بقلم/ ياسر الزعاترة

في سياق جدلية الشيعة والسنة التي غدت متداولة على خلفية المشهد العراقي، يبدو من المناسب الدخول على خطها، ليس من باب تكريس التناقض المفترض، بل على قاعدة البحث عن فضاءات للتسامح والتعاون لا بد منها، لأن الرابح من غيابها هو العدو، والعدو فقط، ذلك الذي لا يفرق في سياق الاستهداف بين هذا الطرف وذاك.

في تحرير المسألة لا بد من الإشارة ابتداء إلى أن الغالبية الساحقة من أبناء الأمة الإسلامية طوال القرون وفي هذه الأيام أيضا كانوا من السنة، بصرف النظر عن التفسيرات التي يسوقها الطرف الثاني لهذه الظاهرة بالرجوع إلى جدلية السلطان والقرآن.

في هذه الأيام يمكن القول إن غلبة الشيعة على السنة عدديا في هذا البلد أو ذاك لا يغير من حقيقة أن حوالي 90% من المسلمين هم من السنة، ففي حين يتراوح تعداد الشيعة حول رقم قد يزيد قليلا على المائة مليون، فإن تعداد السنة يتجاوز رقم المليار ليصل حسب بعض التقديرات إلى أكثر من مليار ومائتي مليون.

رغم هذا الواقع الذي يجعل السنة هم الغالبية بين المسلمين، فإنه لم يسجل عليهم في غالب الأحيان، ربما باستثناءات محدودة، أنهم أساؤوا إلى إخوانهم الشيعة، أما صوت التكفير والإقصاء فقد كان طوال الوقت محدودا جدا، وهو في الغالب متشدد مع طوائف لا حصر لها من السنة أيضا.


حسابات الدول والسياسة لا صلة لها البتة بقضية المذهبية، اللهم إلا في سياق معادلة الولاء التي تحكم السياسة بمختلف تحولاتها، وهذا الوضع ليس نتاج الدولة الحديثة فحسب، بل هو معروف طوال القرون
وتبقى المواقف الرسمية في هذا البلد أو ذاك، تلك التي لا تعبر عن الضمير الشعبي، بقدر تعبيرها عن مصالح السلطة وحساباتها، بدليل أن السنة في إيران على سبيل المثال مهمشون على نحو لا يقل سوءا عما يحدث مع الشيعة في بلاد "سنية" إن جاز التعبير، وإن بدا أن دولة بعينها ربما تفوقت في ذلك تبعا لحسابات أهل الحكم أيضا، حتى لو توافقت في مسارها مع رغبة كامنة مصدرها الخوف لدى فئة السنة.

من الضروري القول هنا إن حسابات الدول والسياسة لا صلة لها البتة بقضية المذهبية، اللهم إلا في سياق معادلة الولاء التي تحكم السياسة بمختلف تحولاتها، وهذا الوضع ليس نتاج الدولة الحديثة فحسب، بل هو معروف طوال القرون، سيما في الحالة الإسلامية، وحيث كانت الدول تتغير في طبيعة تعاطيها المذهبي بين فترة وأخرى مع بقاء مسألة الولاء هي الحاكم الأساسي للوضع برمته.

نظام صدام حسين لم يكن بعيدا عن ذلك، فالموقف من الشيعة أو الأكراد لم يكن ذا صلة بالأسئلة المذهبية بحال من الأحوال، فضلا عن العرقية، بل بمسألة الولاء، بدليل أننا نجد أنفسنا إزاء رجل لم يتورع عن قتل أقرب الناس إليه حين خالطه الشك في ولائهم، كما أن حجم من قتل من العرب السنة ليس قليلا.

صحيح أن الشيعة قد نالهم نصيب كبير من القتل، لكن ذلك لم يحدث إلا عندما شك في ولائهم بعد الثورة الإيرانية، بل إن عددا كبيرا من قادة حزب البعث الأوائل كانوا من الشيعة، ولم يكن الصراع في تلك الأثناء بين مذاهب، بل بين أيديولوجيات، بعثية وشيوعية وذات صلات غربية.

من هنا يبدو من الظلم بمكان تحميل العرب السنة وزر ما فعله النظام السابق، ولعل الغريب في الأمر أن ذلك يحدث بشكل من الأشكال عند الشيعة وعند الأكراد، وإن مال الأكراد إلى وضع الشيعة العرب في ذات السلة مع السنة العرب، حتى لو تعاطف بعضهم معهم نظرا لكثرة القتل فيهم، سيما بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية.

ربما أدى ذلك كله إلى لون من ألوان الحقد المذهبي، سيما في الساحة العراقية، لكن ذلك لم يغير من حقيقة أن الصوت المعلن والغالب في أوساط الشيعة عموما قد بقي على مبدأ النظر إلى المسلمين بعيدا عن منطق التكفير، حتى في ظل استمرار اجترار الموقف من الصحابة مع توفر لون من ألوان التكفير في بعض الأوساط، وإن على نحو محدود.

ففي العراق تحديدا لن يعدم المتتبع فتاوى هنا وهناك تهدر دم من يتحول من الشيعة إلى مذهب السنة، مع بقاء العراق وحساسياته المفرطة حالة خاصة ينبغي ترشيدها لا تعميمها.

طوال الوقت كان رموز كبار من السنة والشيعة، من أمثال الدكتور يوسف القرضاوي والمرجع الشيعي الكبير السيد محمد حسين فضل الله، يتحدثون في هذه القضية مركزين على ضرورة التسامح بين المسلمين. وبالطبع على خلفية المشهد العراقي وتناقضاته وإمكانيات نزوعه نحو المزيد من الحشد النفسي المذموم.

لا شك أن النزاع المذهبي يشكل وصفة تدمير لأي مجتمع من المجتمعات، لكن الموقف يغدو أكثر سوءا عندما يكون المجتمع معرضا لغزو خارجي يحرص على بث الفرقة وتطبيق سياسة "فرّق تسد" بين الناس حتى يتمكن من السيطرة عليهم.

وقد كنا سمعنا أحد الصهاينة المعروفين وهو مارتن إنديك يتحدث صراحة عن تطبيق تلك السياسة في العراق، كمسار وحيد يجعل بالإمكان السيطرة عليهم.

ولعل من حسن الحظ أن تأتي الأزمة العراقية بعد سنوات من تجاوز هذه العقدة بفضل جهاد حزب الله اللبناني ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، والانتصار التاريخي الذي تحقق على يديه، الأمر الذي جعله، وعلى رأسه السيد حسن نصر الله رمزا للتعايش بين مذاهب المسلمين ووحدتهم في مواجهة العدوان الخارجي.


يشكل النزاع المذهبي وصفة تدمير لأي مجتمع من المجتمعات، لكن الموقف يغدو أكثر سوءا عندما يكون المجتمع معرضا لغزو خارجي يحرص على بث الفرقة وتطبيق سياسة "فرّق تسد" بين الناس
لا شك أن وقوع إيران في دائرة الاستهداف الأميركي طوال السنوات الماضية، إضافة إلى العراق ودول عربية أخرى، والموقف الإيراني من القضية الفلسطينية، قد أعطى مزيدا من الدفع للغة التآلف والتكاتف بين المسلمين بعيدا عن أسئلة المذهبية.

ما ينبغي قوله في ظل الحساسيات الجديدة المثارة هو أن موقف المسلمين السنة داخل وخارج العراق من الشيعة بعد الاحتلال الأميركي لم يكن ذا صلة بأسئلة المذهبية وتفاصيلها، بل بالموقف من الاحتلال.

فعندما خرج الأمام الخميني رحمه الله بثورته العظيمة لم يتوقف المسلمون في العالم أجمع عند سؤال مذهب الرجل على رغم ما كان يروجه البعض عنه من كتب ومقالات تحمل الكثير من الطروحات والأفكار التي تؤذي أهل السنة وتستفز مشاعرهم.

وقد تابع العالم أجمع تلك الاحتفالات الصاخبة التي قامت في عشرات المدن العربية، احتفالا بالثورة الإسلامية التي أطاحت بدكتاتورية الشاه وبالنفوذ الأميركي الرهيب في ذلك البلد.

في لبنان حصل أمر كهذا، فقد تحول حسن نصر الله، وقبله الشهيد عباس الموسوي بسبب مواقفهما الرائعة إلى رمزين كبيرين للمسلمين بلا استثناء من دون السؤال عن تفاصيل مواقفهما المذهبية. بل إن أحدا لم يعد يثر قصة المذهب في التعاطي معهما.

ولا شك أن الرجل والسمات الخاصة التي يتمتع بها قد ساهمت في ذلك على نحو كبير، سيما ذلك الإصرار الرائع من طرفه على تبني قضية فلسطين التي تميزت دائما بقدرتها على رفع أي زعيم إلى مستوى متقدم في الوعي الجماهيري.

من المؤكد أن الساحة اللبنانية قد أفرزت رموزا آخرين أسهموا في التواصل بين المسلمين من دون عقدة المذهبية، يقف على رأسهم المرجع الكبير السيد محمد حسين فضل الله والراحل الكبير الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وآخرون تميزوا بخطاب عاقل قابله خطاب مماثل من قبل رموز السنة في الساحة اللبنانية والعربية عموما.

لقد تأكد خلال التجارب المشار إليها أن الأمة يمكن أن تتسامح إلى حد كبير في سياق الأسئلة المذهبية عندما يكون الموقف من قضاياها المصيرية مميزا.

وقد برزت هذه المعادلة خلال الأسابيع الأخيرة إثر نزوع السيد مقتدى الصدر إلى مقاومة الاحتلال، حيث ما لبث الرجل أن تحول إلى رمز كبير وبدأ الناس يتحدثون عن حسن نصر الله جديد على رغم المسافة بين الرجلين من حيث القدرات القيادية، لكن تحدي الاحتلال وإعلان عدم الخوف من تهديداته قد جعل قاسما مشتركا يرتسم بينهما.

قبل ذلك بأسابيع كان المسلمون السنة بلا استثناء يشعرون بالغصة من جراء التفجيرات الهمجية التي وقعت في كربلاء والكاظمية أثناء إحياء مناسبة عاشوراء، وكم دعوا الله ألا يكون لسني أي صلة بما جرى، فيما رأينا موقفا صارما لعلماء أهل السنة في العراق والعالم العربي والإسلامي يدين تلك التفجيرات ويقف منها موقف الحزن والرفض والقهر في آن معا، ليس بسبب مقولة الفتنة فحسب، وإنما للقناعة السائدة بأن هؤلاء القوم مسلمون موحدون لا ينبغي لأحد أن يقرر إهدار دمهم على النحو الإجرامي الذي ظهر.

لعل من حسن الحظ أن الخطاب العاقل في التعاطي مع المسألة في الجانب السني قد قابله خطاب لا يقل عقلانية في الجانب الشيعي الذي أكد رموزه على نبذ الفتنة وتفويت الفرصة على الأعداء المتربصين بالعراق والأمة.

كل ذلك يشكل تأكيدا على نزوع الأمة إلى التسامح المذهبي إلى حد كبير، لكن الأهم هو نزوعها إلى التركيز على بوصلة المواقف للرموز والجماعات والتنظيمات والأقليات وليس تفاصيل المواقف المذهبية، بدليل الموقف من الأكراد (السنة) هذه الأيام، ذلك الذي لا يختلف عن الموقف من بعض القوى الشيعية العراقية المتعاونة مع الاحتلال.


العقل الجمعي للأمة لا ينحاز لأسئلة المذهبية والفئوية حين يكون الصراع موجها ضد الخارج المعادي، بل ينحاز للمواقف القوية والمبدئية خاصة عندما يكون الناس مؤمنين موحدين
ولو سألت أي مسلم سني هذه الأيام أيهم أقرب إليه: حزب الاتحاد الإسلامي الكردستاني السني أم جيش المهدي أو تيار مقتدى الصدر الشيعي، لما ترددت الإجابة في الحسم لصالح الخيار الثاني.

تبقى مسألة الأقلية والأغلبية، وهنا يمكن القول إن من حق الشيعة أن يقولوا إنهم أغلبية في العراق ما دامت الأرقام هي الحكم، وإذا صح ذلك فلهم حق الغالبية ضمن سياق العدل والتسامح، غير أن ذلك لا يغير في الموقف من القوى التي تتعامل مع الاحتلال بمنهج لا ينسجم مع البوصلة النفسية والروحية لمجموع الأمة، والتي تراه احتلالا يهددها في هويتها ووجودها دون النظر إلى تفاصيل خلافاتها ومشاكلها الداخلية، سياسيا ومذهبيا.

حين تنحاز القوى الشيعية ومثلها الكردية إلى بوصلة الأمة، كما هو متوقع منها، وكما هو واقع لدى بعضها، ممن تعلن تحدي الاحتلال ومخططاته لاستهداف العراق وما تبقى من الأمة، فإنها لن تجد من أبناء الأمة إلا كل محبة وتقدير، مع الإقرار بحق كل فئة في أن تأخذ وفق مبادئ التعددية والشورية ما يمنحه لها الواقع القائم.

والخلاصة هي أن العقل الجمعي للأمة لا ينحاز لأسئلة المذهبية والفئوية حين يكون الصراع موجها ضد الخارج المعادي، بل ينحاز للمواقف القوية والمبدئية، حتى من أناس يرفض كثيرا من ممارساتهم السياسية وغير السياسية، فكيف حين يكونون مؤمنين موحدين.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف