بقلم/ أكرم البني

بعيدا عن التكهنات حول الدوافع الحقيقية التي حدت بالسلطات السورية للبدء بالإفراج عن مئات المعتقلين السياسيين، أهي أسباب إنسانية ترجع إلى سوء الأوضاع الصحية لبعضهم أم أنها تحصيل حاصل لحق أكثريتهم في الحرية وقد أنهوا منذ فترات متباينة مدد أحكامهم، أم استجابة لنداءات المنظمات الإنسانية المعنية بحقوق الإنسان، فإن ما حدث هو بادرة إيجابية حقا ملأت قلوب الكثيرين فرحا، لكنها بالمقابل أظهرت "غصة حزن" عند آخرين لا يزالون قلقين على مصير أبنائهم المعتقلين وقد خاب أملهم من الوعود المتكررة بإصدار عفو واسع يشمل ما تبقى من السجناء السياسيين ويطوي هذا الملف نهائيا.


يجب الاعتراف بأن قضية السجناء السياسيين في سوريا حظيت بنقلة كبيرة بعد تسلم الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم بإغلاق سجني المزة وتدمر وإصدار أكثر من عفو سياسي واسع
والعفو السياسي على أهميته وضرورته في تخفيف الظلم الذي حاق بالسجناء السياسيين وفي خلق مناخ من التسامح نحتاج إليه جميعنا، يبقى إجراء فوقيا قاصرا يلامس حواف المشكلة الديمقراطية ولا يعالج أسباب غيابها، ويضفي من الجهة المعاكسة، بما أنه صفح عن الخطأ، نوعا من الشرعية على أسلوب القمع والمحاكمات والسجن في التعامل مع الرأي المعارض، فيؤكد حدوث خطأ أو خلل استدعى توقيف هؤلاء النشطاء وسجنهم، ويبرر اعتقالهم بسبب آرائهم ومواقفهم المعارضة، مسوغا التهم الغليظة الموجهة إليهم والأحكام التي صدرت بحقهم، ومبرئا تاليا ساحة المحاكم الميدانية أو العسكرية أو محكمة أمن الدولة العليا مما أنزلته من عقوبات، منتصرا لدواعي تشكلها الاستثنائي وللهامش المتاح لحركتها خارج الأنظمة والقوانين التي تحكم قرارات القضاء العادي وتوجهه.

ويجب الاعتراف بأن قضية السجناء السياسيين في سوريا حظيت بنقلة كبيرة بعد تسلم الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم، فقد أغلقت السلطات سجني المزة وتدمر سيئي الذكر وأعلن عن عفوين سياسيين واسعين أواسط نوفمبر/ تشرين الثاني 2000 و2001 أطلق خلالهما سراح المئات من السجناء الذين ينتمون إلى أحزاب وقوى سياسية متنوعة، وبدا للعيان أن ملف الاعتقال السياسي في طريقه إلى حل نهائي بعد أن أنجزت الخطوة الأولى وهي الأصعب، وكان ثمة أمل ألا تقف الأمور عند هذا الحد وأن تليها خطوات نحو إطلاق سراح بقية السجناء السياسيين خاصة أن بعض الأرقام تشير إلى أنهم لا يزيدون عن 900 سجين، معظمهم أمضوا أكثر من عشر سنين في الاعتقال وأنهكتهم العزلة والأمراض.

وطبعا ليس من تفسير شاف لسبب تجميد حل هذه المسألة، ففئة ترى أن السلطات وجدت فيما أقدمت عليه مجازفة وقد اكتشفت أن عددا غير قليل ممن أطلقت سراحهم عادوا إلى العمل والنشاط السياسي في صفوف معارضيها. بينما ترجع فئة أخرى السبب إلى نتائج أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 التي دفعت إلى مرتبة متأخرة شعارات الحرية وحقوق الإنسان أمام حضور إستراتيجية مكافحة الإرهاب، ما أزاح عن كاهل العديد من الأنظمة عبء الضغط الإعلامي العربي والعالمي حول انتهاكاتها لحقوق الإنسان، ومنحها فرصة غالية، لم تضّيعها، في العودة إلى أساليبها القديمة وإحكام قبضتها على شعوبها والقوى السياسية المعارضة، وكان تاليا العودة إلى الاعتقالات والمضايقات الأمنية وإغلاق أبواب السجون وإهمال قضية المعتقلين السياسيين مجرد تحصيل حاصل لهذا المسار.

في سوريا نادرا ما يتم الإعلان رسميا عن العفو السياسي، ويتعرف الناس إليه من الأخبار التي تصلهم عن خروج سجين هنا وآخر هناك، ثم عبر سؤال المفرج عنهم يمكن الاستدلال إلى العدد التقريبي لمن شملهم العفو وماهية الأحزاب التي ينتمون إليها وطابع المدد التي أمضوها في السجون.

وعادة ما تتم حركة الإفراج على دفعات دون صخب أو ضجيج، وأيضا ببطء يحرق أعصاب الأهل وذوي السجناء، ولعل وراء هذه الآلية غرضا آخر يهدف إلى تقوية الموقف الرسمي في رفضه التعاطي والاحتكاك مع وسائل الإعلام المفتوح بخصوص أسباب العفو وماهية المعفى عنهم لتجنب ما قد يثار من أسئلة محرجة إذا جرت المقارنة بين إطلاق سراح سجناء من لحم ودم وتصريحات بعض المسؤولين السوريين التي اعتادت نفي وجود معتقلين سياسيين في السجون.


ما الضير في الاهتمام جديا بتصويب ما ترصده المنظمات الإنسانية والحقوقية العربية والعالمية من انتهاكات في حياتنا إذا كان ثمة رغبة حقيقية في تحسين صورتنا أمام الرأي العام العالمي؟
وأيضا درجت العادة أن يقترن العفو السياسي مع الأعياد الوطنية وربما الدينية أو المناسبات السياسية مثلما ترافق في هذه الآونة مع الذكرى الرابعة لتولي الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم، ويجري توظيف هذه المناسبات لتبيان المرجعية الداخلية للعفو وتأكيد حرص النظام على رفض التعاطي مع قضية المعتقلين السياسيين أو أي معضلة تتعلق بالحريات وحقوق الإنسان تحت تأثير الاعتبارات الخارجية أو بسببها.

يترافق هذا المنحى مع تعميم حزمة من "تحذيرات ونصائح" في الأوساط السياسية والثقافية عن الضرر الذي يعود على قضية السجناء السياسيين في حال أثيرت عبر وسائل الإعلام، وأنها تعقد شروط إطلاق سراحهم أو تؤخره إلى حين إظهاره كأنه "عطاء سلطوي" محض، والأنكى من ذلك حين تنتقل هذه التحذيرات إلى أوساط السجناء وتغدو أشبه بهاجس أو عقدة نفسية عند بعضهم فيتوسلون إغفال أسمائهم لدى المنظمات المعنية بحقوق الإنسان ويتوهمون بأن إثارتها إعلاميا هي السبب الرئيس وراء استمرار اعتقالهم.

لكن الوقائع كشفت بطلان هذه الصورة وأثبتت اضطرار السلطات للتعاطي مع ما يثار حول انتهاكاتها لحقوق الإنسان وانعكاس ذلك إيجابيا على ملف الاعتقال السياسي في سوريا، بدليل نجاح الجهود المتميزة للمنظمات الإنسانية والحقوقية في إطلاق سراح غير سجين رأي قبل انتهاء مدة حكمه، وبدليل شدة قلق السلطات نفسها من هذا العامل لتبادر إلى التحذير منه وتخصص حيزا من الدعاية ضده، هذا إذا أغفلنا آثاره الإيجابية في تقوية الروح المعنوية للسجناء وإشعارهم بأن ثمة من يتابع أوضاعهم ومصائرهم وأنهم لم يتركوا وحيدين أو معزولين في أقبية السجون.

ثم ما الضير من الاهتمام جديا بما ترصده المنظمات الإنسانية والحقوقية العربية والعالمية من انتهاكات في حياتنا السياسية، وأين الخطأ من الإصغاء لصوتها والتعاطي بمنتهى الوضوح والشفافية مع ملاحظاتها ومآخذها علينا والمسارعة إلى تصويبها إذا كان ثمة رغبة حقيقية في تحسين صورتنا أمام الرأي العام العالمي؟!

أيضا ما وجه الفائدة من المفاخرة بقدرتنا على ازدراء رأي الآخر فينا، أليس الآخر هو الأقدر على تعريفنا بحقيقة أحوالنا ومثالبنا، وألا تكمن مفاخرتنا الحقيقية حين نسعى كي تكون بلادنا هي الأجمل في عيون الآخرين؟!.

إن الدعوة لتأجيل ملف المعتقلين السياسيين نكاية بما تثيره وسائل الإعلام العربي والغربي عن بلادنا ليست إلا وضع العربة أمام الحصان والقفز فوق ضرورة أولية، هي ملك يدنا، تستدعي معالجة الأسباب وإزالة المثالب الداخلية بشأن الحريات وحقوق الإنسان التي لا تزال تؤخذ على مجتمعنا، اللهم إلا إذا كان الغرض هو البحث عن ذريعة جديدة للهرب من حل هذه المعضلة أو صنع مشجب على شاكلة الخطر الصهيوني لتعليق أحد أهم استحقاقات التغيير الديمقراطي أو تأجيله إلى أمد غير منظور.

لقد بات التعاطي مع الرأي العام في عالم اليوم حاجة حيوية تدل على وعي حضاري وتفهم لضرورات التفاعل بين الشعوب والأمم والتلاقي على قيم ومعايير إنسانية مشتركة والدفاع عنها، أليس الرأي العام العالمي الشعبي والرسمي هو ذاته الذي نسعى ليل نهار لكسب وده والاستقواء به لنصرة قضايانا؟!.

وكيف تاليا يستقيم سلوكنا حين نمتعض من تقارير منظمات حقوق الإنسان التي تتناول أوضاعنا بينما ننتشي فرحا من مواقفها تجاه فضائح التعذيب في سجن أبو غريب، وإدانة إسرائيل وممارسات شارون الدموية ضد الشعب الفلسطيني؟!.

أشياء كثيرة تغيرت وأفكار كنا نعتبرها أشبه بالبدهيات انقلبت رأسا على عقب، ما يشجع على القول بأن ثمة أملا يغذي أرواحنا بأن تحفز مأساة العراق همم الجميع لمراجعة حساباتهم جيدا، لعلهم يدركون قبل فوات الأوان أن عقلية الإقصاء والسيطرة وإهمال رأي الآخر هي أساس كل خطر وضرر، وتاليا بأن يكون العفو السياسي اليوم فاتحة لمزيد من الإجراءات الإيجابية نحو إشاعة مناخ صحي يضمن للبشر حرياتهم وحقوقهم، ويصل بالبلاد إلى مستقبل يغدو فيه الوطن وطن الجميع.

ثمة الكثير يجب عمله لخلق مواطن حر تتشابك مصالحه مع مصالح الوطن وخير ما يمكن فعله في هذا الظرف العصيب هو إعادة بناء الثقة وتعزيز الأمل في النفوس برد المظالم إلى أصحابها والركون إلى حكم المؤسسات وسيادة القانون وبناء آليات حضارية تنظم العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة وأجهزتها بما يمكّن الناس من تجاوز حالة الخوف والسلبية، ويحفز دورهم في مواجهة التحديات أيا كان نوعها.


ما يتطلبه مجتمعنا اليوم حل عام لأزمة قائمة وإرادة سياسية واضحة غايتها بعث جديد لحركة الإصلاح الديمقراطي والتأكيد على رؤية لمستقبل الحياة السياسية السورية تطوي ملف الاعتقال نهائيا
فما يتطلبه مجتمعنا اليوم أكثر من مجرد عفو سياسي، يحتاج إلى حل عام لأزمة قائمة، إلى "عفو" لكن من طراز خاص إن صح التعبير، ليس فقط، بمعنى إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين على أهمية وأولوية هذه الخطوة، وليس أيضا لإسقاط كل التهم وتبرئة السجناء من الأحكام التي صدرت بحقهم فحسب، وإنما أساسا، بوصفه إرادة سياسية واضحة غايتها إعادة الروح أو لنقل بعث جديد لحركة الإصلاح الديمقراطي والتأكيد على رؤية لمستقبل الحياة السياسية السورية تطوي ملف الاعتقال نهائيا وتوفر مناخا طبيعيا يضمن حرية الرأي والتعبير ويحترم حق وجود الموقف السياسي المعارض دون أن يترتب على ذلك المساءلة أو الحساب والعقاب.

لا يخفي بعض المتشائمين قلقهم بألا يترتب على قرار العفو السياسي أي نتائج إيجابية على صعيد الحريات والتحولات الديمقراطية، ويرجحون بقاء الأوضاع القائمة على ما هي عليه من ركود وممانعة للتغيير، بل لا يستبعد بعضهم أن تكون هذه الإفراجات السياسية مجرد مظلة لتمرير حضور المناخات الأمنية وآليات الضبط والمتابعة من جهة أو وسيلة من جهة أخرى لتخفيف الضغوط الخارجية والاحتقانات في الأوساط الشعبية وأيضا للالتفاف على تزايد المطالبات بإطلاق سراح السجناء الآخرين وفي مقدمتهم الأستاذ الجامعي عارف دليلة وعبد العزيز الخير والنائبان رياض سيف ومأمون الحمصي وأكثم نعيسة رئيس لجان الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان وغيرهم!!.

يرجع هؤلاء تشاؤمهم إلى أن ثمة صعوبة كبيرة لدى بعض المسؤولين في تجاوز عقلية الماضي وأساليبه وقد اعتادوا أسلوب القوة والقمع في السيطرة على المجتمع، وباتوا مطمئنين بأن العمل المجدي لدوام الهيمنة ليس الانفتاح على الناس بل الاستمرار في إرهاب وردع المواقف الناقدة وجديد النشاطات المدنية والسياسية.

ويتساءلون: أين تريدون أن نبحث عن التفاؤل، أفي السعي إلى تثبيط الهمم وتخويف البشر وتقويض دورهم في التصدي للأخطار الماثلة أمامنا، أم في تسييد لغة القسر والإكراه ونبذ الآخر وعدم الاعتراف بحريته وحقه في إبداء الرأي وفي نقد ما يراه من مثالب وأخطاء ومعارضتها، أم نبحث عنه في استمرار التحفظ على بقية المعتقلين السياسيين وفي الإصرار على الخيار الأمني واعتبار ما يحدث من اعتقالات متفرقة هنا وهناك ومن ضغوط ومضايقات أمنية مسارا صحيحا ينبغي الاستمرار فيه دون مراجعة أو تغيير؟!.

لكننا نبقى "محكومين بالأمل" وفي حيز التفاؤل نفرح لإطلاق سراح أي سجين سياسي ونبتهج، لكن فرحتنا على اتساعها تبقى ناقصة، ويبقى الجرح مفتوحا طالما ثمة معتقلون آخرون قيد السجون، فهل تكتمل الفرحة وتلتئم الجراح؟!.
ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : غير معروف