بقلم/ ياسر الزعاترة

- قطاع غزة.. عقدة الاحتلال
- لماذا لم يدخل غزة؟
- فشل شارون الأمني والسياسي
- عناوين الهزيمة
- ماذا بعد؟

في سياق قراءة الخطوة الجديدة لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، أو المشروع الجديد بتعبير أدق، ممثلا في الانسحاب من قطاع غزة وتفكيك 17 مستوطنة هي كل المستوطنات المزروعة هناك، يمكن القول إنه لا بد لفهم حقيقة ما يجري من استحضار الوضع الداخلي للرجل وخلفياته، إلى جانب تحولات الظرف الإقليمي والدولي.

لا بد بداية من العودة إلى عام 1999 يوم كان شارون يحضر لمشروع غزو السلطة والإطاحة بحزب العمل الذي فشل في مسيرة التسوية بعجزه عن فرض الحل المطلوب على الفلسطينيين في قمة كامب ديفد في يوليو/ تموز 2000، الأمر الذي مهد الأجواء لاندلاع انتفاضة الأقصى بعد ذلك بثلاثة شهور، وتحديدا في 28 سبتمبر/ أيلول 2000.

في تلك الأثناء دخل شارون على خط المزايدة المحمومة على إيهود باراك وحزب العمل معلنا أنه الوحيد القادر على جلب السلام والأمن للشعب الإسرائيلي.


كان هدف عملية "السور الواقي" هو القضاء على الانتفاضة تحت ذريعة أن مناطق السلطة تحولت "ملاذاً آمنا" للمقاومة، لكن ذلك لم يحدث، فقد ظل رجال المقاومة قادرين على ضرب العمق الإسرائيلي
خلال شهور كان شارون على رأس السلطة مؤكدا مشروعه الرامي إلى القضاء انتفاضة الأقصى في غضون مائة يوم لا أكثر، لكن الرياح لم تأت بما تشتهي سفنه، حيث تواصلت الانتفاضة على نحو جعلها مرحلة استثنائية في تاريخ النضال الفلسطيني.

وفيما نسي الشارع الإسرائيلي قصة الأيام المائة تحت وطأة الخوف من التهديد الوجودي حيث لجأ إلى الاحتماء "بالقاتل الأزعر" حسب وصف أحد الكتاب الإسرائيليين، كان شارون يواصل حربه الشرسة على الشارع الفلسطيني، فيما كان الإسرائيليون يصفقون له والخوف يملأ قلوبهم من الموت الذي يتربص بهم في المقاهي والباصات.

تصاعدت الانتفاضة خلال مطلع عام 2002 وصولا إلى معركة مخيم جنين، حين بدأ شارون عملية "السور الواقي" التي أعاد من خلالها احتلال مناطق الضفة الغربية، وبدأ يطارد المقاومة بشكل استثنائي داخل المدن والقرى والبلدات الفلسطينية.

كان هدف عملية "السور الواقي" هو القضاء على الانتفاضة تحت ذريعة أن مناطق السلطة قد تحولت "ملاذاً آمنا" للمقاومة، لكن ذلك لم يحدث، فعلى رغم الضربات الكبيرة والصعبة التي تعرض لها رجال المقاومة، فإنهم ظلوا قادرين على ضرب العمق الإسرائيلي وتعويض الخسائر على نحو مذهل.

في هذه الأثناء كانت تحضيرات الحرب على العراق قد بدأت، وقبلها بالطبع هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول التي اعتقد شارون أنها تشكل فرصة للقضاء على المقاومة بوصفها إرهابا لا بد من استئصاله.

الذي لا شك فيه هو أن شارون قد عول على احتلال العراق، فقد كان ذلك في وعيه ووعي الشارع الإسرائيلي والنخب اليهودية في العالم أجمع هو الفرصة الحقيقية للخلاص من "التهديد الوجودي" وإعادة تشكيل خارطة المنطقة، وإخضاع العرب والفلسطينيين لشروط التسوية الشارونية.

لم يحدث ذلك بالطبع، وجاءت المقاومة العراقية لتشطب حلم شارون الجديد، ولتبدأ موجة تراجع في بريقه الشعبي بسبب استمرار المقاومة.

قطاع غزة.. عقدة الاحتلال


منذ أن أحيط القطاع بالجدار الإلكتروني باتت المقاومة هناك تعيش حالة خاصة، ففي حين تملك إمكانات كبيرة لم يكن بمقدورها ضرب الاحتلال على نحو موجع كما كان الحال في الضفة
طوال عقود كان قطاع غزة مصدر إزعاج للاحتلال، وفيما عرضه الإسرائيليون على المصريين مراراً للخلاص منه، فقد تمنى إسحاق رابين شخصياً أن يصحو من نومه ذات صباح ليجده قد غرق في البحر!!

لعل ذلك هو ما يفسر كيف أن "أوسلو" قد سمي في البداية غزة/ أريحا أولاً، الأمر الذي يفسر عبء القطاع من حيث المبدأ، فيما كان العبء قد زاد عقب بدء "حماس" ومعها الجهاد حرب عصابات ضد قوات الاحتلال مطلع العام 1990.

يشار هنا إلى أن اتفاق أوسلو قد نجح في تحقيق الهدف المطلوب، حيث تمكن خلال زمن قياسي من القضاء على المقاومة في القطاع، فيما لم يكن أمام رجال المقاومة بعد ذلك سوى الخروج إلى الضفة، وهو ما سرع في وضع سياج أمني يحول بينهم وبين ذلك. وقد فعل الاحتلال ما فعل بعدما تبين أن رجال حماس في غزة قد نقلوا أعمالهم وخبراتهم إلى الضفة الغربية، حيث بدأ جهاز "حماس" العسكري (كتائب القسام) بتنفيذ أعمال كبيرة هناك ظهرت بعد عام 1993 من خلال مجموعات الشهيد يحيى عياش.

منذ أن أحيط القطاع بالجدار الإلكتروني باتت المقاومة هناك تعيش حالة خاصة، ففي حين تملك إمكانات كبيرة لم يكن بمقدورها ضرب الاحتلال على نحو موجع كما كان الحال في الضفة باستثناءات محدودة نظراً لعدم وجود قوات إسرائيلية وإحاطة المستوطنات بإجراءات أمنية رهيبة. ولعل ذلك هو ما يفسر ضعف مساهمة قطاع غزة في أعمال انتفاضة الأقصى، حيث لم يسقط من الإسرائيليين في العمليات هناك سوى أقل من 15% من الخسائر.

لماذا لم يدخل غزة؟
كان السؤال الكبير الذي طرح على الدوام هو لماذا لم يفعل شارون بغزة ما فعله بالضفة الغربية من حيث الاجتياح الكامل وضرب مراكز المقاومة ورموزها؟

يجب أن نشير ابتداء إلى أن قطاع غزة لم يسلم من عمليات التوغل والإنزال والاغتيالات، فقد ناله منها الكثير، لكن ذلك لم يصل حدود ما جرى في الضفة الغربية من حيث الاجتياح الشامل. والحال أن شارون لم يفعل في غزة ما فعله في الضفة لسببين، الأول أمني وعسكري، والثاني سياسي ينطوي على أبعاد أمنية وسياسية أيضاً.

من الناحية الأمنية والعسكرية لم يكن بوسع شارون أن يدخل قطاع غزة ويحتله احتلالاً كاملاً لأيام أو أسابيع كما حصل مع المدن الأخرى في الضفة من دون أن ينطوي ذلك على خسائر كبيرة، فسيناريو مخيم جنين قد يتكرر على نحو أوسع، نظراً لكثرة المقاتلين في قطاع غزة من جهة، ونظراً لطبيعة الاكتظاظ السكاني الرهيب والذي قد يحيل الاجتياح إلى مجزرة كبيرة سيكون لها ثمنها السياسي الباهظ.

أما الاحتلال الكامل وبلا حساب فسيكون إيذاناً بانتهاء السلطة التي بقيت سليمة هناك، وعندما تنتهي السلطة سيدفع الاحتلال أثمانا باهظة سياسيا واقتصاديا وأمنيا خلافا لوضع "الاحتلال الديلوكس" الذي عاشه شارون خلال أكثر من عامين وتحديداً منذ أبريل/ نيسان 2002.

نهاية السلطة هي "الكابوس" كما وصفها أحد الكتاب الإسرائيليين، الذي يعني ثمناً اقتصادياً باهظاً بتحمل المسؤولية عن حياة الناس، وثمنا سياسياً كبيراً بعودة الاحتلال إلى وجهه القبيح، وثمنا أمنيا بكسر ميزان القوى المختل مع المقاومة بإمكانية عودتها إلى حرب الشوارع كما كان الحال قبل أوسلو.

فشل شارون الأمني والسياسي


فيما كان حلم العراق يتبخر كانت واشنطن تتراجع عن الدعم المطلق لشارون، وبرزت في وجهه جملة لاءات منها طرد عرفات وإشعال المنطقة بإنهاء السلطة
في ضوء ذلك كله برز الفشل الأمني الذريع لشارون بالعجز عن إخماد جذوة المقاومة، أما السياسي فتمثل في العجز عن فرض رؤيته للحل الانتقالي البعيد المدى القائم على دولة فلسطينية هزيلة على 42% من الضفة الغربية ومعظم قطاع غزة.

في هذه الأجواء وفيما كان حلم العراق يتبخر، كانت واشنطن تتراجع عن الدعم المطلق لشارون، وبرزت في وجهه جملة لاءات منها طرد عرفات وإشعال المنطقة بإنهاء السلطة أو خطوات كبيرة على الصعيد الأمني، وحتى على الصعيد السياسي من حيث فرض حل من طرف واحد. والحال أنه لم يعد بإمكان بوش أن يتحمل تصعيداً كبيراً في الحالة الفلسطينية، لاسيما وهو يدرك أنها ساحة تزيد الوضع العربي اشتعالاً في ضوء وضع العراق المتفجر.

هنا بدأ الشارع الإسرائيلي يعلن ضجره من شارون، وكذلك حال النخبة السياسية والعسكرية، وبرزت قصة موشيه يعلون وتحذيراته، ومعها تحذيرات رؤساء الشاباك الأربعة السابقين، وإضرابات الطيارين وعناصر الوحدات الخاصة والوضع الاقتصادي المتدهور، والمعلومات المخيفة عن الهجرة القادمة والمعاكسة، إلى غير ذلك من المؤشرات السلبية التي دفعت النخبة السياسية والعسكرية إلى تفجير قصة فضائح شارون الحالية التي ما كان لها أن تتفجر لولا ذلك، بل إن وثيقة جنيف ما كان لها أن تظهر وبذلك الدعم اليهودي والدولي الكبير لولا ضعف شارون وهزاله السياسي، وبتعبير أدق نهاية مشروعه الأمني والسياسي.

عناوين الهزيمة
الجدار الأمني كان واحداً من محاولات شارون المستميتة للتخلص من الهواجس الأمنية، ثم كان الإعلان عن خطة الفصل الأحادي الجانب التي أجمع المحللون الإسرائيليون على وصفها بالهزيمة أمام الإرهاب. وقد كان لافتاً أن يعلق على المشروع في اليوم التالي في صحيفة معاريف رجلان من اليمين هما بنتسي ليبرمان رئيس مجلس يشع للمستوطنين، ويوسي بيلين "الحمامة" اليساري المعروف، حيث أجمعا على أن شارون قد قدم بمشروعه هدية للإرهاب وأثبت هزيمته أمامه.

كان ذلك صحيحاً مائة بالمائة، ولن نتأكد من ذلك إلا عندما نتذكر أن مشروع شارون للفصل الأحادي الجانب ثم إخلاء مستوطنات قطاع غزة هو عينه مشروع الحل الانتقالي البعيد المدى الذي كان على الفلسطينيين أن يدفعوا مقابله استئصال الإرهاب وعقوداً ومواثيق لا حصر لها، فيما هو الآن يمنحهم إياه بلا ثمن، مع أنه حاول أن يقول إن ذلك لن يكون بلا مقابل في محاولة يائسة لحفظ ماء الوجه.

تبقى قصة نقل بعض القرى العربية مثل أم الفحم إلى السلطة الفلسطينية لإخراج كم كبير من الفلسطينيين من عرب 48 إلى قطاع السلطة، وهذه قضية لا أهمية لها إلا من زاوية الدلالات السياسية على مستقبل الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية، لأن ذلك لن يتم إلا بموافقة السلطة التي يستبعد أن تقبل ذلك، اللهم إلا في سياق حل نهائي مقبول يعيد كامل الأراضي المحتلة عام 67 أو الجزء الأكبر منها، وليس 42% من الضفة فقط.

ماذا بعد؟


ثمة فرصة لمواصلة المقاومة والهجوم السياسي ضد الجدار، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية عربية وفلسطينية لا تبدو متوفرة الآن
من المؤسف أن الوضع السياسي العربي والفلسطيني لا يزال عاجزاً عن رؤية هزيمة شارون، ويعود ذلك إلى عدم الرغبة في مديح فكرة المقاومة وقدرتها على تحقيق الإنجاز، أما الجانب الآخر فيتمثل في سؤال ما بعد الجدار وحشر الفلسطينيين في 42% من الضفة ومعظم قطاع غزة. والحال أن ذلك هو جزء من رؤية دلالة ذلك على عودة المشروع الصهيوني إلى زمن "الغيتو" ونهاية أحلام الشرق أوسطية، إضافة إلى عدم إدراك قدرات المقاومة وإبداعها، ذلك أن رجال المقاومة لا بد أن يجدوا أكثر من وسيلة لضرب الاحتلال، أكان بوجوده على المعابر في عزة والضفة أم من خلال اختراق الجدار بوسائل مبتكرة.

هناك أيضاً ذلك العجز عن استثمار موضوع الجدار سياسياً باستمرار الضغط على أعصاب شارون لإسقاطه ومشروعه وإسقاط فكرة الجدار.

في ضوء ذلك يمكن القول إن ثمة فرصة لمواصلة المقاومة والهجوم السياسي ضد الجدار، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية عربية وفلسطينية لا تبدو متوفرة، ولعل السبب في ذلك هو العجز عن قراءة الموقف على نحو صائب من خلال إدراك مأزق شارون ومعه مأزق بوش وإدارته المتفاقم في العراق، أكان بقضية أسلحة الدمار أم باستمرار المقاومة.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة