بقلم/ مريم بنت زيدون

- ظهور الفيروس وانتشاره
- سارس والضجة الإعلامية
- الشكوك والشائعات
- الحيوانات البرية متهمة
- الفيروسات تهدد البشر

لم تكد فرحة السنة 2004 تكتمل حتى أعلن عن ظهور حالة جديدة من مرض الالتهاب الرئوي الحاد "سارس" بعد أن كانت منظمة الأمم المتحدة للصحة قد أعلنت منذ ستة أشهر عن احتوائه.

والحقيقة أنه مما يدعو للخوف والفزع أن يقف العالم مكتوف الأيدي أمام انتشار هذا الفيروس الشرس الغامض الذي يتسلل في الهواء ويلتصق بأزرار المصاعد ومقابض الأبواب وينتقل بين ثياب المسافرين في الطائرات عبر العالم. ومع عودته تعود أسئلة السنة الماضية نفسها وتضاف أسئلة جديدة، فكيف ظهر هذا الفيروس فجأة؟ وكيف انتشر بهذه السرعة؟ ما سر الشكوك والشائعات حوله؟ هل هنالك ما يدعو لكل هذه الضجة الإعلامية والهلع والخوف؟ وهل نعطي الفيروسات حقها من الدراسة والنظر؟


كانت الأخبار الأكثر سوءا هي إعلان العلماء والأطباء عجزهم عن إيجاد علاج شاف للمرض مما أصاب العالم بحالة من العلع الشديد
ظهور الفيروس وانتشاره
يسبب مرض الالتهاب الرئوي الحاد المعروف بـ"سارس" فيروس من عائلة الفيروسات الإكليلية التي تسبب أيضا نزلات البرد العادية للإنسان، وقد ظهرت أول حالة منه في الصين في نوفمبر/ تشرين الثاني 2002، وأعلن عنه رسميا أواخر شهر مارس/ آذار من السنة الماضية، وهو مرض فيروسي حاد تكمن خطورته في كونه:

  • ينتشر بسرعة وفي فترة قصيرة عن طريق الرذاذ التنفسي وسوائل الجسم.
  • لديه ارتباط بحركة السفر العالمي إذ إن عددا ليس بقليل من المرضى تم انتقال العدوى إليهم عن طريق الجلوس قرب مريض أثناء السفر، بالإضافة لذلك انتقلت العدوى إلى طاقم الطائرات والعاملين الصحيين الذين قاموا بالكشف على المرضى وتقديم الرعاية الصحية لهم.
  • لا يوجد له علاج نوعي أو لقاح حتى الآن.

وقد انتشر هذا الفيروس الغامض بشكل وبائي في عدد من الدول في قارات آسيا والأميركتين وأوروبا وحتى في أفريقيا اعتبارا من فبراير/ شباط 2003، وأصيب به نحو 8500 شخص توفي منهم 800 شخص.

سارس والضجة الإعلامية
لم يكد الإعلان عن المرض الجديد يتم حتى اتجهت الأنظار إلى الدول الآسيوية المتضررة وخاصة الصين التي عاملت الفيروس في بدايته بطريقتها التقليدية في التأني والتكتم.

وقد لعبت القصة التي رويت عن الطريقة التي خرج بها المرض من المدينة التي ظهر فيها دورا كبيرا في نشر الرعب والخوف وتحويل هذا المرض إلى وحش من وحوش أفلام الرعب يتسلل بخفة ونشاط وذكاء عبر قارات العالم، حيث تروي القصة فيما يتجاوز ما أنتجه خيال الأفلام أن وباء غامضا ظهر في منطقة "جوانغ دونغ" في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2002.

حاولت السلطات الصينية التغطية عليه لكن في 21 فبراير/ شباط 2003 وصل طبيب صيني متخصص في أمراض الكلى من "جوانغزو" المدينة الصناعية القريبة من منطقة "جوانغ دونغ" إلى فندق من فنادق هونغ كونغ ليقضي إجازة رأس السنة الصينية، لكن صحة الرجل تدهورت فجأة وبدأت تظهر عليه أعراض التهاب رئوي حاد.

ثم يلتقي صدفة بعجوز كندية من أصل صيني، تلتقط العجوز المرض لتظهر عليها أعراضه عند عودتها إلى مدينة تورنتو في كندا، وتموت العجوز لكن بعد أن نقلت العدوى إلى أفراد أسرتها.

ويدخل ابن العجوز مستشفى خاصا فينقل العدوى لمريضين كانا معه في نفس العنبر، لكن إدارة المستشفى تهاونت وتكتمت خوفا على سمعتها فانتقل المرض لتورنتو كلها حتى وصل الأمر إلى أن تعلن منظمة الصحة العالمية تورنتو مدينة موبوءة.

وانتشر الخبر انتشار النار في الهشيم متصدرا عناوين الأخبار العالمية، ناشرا الرعب والفزع بين الناس، وكانت الأخبار الأكثر سوءا هي إعلان العلماء والأطباء عجزهم عن إيجاد علاج شاف للمرض مما أصاب العالم بحالة من الهلع الشديد أدت إلى شبه انهيار اقتصادي عالمي.


ذهب البعض إلى أن الصين صنّعت "سارس" في مخابرها الخفية التي تعد فيها العدة لمواجهة أميركا في الألفية الثالثة، وذهب آخرون إلى أن أميركا هي التي نفثته من أقمارها الصناعية فوق الصين لتهدم اقتصادها
الشكوك والشائعات
ومع الإعلان المتكرر لعجز العلماء والأطباء عن فهم السبب الحقيقي لظهور المرض والمكان الذي جاء منه انتشرت الشائعات والنظريات والافتراضات التي كانت في بعض الأحيان ترد من الأطباء أنفسهم، حيث نشر فريق من العلماء يقوده البروفيسور تشاندرا ويكراماسنغ من جامعة كارديف في ويلز آنذاك بمجلة لانست الطبية البريطانية رأيا يقول إن فيروس "سارس" الذي ينتمي إلى نوع الفيروسات التي يطلق عليها اسم كورونا لا يشبه في كثير من الصفات بقية الفيروسات الأرضية، وإن الفيروس قادم من الفضاء الخارجي.

وانبرى عدد من الخبراء يرددون بسخرية قائلين إن هذه النظرية نفسها جاءت من كوكب آخر، وإن الفكرة القائلة إن الفيروس جاء من النجوم تتعلق بالنظرية القائلة إن الحياة نفسها جاءت من الفضاء.

كما أثار التهويل الإعلامي الغربي للمرض الكثير من التساؤلات، فقد اعتبر البعض أنه يحمل في طياته دعوة لمقاطعة الصين اقتصاديا ويسعى للتأثير على اقتصاديات بعض دول جنوب شرق آسيا وإلحاق الضرر بها.

وأخذ محللون اقتصاديون يقارنون بين الضجة التي حظي بها "سارس" وبين الأوبئة التي تضرب دولا عديدة في أنحاء العالم وتؤدي إلى مقتل الملايين من البشر دون أن يصاحبها هذا الضجيج الإعلامي. فتقارير منظمة الصحة العالمية تتحدث عن وفاة شخص كل ثلاثين ثانية في أفريقيا بسبب وباء الملاريا ومع ذلك نسمع بالكاد عن هذه الكارثة الإنسانية.

وكان من الطبيعي أن يقفز إلى الأذهان أن الفيروس تطور وولد داخل مختبرات إنتاج الأسلحة البيولوجية، ففي زماننا هذا بات من المرجح أن صناعة الوباء تبدأ من المعمل، ويذكر بعض العلماء والباحثين في هذا السياق أن فيروس الإيدز بدأ كفيروس في القردة في غرب أفريقيا ثم تحول إلي فيروس قاتل مع تدخل علمي معملي أخرجه عن نطاق التحكم ليتحول إلى واحد من أشد أمراض العصر فتكا.

وفي هذا الاتجاه ذهب البعض إلى أن الصين صنّعت "سارس" في مخابرها الخفية التي تعد فيها العدة لمواجهة أميركا في الألفية الثالثة، وذهب آخرون إلى أن أميركا هي التي نفثته من أقمارها الصناعية فوق الصين لتهدم اقتصادها وتعيق نموها وتقف في وجه صادراتها الرخيصة.

الحيوانات البرية متهمة
بعد عودة المرض من جديد كان لابد من تحديد مسؤول ولو لم يتم التأكد من الأمر بعد، وتتجه أصابع الاتهام إلى القطط البرية المعروفة باسم قطط الزباد، حيث أعلن الصينيون أن الاختبارات أظهرت تشابه عينة جين فيروسي أخذت من المنتج التلفزيوني المريض مع فيروس وجد في قط الزباد الذي يباع في الأسواق المحلية الصينية كأحد الوجبات الشهية. وذكر مؤخرا أن سلطات البلاد تعتزم إعدام نحو عشرة آلاف من هذه القطط، كما ستغلق أسواق الحيوانات البرية في إقليم غواندونغ الجنوبي للقضاء على كل مصدر محتمل للفيروس.

والحقيقة أن الشكوك في علاقة الحيوانات البرية لها ما يدعو إلى تصديقها:
- فالجرذان هي المسؤولة عن نشر الطاعون الذي أطلق عليه الموت الأسود وأدى إلى موت الملايين في جميع أنحاء العالم خلال القرون الوسطى.

- ويعتقد أن الطيور نقلت فيروس الأنفلونزا "العملاق النائم" الذي راح ضحيته ما بين 20 و40 مليون شخصا في أوروبا بين عامي 1918 و1919.

- أما القردة فمسؤولة عن نقل فيروسي الإيدز وإيبولا في أفريقيا.

- وحتى الحيوانات الداجنة لها نصيب من التهمة بعد جنون البقر والحمى القلاعية وحمى الوادي المتصدع وأنفلونزا الدجاج.

وفي حالة سارس الذي بدأ من الصين تزيد الأمر سوءا ظاهرة انتشار أكل لحوم الحيوانات البرية بين السكان، حيث تشتهر المطاعم في تلك الأقاليم بتقديم كل ما يطلق عليه اسم "لحم" وتشمل القائمة الأفاعي والكلاب والقطط والجرذان وهي قائمة طويلة تنتهي بالخفافيش والصراصير والديدان.


المثير للقلق أن هذا الفيروس ما هو إلا فيروس واحد من عشرات الفيروسات التي تهدد العالم والتي تزداد قائمتها يوما بعد يوم بأنواع لم تكن معروفة من قبل
الفيروسات تهدد البشر
ينذر العلماء بأن الإجراء الذي ستقدم عليه الصين ينطوي على مخاطر يخشون أن تتمخض عن مفاجآت لم تكن في الحسبان.

فعملية القبض على عشرة آلاف قط بري وإعدامها أمر يتطلب الكثير من الحيطة والحذر حتى لا يتسرب الفيروس إلى الذين سيقومون بالعملية، أو يتسرب في الأمكنة التي ستكون فضاء لهذه المهمة.

كما أنهم يخشون من أن الإعلان عن التخلص من هذه الأعداد الكبيرة من هذا الحيوان الذي كان مصنفا بأنه معرض للانقراض ربما تغري تجار الحيوانات بإخراج أعداد منه إلى الخارج أملا في الربح مما يزيد الأمر تعقيدا ويفشل محاولات احتواء الفيروس.

لكن المثير للقلق والذي لم يتم التعرض له بالقدر الكافي في الضجة الإعلامية التي أثيرت حول مرض سارس، هو أن هذا الفيروس ما هو إلا فيروس واحد من عشرات الفيروسات التي تهدد العالم والتي تزداد قائمتها يوما بعد يوم بأنواع لم تكن معروفة من قبل.

ويوضح العديد من العلماء أن امتداد المدنية إلى مناطق لم تكن مأهولة في الماضي وضعت الإنسان في تماس مباشر مع ما يصفونه بمستودعات طبيعية لفيروسات موجودة منذ القدم.

والسؤال المطروح هو هل بإمكان تهديد كائنات مجهرية أن يوقف سعي الإنسان في الحصول على المزيد من المساحات بإزالة الغابات أو الحصول على المزيد من المتعة والإثارة بأكل لحوم كل ما يهب ويدب على وجه الأرض؟

ولعل أصدق من يجيب على ذلك هم العلماء حيث ظهرت في الفترة الأخيرة دراسات عديدة في هذا الخصوص كان من أبرزها ما حذر منه العالم البريطاني البارز ستيفن هوكينغ -وهو أستاذ للرياضيات في جامعة كمبريدج بإنجلترا- من أن الجنس البشري مهدد في وقت ليس بالبعيد بالإبادة بالفيروسات.

ويميل العالم البريطاني إلى الاعتقاد بأن التهديدات القادمة قد لا تكون تقليدية، ولكنها تتميز بالبساطة التي تحدث ضررا أكبر من الأسلحة المعروفة كالأسلحة النووية.

وجاءت تصريحات هوكينغ في وقت تنامى فيه الفزع في الولايات المتحدة من هجوم جرثومي محتمل بعد وصول رسائل آنذاك تحتوي على مرض الجمرة الخبيثة إلى أميركا، وقد نشر هوكينغ نظرياته تلك في كتابه "تاريخ مختصر للزمن" الذي حقق أعلى المبيعات.

وهذه النظريات التي يطرح لها هوكينغ حلولا خيالية وليست متاحة للجميع وهي بناء مستعمرات فضائية والسفر إليها عندما تجتاح الفيروسات كوكب الأرض تتعلق بالفيروسات المنتجة كسلاح بيولوجي.

لكن ما يمكن ملاحظته ببساطة هو الفرق الكبير بين غزو من صنع الإنسان وآخر من صنع الطبيعة فالأول وإن كان أشد فتكا كما يتبادر إلى الأذهان إلا أن مقارنة بسيطة بين سرعة احتواء مرض الجمرة الخبيثة السنة قبل الماضية وقلة ضحاياه نظرا لتوفر الدواء واللقاحات وما حصل للعالم من فشل في احتواء سارس وعجز عن اكتشاف مصدره لمما يدعونا إلى النظر من جديد، فهل نحن فاعلون؟
ــــــــــــــــــ
كاتبة موريتانية

المصدر : صحيفة برلنفسكي الدانماركية