة اليهود في أوروبا، وأشار إلى أن التحامل على اليهود المبني على قراءة خاطئة للعهد القديم هو وصمة عار في جبين العالم المسيحي بأجمعه. ثم أضاف "لقد تصورنا أن المحنة ستعلم اليهود درس السلام"، ولكن ما حدث هو العكس، إذ يحاول اليهود فرض أنفسهم على فلسطين بمساعدة الأسلحة البريطانية والأموال الأميركية، ومؤخراً عن طريق الإرهاب المباشر".

وتثير آراء المهاتما غاندي عدة ملاحظات، من بينها:

- أن غاندي يستخدم كلمة "اليهود" للإشارة إلى المستوطنين الصهاينة على وجه الخصوص وليس اليهود بشكل عام ومطلق. وقد استندت الدعاية الصهيونية إلى بعض العبارات الواردة في مقالات غاندي وتصريحاته -بعد اقتطاعها من سياقها- لوصمه بتهمة "العداء للسامية" (أي العداء لليهود)، وهي تهمة جاهزة تُوجه لكل من يجرؤ على انتقاد المشروع الصهيوني، ولم يسلم منها كثير من الكتاب والمفكرين والسياسيين على مر العصور، من شكسبير وحتى كورت فالدهايم وروجيه غارودي.

غير أن أية نظرة منصفة لهذه العبارات والمواقف في إطار الرؤية الكلية لغاندي تبين أنه بعيد كل البعد عن أية نزعات عنصرية، ولعل تعاطفه مع محنة يهود أوروبا أكبر دليل على تمييزه بين اليهود كجماعة بشرية والمستوطنين الصهاينة كجزء من المشروع الاستعماري، وهو في هذا لا يختلف عن كثير من العرب الذين يشيرون إلى "اليهود" وهم يعنون في واقع الأمر الصهاينة.

- كان الدافع الأساسي لتعاطف غاندي مع معاناة يهود أوروبا هو نزعته الإنسانية ورفضه لكل أشكال العنف والاضطهاد وإيمانه بفكرة المقاومة السلمية، إلا أن ذلك لم يدفعه للتخلي عن تعاطفه مع عرب فلسطين ومع حقوقهم المشروعة ورفضه لما يتعرضون له من عدوان.

ويعد هذا موقفاً أخلاقياً مركباً ومتسقاً يعجز الكثيرون في الغرب عن التوصل إليه. فإذا كان اضطهاد الجماعات اليهودية في بعض بلدان أوروبا أمراً يستوجب الإدانة والرفض، فإن هذا الموقف لا يكتمل إلا برفض وإدانة أي شكل من أشكال الاضطهاد تتعرض له أية جماعة بشرية أخرى، ولا سيما إذا كان ضحايا الأمس هم أنفسهم من يرتكبون جرائم اليوم ويلتمسون لها مختلف الأعذار.

- يكنّ غاندي احتقاراً عميقاً للصهيونية ولكل ما تتسم به من انتهازية، فقد أدرك المهاتما أن الدولة الصهيونية أنشئت عن طريق "الأسلحة البريطانية" التي دفعت فاتورتها كل من بريطانيا وأميركا، ومن ثم أحس أن "الدولة اليهودية" المنشودة لن تكون سوى إضافة جديدة لمستعمرات الرجل الأبيض وقاعدة لحماية المصالح الاستعمارية.

- أدان المهاتما مراراً أشكال العنف الصهيوني في فلسطين، واعتبرها نوعاً من الإرهاب. ولا شك أن مثل هذه الإدانة تمثل صدمة للعالم الغربي الذي يقبل الإرهاب الصهيوني للعرب وإجلاء الفلسطينيين عن ديارهم بالقوة العسكرية وتدمير قراهم وحقولهم ومصادرة حقوقهم، في حين يصنف المقاومة الفلسطينية لهذه الأعمال باعتبارها إرهاباً.

ورغم نبذ غاندي لأشكال المقاومة العنيفة فإن موقفه يعكس تفهماً واعياً للدوافع التي حدت بالفلسطينيين إلى انتهاج هذا الشكل من أشكال المقاومة في مواجهة عدوان يهدف إلى محوهم من المكان والزمان على حد سواء.


رغم نبذ غاندي لأشكال المقاومة العنيفة فإنه يبدي تفهماً واعياً لدوافع الفلسطينيين لانتهاج المقاومة المسلحة في مواجهة عدوان يهدف إلى محوهم من المكان والزمان
وربما كان موقف غاندي هذا أكثر تطوراً من مواقف بعض المسؤولين العرب الذين يسارعون إلى إلقاء اللوم على الفلسطينيين والمساواة بين صور العنف الصهيوني والمقاومة المشروعة له بدعوى أن الاثنين يندرجان تحت المسمى الفضفاض "أعمال العنف"، بالإضافة إلى إسداء النصح للفصائل الفلسطينية بالتحلي بمزيد من "التعقل" و"الاعتدال"، وهي نصيحة لا تعني سوى القبول بالأمر الواقع، الصهيوني بطبيعة الحال.

- تبين آراء غاندي أنه لا يمكن اعتبار العداء العربي للصهيونية ولإسرائيل أمراً غير عقلاني أو بدافع من نزعة قومية متعصبة أو من "عقد" ورواسب نفسية. فالقادة غير العرب -من أمثال غاندي- يشتركون مع العرب في وجهات النظر لأن القضية الفلسطينية قضية أخلاقية بالدرجة الأولى، حيث إنها تنطوي على قاعدة أخلاقية بسيطة ألا وهي أن الإنسان يجب ألا يخضع للعنف والظلم وأنه يجب أن يدافع عن أرضه وكرامته ضد المستعمرين والمستغلين.

فالعداء العربي لإسرائيل متجذر في الواقع التاريخي/الاجتماعي للقارة الآسيوية، ولا يمكن توجيه تهمة العدوانية لمن يدافعون عن وطنهم ويقاومون كتلة بشرية وفدت من أوروبا -بدعم استعماري غربي- وادعى أعضاؤها أن هذا الجزء من آسيا يخصهم منذ ألفي عام.

ولكل هذه الأسباب تكتسب آراء غاندي الإنسانية أهمية قصوى في التصدي للدعاية الصهيونية وتفنيد بعض الادعاءات التي يستند إليها المشروع الصهيوني. ونظراً للمكانة التي يحظى بها زعماء من أمثال غاندي في الأوساط الغربية، فمن الضروري أن يسعى الإعلام العربي لإلقاء الضوء على هذه الأفكار والمواقف في الدوائر الغربية، باعتبار ذلك أحد الأساليب التي قد تغير من إدراك الغرب للصراع العربي الإسرائيلي.
ـــــــ
مفكر مصري

المصدر : غير معروف