بقلم: غراهام فولر



قد يكون الدين
مصدرا للنزاع، لكنه ليس السبب الحقيقي للصراعات بين أتباع الديانات المختلفة، فهناك خلافات حقيقية وملموسة بين الناس والدول، كالمصالح والصراع على الأرض والموارد وغيرها

مرة أخرى خلال هذا العام تأتي الأعياد الدينية لأتباع الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام متعاقبة يفصل بين كل منها أسبوع واحد تقريبا: الهانوكاه ثم عيد الفطر ثم عيد الميلاد. وهي مصادفة رائعة لأنها تجعل الناس يتأملون أكثر في القواسم المشتركة والاختلافات بين هذه الأديان وفي الفجوات التي نشأت بينها جميعا هذا العام.

كان عام 2001 عاما سيئا على السلام والتعايش الديني. فإلى جانب المآسي المستمرة في كثير من دول العالم شهدنا أحداثا مفجعة تمثلت في الهجوم على مركز التجارة العالمي، وشهدنا أيضا الحرب الأميركية على أسامة بن لادن ونظام طالبان في أفغانستان، وكذلك التصعيد الدراماتيكي للانتفاضة في فلسطين مع اجتياح ورد وحشي من جانب إسرائيل، وقد بدا معها السلام والأخوة والتسامح قيما بعيدة جدا.

من الظواهر الشائعة أن نرى كثيرا من الكتاب وخصوصا في الغرب يعتبرون الدين بحد ذاته سببا للصراع. إنهم يستشهدون بالتعصب الذي يبديه بعض أتباع كل دين الذين يميزون بين المؤمنين الحقيقيين والذين يعتقدون أمورا مختلفة عنهم. ومن الطبيعي أن يعتقد المؤمنون في كل دين أن دينهم هو الصحيح حتى لو كان لهم موقف متسامح مع وجود أديان أخرى. إن غالبية المتدينين في العالم يوافقون على أن الأديان الأخرى قد تحتوي هي الأخرى على أشياء كثيرة متشابهة وحقائق يمكنهم أن يقبلوها حتى لو كانوا مقتنعين بأن دينهم هو الأفضل وهو الصحيح. إن مجموعة صغيرة فقط من المؤمنين المتعصبين هم الذين يرفضون من حيث المبدأ وجود أديان أخرى ويعتقدون بوجوب القضاء عليها أو على الأقل عدم السماح لأتباع تلك الأديان بممارسة شعائر دينهم في بلد هؤلاء المتعصبين. وفي العالم الإسلامي فإن المذهب الوهابي وحده هو الذي منع أتباع الديانات الأخرى من ممارسة شعائرهم الدينية داخل البلد حتى لو كان هذا الرأي مناقضا لرسالة الإسلام نفسه.

ولا شك أن هناك بعض الحقيقة في الرأي الذي يرى إمكانية أن يكون الدين مصدرا للنزاع. إلا أنني أعتقد كما أوضحت في مقال سابق أن الدين ليس السبب الحقيقي للنزاع، فالأكثر احتمالا هو وجود خلافات حقيقية وملموسة بين الناس والدول، كالمصالح والتنافس والصراع على الأرض والموارد والقوة العسكرية والصدامات الشخصية بين الزعماء، تسبب النزاع والأحقاد. وإذا تصادف وجود هذه الخلافات مع خلافات دينية فإننا نتحدث عن "حروب دينية" كتلك التي هيمنت على أوروبا الغربية لعدة قرون وهيمنت على العالم الإسلامي أيضا كما حدث بين الإمبراطورية العثمانية وإيران أو بين الفاطميين في مصر والدول السنية في المشرق.

ويملك جميع الناس والزعماء خيار التأكيد إما على الخلافات أو القواسم المشتركة بين الأديان. فعندما تكون العلاقات جيدة بين الدول والناس فإننا نميل إلى التأكيد على القواسم المشتركة بيننا وعلى الأمور التي نتفق عليها. فالمسيحيون تحدثوا لقرون عديدة عن اليهود باعتبارهم "قتلة المسيح"، إلا أنهم بدؤوا في القرن الأخير يتحدثون عن "تراث يهودي-مسيحي" مشترك وهو ما ساعد على التخلص من حالة العداء بين اليهود والمسيحيين على المستوى الديني. ومثل ذلك ما بدأنا نسمعه في العقود الأخيرة من كلمات مثل "أبناء إبراهيم" والتي تستخدم لتشمل اليهود والمسيحيين والمسلمين جميعا ضمن مجموعة واحدة تشترك في عقيدة واحدة. ولكن عندما يوجد العداء لأي سبب فإن الاختلافات بين العقائد -وهي اختلافات حقيقية في بعض المسائل العقدية المحددة- تصبح أرضية للعداء والعنف أيضا.

لدي بعض الشك في أن الاختلافات بين اليهودية والإسلام ترجع إلى النزاعات بين إسرائيل وجيرانها العرب أكثر من كونها خلافات حقيقية بين اليهودية والإسلام، لكن بشاعة النزاع على الأرض وقضايا الاحتلال والصراع العرقي واللاجئين انتقل إلى ساحة الدين. إن هذا أحد أخطر عناصر المشكلة العربية-الإسرائيلية اليوم، فالناس على الجانبين يتحدثون بشكل متزايد عن "يهود" و"مسلمين" وليس عن "إسرائيليين" و"عرب"، كما لو أن القضية دينية في أساسها.

باستطاعة الدين إذن أن يساعدنا على التوحد أو الانقسام حسب الوضع المطلوب. يستطيع الناس أن يجدوا تلك العناصر في دينهم والتي تفسر سبب العداء بين الناس أو تشير إلى وجود قاسم مشترك بين الأديان. إن الخلافات والقواسم المشتركة موجودة كلها هناك، ولكن بأي منهما نريد أن نأخذ؟ إن هذا يعتمد على برنامجنا السياسي في الوقت المعين.

لقد تغيرت المواقف من الدين تغيرا بطيئا في الغرب بعد عدة قرون من الحروب الفظيعة بين الأديان المختلفة فيه وهي الكاثوليكية والأشكال المختلفة من البروتستانتية والأرثوذكسية المسيحية. فقبل كل شيء سمح الغرب بشكل عام ومنذ بداية حركة الإصلاح الغربية لأتباع الأديان المختلفة بممارسة شعائرهم الدينية بشكل قانوني داخل الدولة الواحدة. كما أن الدولة لم تكن تهتم كثيرا بتعزيز وتقوية دين على آخر. ويعود ذلك بصورة جزئية إلى مصلحتها في بناء دول قوية ومتناغمة فيما بينها وخالية من النزاعات الداخلية. لكن الأكثر أهمية هو أن أتباع كل دين بدؤوا تدريجيا بالابتعاد عن التركيز على المعتقدات والقوانين والشرائع الخاصة بدينهم، أو بدؤوا يفسرونها بشكل مختلف في ضوء ظروف الحياة العصرية. لقد أصبح هناك تركيز على روح الدين أكثر من التركيز على نصوصه وهو ما أدى إلى "تليين" المعتقدات الدينية فأصبحت الممارسات ووجهات النظر الدينية أقل صلابة وقسوة.

فعلى سبيل المثال لم يعد ذهاب الناس إلى الكنائس اليوم في أميركا إلزاميا مثلما كان عليه الحال في القرن السابع عشر في ولاية ماساشوسيتس عندما كان المستعمرون البيوريتانيون يجبرون الناس على الذهاب إلى الكنيسة. كما أن القوانين التي فرضوها بحظر الموسيقى وارتداء الملابس الملونة والرقص وحتى شرب الخمر اختفت هي الأخرى. ونفس الأمر ينطبق على كثير من الجماعات الدينية الأخرى في أميركا.



ينبغي على أتباع الأديان المختلفة تحديد المدى الذي يمكنهم فيه إحداث تغييرات وإصلاحات دينية مع بقائهم أوفياء لمبادئهم الأساسية

قد يجادل البعض بأن "تليين" الدين هذا أو إصلاحه هو بداية النهاية لذلك الدين لأن ضعف القوانين الدينية أو تجاهلها من جانب الناس يجعل الدين يفقد معناه وقيمته. وقد يكونون على حق في هذا، ولكن ما هو الجزء الأكثر أهمية في الدين؟ لقد جرى تليين الدين وإصلاحه في أميركا بصورة كبيرة جدا ومع ذلك تظل أميركا أكثر الدول تدينا بين الدول الصناعية المتقدمة. ولذلك فإن كلا من المسيحيين أو اليهود أو المسلمين سيجدون في هذا موضوع قضية ساخنة يناقشونها بينهم لكي يحددوا إلى أي مدى يمكن "إصلاح" دينهم أو "إعادة تفسيره" أو "تحديثه" مع بقائهم مخلصين وملتزمين بمبادئه الأساسية.

قد يكون أهم عنصر للتغيير الديني في الغرب اليوم هو التركيز أكثر على روح القوانين الدينية وليس نصوصها. والروحانية تتحدث عن الكيفية التي ينظر الفرد فيها إلى الخالق والخلائق. ما هي نوع العلاقة التي بين الفرد والخالق وماذا تعني بالنسبة لحياة ذلك الفرد؟ هل نرى صنع الله في كل الأشياء؟ هل ذلك مصدر إلهام وسعادة لنا؟ هل يساعدنا ذلك على فهم المآسي في حياتنا ومن ثم التغلب عليها؟ هل تساعدنا على أن نكون في حال أفضل؟ بهذه الطريقة تساعدنا الطقوس في تذكر عقيدتنا ووجهة نظرنا الشخصية عن الخالق وخلقه، لكن الأحكام والقوانين ليست جوهر الدين. وربما تعبر بعض عناصر الصوفية أو أفكار ابن عربي حول الإسلام عن نفس الأفكار التي قلتها. ويمكننا أن نلحظ هذه المعاني الصوفية في لجوء المسلمين إلى الغيبية والروحانية وتكريس كل عمل يعملونه لنيل رضا الخالق. وعندما يركز الدين على هذه العناصر الروحية تكون مساحة العداء الموجه إلى آراء أصحاب الأديان الأخرى أصغر وأقل. إنني أعتبر الاتجاه نحو قدر أكبر من الروحانية هو التغير الرئيسي الذي يحدث في كل الأديان اليوم.

وفي نفس الوقت فإن الأديان والثقافات الخاضعة لضغوط كبيرة -سياسية ودولية واقتصادية وظروف اجتماعية قاهرة ومعاناة- تحبذ في الغالب العودة إلى الأحكام والقوانين الدينية لاستلهام القوة منها عندما يشعر أصحاب تلك الأديان والثقافات أنهم تحت الحصار. وانطلاقا من هذا الفهم أعلن الشيشان تطبيق الشريعة الإسلامية عندما دمرت الطائرات الروسية عاصمتهم. ومن نفس الأرضية صوت مسلمو نيجيريا على تطبيق الشريعة الإسلامية لتقوية مجتمعهم بعد خوفهم من الضغوط التي يمارسها عليهم المسيحيون في الجنوب. وتحت ظروف القمع والقهر تحول الإخوان المسلمون في فلسطين إلى العنف و"الإرهاب".

وربما كان الأمر أن ظروف حياتنا تؤثر على الطريقة التي نفكر فيها بخصوص ديننا. إن المجتمعات والثقافات المختلفة تهتم بالأحكام والقوانين كونها مصدرا للراحة والقوة عندما تكون تلك المجتمعات واقعة تحت الضغط، ولكن عندما تكون هذه الظروف أقل قسوة يكون اهتمام الناس أقل بهذه الأحكام والقوانين ويفكرون أكثر بالروحانية الموجودة في دينهم. وإذا تحسنت الظروف السياسية والاجتماعية فهل سيكون أيسر لنا قبول بطاقة معايدة مشتركة مكتوب عليها "عيد مبارك، هانوكاه سعيد، وعيد ميلاد سعيد"؟

للمشاركة بالرأي والتعليق

المصدر : غير معروف