- الممارسات السياسية والعسكرية الإسرائيلية وأهدافها القومية
- شارون وحتمية خيار الحرب
- الموقف العربي في مواجهة الحرب الشارونية

- الميزان العسكري بين الدول العربية وإسرائيل

يعتبر التصعيد العسكري الإسرائيلي الحالي في الضفة وغزة جزءا من مرحلة إستراتيجية تمر بها المخططات الإستراتيجية الإسرائيلية بعيدة المدى تحقيقاً للغايات والأهداف الإستراتيجية العليا لإسرائيل. ومن ثم فإن اقتحام شارون للمسجد الأقصى في سبتمبر 2000 وهو خارج الحكم تحت حراسة مئات الجنود الإسرائيليين إبان فترة حكم باراك، وهو ما كان سبباً في اشتعال الانتفاضة ثم تولي شارون الحكم بعد ذلك، وما تلى ذلك من أحداث على الأصعدة العسكرية والسياسية، وعلى المستويات المحلية والإقليمية والدولية، ينبغي النظر إليها وتحليلها في ضوء هذه الأهداف والمخططات الإستراتيجية، سواء الآنية منها أو بعيدة المدى لأن إدراكنا لذلك هو الخطوة الأولى في المواجهة الصحيحة لإسرائيل، وبدونها لن نستطيع أن نرسم إستراتيجية مضادة، لا سيما وأن إسرائيل تفرض تعتيماً شديداً حول أهدافها ومخططاتها بعيدة المدى، بل وتثير حولها الكثير من أعمال الخداع والتشويش لتضليل الدول الأخرى -عربية وغير عربية- عن حقيقتها وبما يسهل على إسرائيل تحقيقها بأسهل الطرق، وبأقل قدر من الخسائر، وفي أسرع وقت ممكن.


الممارسات السياسية والعسكرية الإسرائيلية وأهدافها القومية

لا تخرج الممارسات الإسرائيلية السياسية والعسكرية التي تجري اليوم على أرض الواقع في المناطق المحتلة بفلسطين عن كونها تنفيذاً دقيقاً محكماً للمخططات والأهداف القومية والإستراتيجية الصهيونية، حيث تسير السياسة الإسرائيلية بالتوازي في تنفيذ مخططاتها بعيدة المدى مع مخططاتها قصيرة المدى التي تعالج مشاكل أمنها الجاري. فأعمال القمع والحصار والتجويع التي تمارسها إسرائيل ضد أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة لا تخرج عن كونها أساليب تستهدف في النهاية دفع الفلسطينيين إلى هجرة أرضهم والاتجاه نحو الدول العربية المجاورة، وقد رأينا شواهد ذلك في التجاء البعض منهم إلى الأردن مؤخراً. يرتبط بذلك دعوة شارون لهجرة مليون يهودي من الشتات إلى إسرائيل خلال خمس سنوات، واهتمامه بتكثيف عمليات الاستيطان الجارية على قدم وساق. كذلك فإن المحاولات الإسرائيلية المتكررة لاقتحام المسجد الأقصى والاعتداء عليه ووضع حجر أساس للهيكل فيه، واحتلال بيت الشرق… كلها تدخل في الإطار الأيديولوجي لإسرائيل لإقامة ما يسمى بالهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، يدعم ذلك ترديد زعماء إسرائيل لمزاعم أن القدس مدينتهم منذ 3000 سنة. ستستمر معركة المسجد الأقصى طوال السنوات القادمة حيث ترتبط خطة شارون وخيار الحرب بالأولوية المطلقة في أجندة عمل شارون وهي سرعة تهويد القدس بإخلائها من سكانها العرب باستخدام كل وسائل وأساليب العنف والقوة والإرهاب، وضمها إلى إسرائيل، وفرض هذا الأمر الواقع إقليمياً ودولياً. وفي هذا الصدد كشفت الأحداث أن الجميع في إسرائيل على اختلاف توجهاتهم الأيديولوجية والسياسية يساندون شارون في هذا التوجه، ويؤمنون بالمبادئ نفسها، ويؤيدون –ولو باختلافات بسيطة– الطريقة التي يعالج بها تنفيذ أهدافه ومخططاته.

ولقد ثبت للكثيرين أن شارون الذي رفض منذ البداية عملية أوسلو وتوابعها، لا يريد لعملية السلام أن تمضي في طريقها لأنها ستحد من قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها القومية العليا بعيدة المدى. لذلك فهو يسعى من خلال ممارساته الحالية إلى تفكيك عملية السلام حتى توارى التراب نهائياً، وهو وإن كان قد اختار حالياً سياسة تشديد الخناق على السلطة الفلسطينية وليس تدميرها، فإن ذلك إجراء مرحلي حتى يتمكن من استنزاف المقاومة الفلسطينية، وترتيب مرحلة ما بعد عرفات بإحلال عملاء إسرائيل محل السلطة الفلسطينية الحالية. وقد كشف شارون بنفسه عن هذا الهدف عندما صرح أكثر من مرة "أن الوقت قد حان لإزاحة عرفات". ومن ثم يمكن فهم محاولاته المتكررة والمتسارعة لتفكيك السلطة الفلسطينية، لأنها تعني في النهاية بالنسبة له تفكيك عملية السلام نفسها، حيث ستأتي قبلها عدة ضربات انتقائية موجعة لرموز السلطة الفلسطينية، وتقطيع أوصال مناطق الحكم الذاتي وتقسيمها إلى بلديات بدلا من مناطق (أ) و(ب) و(ج)، مع تشديد الحصار وسحق الفلسطينيين. يواكب ذلك لغة دبلوماسية مرنة لا تقول (لا) لكنها تجهض عمليا كل ما لا يناسب إسرائيل، وحتى تخفف من ثورة الرأي العام العالمي ضدها، ثم تأتي في النهاية الضربة القاضية التي تطيح بعرفات وتمهد الأرض لنظام فلسطيني آخر بديل عميل لإسرائيل.


شارون وحتمية خيار الحرب

أرييل شارون

تشعر إسرائيل أن إستراتيجيتها الردعية القائمة على الردع النفسي المتمثل في تخويف العرب من قوتها العسكرية التقليدية وفوق التقليدية الطاغية، لم تحقق الهدف منها في منع العرب من تبني خيارات أخرى غير الحرب الشاملة، تشكل تهديدا لإسرائيل. ومن أبرز هذه الخيارات (الحرب المحدودة) مثل حرب أكتوبر 1973.
و(المقاومة اللبنانية) و(الانتفاضة الفلسطينية)، وجميعها صور مختلفة لحرب الاستنزاف التي لا تستطيع إسرائيل الصمود طويلا فيها بسبب العيوب الجيوبوليتيكية التي تعاني منها إسرائيل.

شكلت ضربات الانتفاضة الموجعة التي وجهتها داخل المدن الإسرائيلية وخسائرها البشرية الجسيمة تهديداً ليس فقط للأمن الإسرائيلي ولكن تهديداً للكيان الإسرائيلي ذاته، وهو ما يعني في النهاية فشل إستراتيجية الردع الإسرائيلي في تحقيق أهدافها، مما يظهر حاجة إسرائيل إلى ممارسة نوعية جديدة من الردع تتوفر لها مصداقية عالية، وتستعيد بها هيبة الردع الذي فقدته
وإذا كانت المقاومة اللبنانية قد وجهت ضرباتها ضد القوات الإسرائيلية المتواجدة في جنوب لبنان ومستعمرات الجليل في شمالي إسرائيل مما كبدها خسائر بشرية جسيمة وأجبرتها بالتالي على الرحيل من لبنان، فإن المشكلة الأكبر في إسرائيل اليوم تأتي من الانتفاضة التي توجه ضرباتها الموجعة داخل المدن الإسرائيلية، وتنزل خسائر بشرية جسيمة في (اللحم الحي) الإسرائيلي، مما يشكل تهديداً ليس فقط للأمن الإسرائيلي الذي تعهد شارون بحمايته وثبت فشله في ذلك، ولكن تهديداً جسيماً للكيان الإسرائيلي ذاته، وهو ما يعني في المحصلة النهائية فشل إستراتيجية الردع الإسرائيلي في تحقيق أهدافها، مما يظهر حاجة إسرائيل إلى ممارسة نوعية جديدة من الردع تتوفر لها مصداقية عالية، وتستعيد بها هيبة الردع الذي فقدته، خاصة وأن النجاح الذي حققته المقاومة اللبنانية، وفشل شارون في تحقيق وعده بإنهاء الانتفاضة خلال مائة يوم، كل ذلك شجع وسيشجع الدول العربية والفلسطينيين على التمادي في تحديهم لإسرائيل.

من هنا جاء حديث الحرب الذي تردد أخيراً في المنطقة وكشف عنه إصدار (فورين ريبورت) حول خطة هجوم جديدة وضعتها حكومة شارون تحت الاسم الكودي (الباب الدوار)، باعتبارها تشكل (رادع جديد) يعيد لإستراتيجية الردع الإسرائيلية فعاليتها وهيبتها. حيث تقضي هذه الخطة باجتياح مناطق الحكم الذاتي بعد تقسيمها إلى ثمانية قطاعات، ثم قيام القوات المدرعة الإسرائيلية تحت ستر تمهيد نيراني جوي ومدفعي مكثف باقتحام هذه القطاعات ( لواء مدرع مدعم لكل قطاع) وتدمير أهداف البنية الأساسية الفلسطينية، واعتقال عناصر السلطة الفلسطينية ونشطاء الانتفاضة السياسيين والعسكريين في حركات فتح وحماس والجهاد…. وغيرها من المنظمات الفلسطينية وحيث تقدر هذه الخطة حجم الخسائر المتوقعة في الجانب الإسرائيلي بحوالي 300 قتيل فقط مقابل أكثر من 3000 فلسطيني. وتحسباً لاحتمالات اتساع نطاق المواجهة لتشمل عدداً من الدول العربية، فقد عملت القيادة الإسرائيلية على تنشيط مراكز التجنيد والتعبئة في مدن العالم (11 مركزا) لتجنيد شباب اليهود وإرسالهم إلى إسرائيل.

وشارون عندما ينظر إلى قضية الحرب، لا ينظر لها فقط من منظور الردع بقدر ما ينظر لها باعتبارها الوسيلة المثلى في رأيه لاستعادة (الأرض التوراتية بالكامل) والتي لا تقتصر على الضفة الغربية فقط، بل تشمل أراضي أخرى في الدول العربية لم يحن الوقت بعد لاستعادتها. ومن ثم فإنه لا يرى أن هناك أراضي فلسطينية أو سورية أو لبنانية جرى احتلالها إسرائيليا بالقوة، بل أرضا إسرائيلية تمت استعادتها. وبالتالي فإنه من غير الوارد على ذهنه إطلاقا الدخول في تفاوض مع الطرف الفلسطيني للتوصل إلى صيغة سياسية لوضع نهاية للاحتلال الإسرائيلي، حتى لو كانت صيغة بشروط إسرائيلية تنطوي على ظلم للحق الفلسطيني. فهو أصلا يرى في الضفة والقدس أرضاً يهودية مقدسة يجب (تحريرها) من الوجود الفلسطيني (الدخيل).

وهذا هو المعنى الذي يقصده شارون من مقولته المعروفة بأن "حرب 1948 لم تنته بعد"!!

إذن الحرب ضد الشعب الفلسطيني كانت حتمية وأمرها مبيتا منذ فوز شارون في الانتخابات الماضية، وهي حتمية أيضا من وجهة نظره لتعزز مركزه الداخلي في إسرائيل، وفي حزب الليكود على وجه الخصوص لمواجهة خصمه اللدود (نتينياهو) في الصراع على زعامة الحزب، واستمرار رئاسته للحكومة في إسرائيل. وهذه الحرب في رأي شارون لن تنتهي إلا باستسلام أحد الطرفين، وحيث لا حلول وسط، ولن تتخللها هدنة إلا بمقدار ما يرتضيه الطرفان معاً للتجهيز لجولة قتالية جديدة. وليس هذا تحليلاً من جانبنا بقدر كونه تفسيراً لتصريحات شارون التي قال فيها إنه "لا يرغب في اتفاق سلام شامل يتضمن حلولاً وسطية لقضايا الوضع النهائي الفلسطيني، ولكنه يرغب فقط في اتفاق أمني طويل المدى". وهو ما يعني ضمنياً أن تتوقف المقاومة الفلسطينية لمدة عامين على الأقل حتى يتمكن شارون من استكمال برنامج الاستيطان وهجرة يهود الشتات، وتدعيم إستراتيجية الردع، وإنهاء الحلم الحالي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.


الحرب الشارونية
ضد الشعب الفلسطيني كانت حتمية ومبيتة منذ فوز شارون في الانتخابات الماضية، لتعزز مركزه الداخلي في إسرائيل وفي حزب الليكود، وهي حرب ليس فيها حلول وسط ولن تنتهي إلا باستسلام أحد الطرفين، ولن تتخللها هدنة إلا بمقدار ما يرتضيه الطرفان معاً للتجهيز لجولة قتالية جديدة
فإذا كان اندلاع الحرب حتمياً على هذا النحو من وجهة النظر الشارونية، فإن استمرارها يكون من نفس هذه الوجهة حتمياً أيضاً من أجل تحقيق الأهداف بعيدة المدى لإسرائيل. ومن ثم يمكننا تفسير جهود شارون للتمهيد لهذه الحرب سياسيا واقتصاديا وإعلاميا وعسكرياً على كل الساحات الداخلية والإقليمية والدولية، وزياراته للولايات المتحدة والدول الأوروبية وتركيا على وجه الخصوص، والذي وجه لها تهديداً ضمنياً أثناء زيارته الأخيرة بضرورة دعم إستراتيجيته التعرضية إذا ما كانت أنقرة حريصة على مصالحها في الولايات المتحدة، حيث يمكن للوبي اليهودي في واشنطن أن يؤثر إيجاباً أو سلباً في هذه المصالح!!.

فقد نحج شارون على الساحة الداخلية في أن يعبئ الرأي العام الإسرائيلي –وعلى رأسه اليمين المتطرف– وراءه، ويحد من فاعلية المعتدلين واليساريين على الساحة الإسرائيلية، أما على الساحة الدولية فقد نجح إلى حد ما في أن يطرح نفسه كسياسي معتدل يريد الدفاع عن أمن بلاده في مواجهة (الإرهاب
العربي)، ومن ثم يحق له أن يوجه ضربات وقائية ضد مراكز (الإرهاب)، وهو ما عبر عنه تصريح نائب الرئيس الأميركي (ديك تشيني) عندما أعطى إسرائيل حق ملاحقة (الإرهابيين الفلسطينيين) بأعمال الاغتيالات الانتقائية.


الموقف العربي في مواجهة الحرب الشارونية


آثرت الولايات
المتحدة الاستمرار في عدم التدخل على أمل أن تسفر الحرب الشارونية القادمة عن إفراز معطيات جديدة على الأرض تلغي ما سبق من اتفاقات في إطار أوسلو، وتفرض معادلة جديدة تحقق أهداف إسرائيل والولايات المتحدة معاً في المنطقة بصورة أفضل
إذا كانت قضية الحرب أصبحت شبه حتمية على هذا النحو، فماذا يتعين على العرب فعله إزاء ذلك؟ خاصة بعد أن تجاوزت الظروف الدموية صلاحية كل الحيل التي ظلت تلعب بها الحكومات العربية من بيانات وشجب وإدانة واستنكار، ومبادرات تستجدي الولايات المتحدة التدخل لدفع الظلم عن الشعب الفلسطيني، بدعوى احتمالات تعرض المصالح الأميركية للخطر. فقد اتفقت آراء صناع القرار الأميركي على أنه لا تهديد حقيقي للمصالح الأميركية في المنطقة، ومن ثم آثرت الولايات المتحدة الاستمرار في (التفرج) وعدم التدخل، على أمل أن تسفر الحرب القادمة عن إفراز معطيات جديدة على الأرض تلغي ما سبق من اتفاقات في إطار أوسلو، وتفرض معادلة جديدة تحقق أهداف إسرائيل والولايات المتحدة معاً في المنطقة بصورة أفضل.

فهل ستظل الدول العربية بعد كل ذلك تتوارى خلف الستار المهترئ الذي أطقت عليه "الخيار الإستراتيجي للسلام"؟، وبعد أن ثبت أن هذا السلام هو أبعد ما يكون عن أهداف ومخططات شارون؟ أم ستستمر الدول العربية في الرهان على موقف معتدل من جانب بيريز يجبر شارون على الحد من غلوائه في التعامل مع الفلسطينيين؟ في حين ثبت بما لا يدع مجالاً لأي شك أن كل تصريحات بيريز تتمحور حول هدف واحد هو (تجميل) صورة حكومة شارون إقليميا ودولياً، وخداع العرب وتضليلهم عن مخطط الحرب القادمة التي يجري التمهيد لها على قدم وساق في إسرائيل، خاصة في ضوء شحنات الأسلحة الأميركية التي تترى عليها. إن التصدي العربي لمواجهة الحرب الشارونية القادمة أمر حتمي كذلك، ويمكن أن يتم على النحو الاتي:

أولاً: التحرك على المستوى السياسي والعسكري

  1. تعزيز اتجاهات النجاح والتخلي عن اتجاهات الفشل:
    إذ لابد من أن يكون الخيار الإستراتيجي العربي بشكل عام والفلسطيني بوجه خاص يستهدف دعم اتجاهات النجاح في العمل الوطني العربي والفلسطيني. فقد أثبتت أحداث التاريخ والواقع أن الأمم الواعية ذات الإرادة الحديدية في التمسك بأهدافها والدفاع عن حرماتها لا تحقق ذلك إلا بتقديم أرواح المئات والآلاف من أبنائها، والتضحية بكل غال في سبيل ذلك. فالشعب الجزائري لم ينل حريته واستقلاله إلا بعد أن قدم أكثر من مليون شهيد، والشعب الفيتنامي كذلك قدم أكثر من 1.5 مليون قتيل في مقابل 158 ألف قتيل أميركي كانوا سببا في سرعة انسحاب أميركا من فيتنام، وثورة حائط البراق في فلسطين عام 1929 هي التي أجبرت المجتمع الدولي على الاعتراف بأن المسجد الأقصى بكل جدرانه وأرضه ملك للفلسطينيين ولا حق لليهود فيما يطلقون عليه اليوم حائط المبكى. وأمثلة أخرى كثيرة في التاريخ لا حصر لها تؤكد هذه البديهية. فإذا كانت ألف باء السياسة والإستراتيجية تقول بتعزيز اتجاهات النجاح، وعدم تعزيز الاتجاهات التي ثبت فشلها، فإن السؤال المطروح عربيا بعد فشل دام عشر سنوات في عملية أوسلو.. هل نعزز الفشل الذي تأكد عندما اعتمدنا على مفاوضات السلام في تحقيق أهدافنا، حيث ثبت عدم وجود طائل من ورائها، أم نعزز النجاح الذي أثبتته الانتفاضة الفلسطينية عندما فرضت تحديات كثيرة على إسرائيل، هي أعجز من أن تواجهها؟ لذلك لم يكن غريبا أن يتجه الجهد الإسرائيلي والأميركي لإيقاف هذه الانتفاضة لما تسببه من تآكل في إسرائيل بشريا واقتصاديا ويفضحها سياسيا وإعلاميا؟! أعتقد أن الإجابة البديهية تتمثل في ضرورة بل وحتمية دعم الانتفاضة واستمرارها عسكريا وماديا وإعلاميا وسياسيا حتى تحقق أهدافها النهائية في استخلاص الحق الفلسطيني كاملا، والمتمثل في قيام دولة فلسطينية مستقلة حرة ذات فاعلية على كل التراب الفلسطيني في الضفة وغزة، والسبيل الوحيد لتحقيق ذلك، هو إيقاع المزيد من الخسائر البشرية في الإسرائيليين عسكريا ومدنيا على السواء، طالما أن المدنيين الفلسطينيين تستبيح القوات الإسرائيلية أرواحهم ودماءهم. فليس الدم اليهودي أغلى من الدم العربي، بل العكس هو الصحيح. ومن ثم فإنه كلما حملت عربات الإسعاف المزيد من جثث الإسرائيليين إلى ذويهم، كلما سارع ذلك في الوصول إلى لحظة الخلاص من المحتل الإسرائيلي وانسحابه من الأراضي العربية، وهو الدرس الأهم الذي أعطته المقاومة اللبنانية وأجبـرت به إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنـان، عندما ثارت الأمهات الإسرائيليات في وجه حكومة باراك، بعدما زاد عدد جثث الجنود الإسرائيليين الذي كانت تحملهم عربات الإسعاف إلى هؤلاء الأمهات، وفاق كل التوقعات والحسابات الإسرائيلية. ومن ثم يصبح واجب الدول العربية هو مساعدة الشعب الفلسطيني على الاستمرار في انتفاضته حتى تحقق أهدافها النهائية، ولا ينبغي أن يقتصر ذلك على الدعم المالي فقط، بل ينبغي أيضا أن يشمل الدعم العسكري والبشري بإرسال المتطوعين والأسلحة إلى الحركات الناشطة والفاعلة في الانتفاضة أيا كانت هويتها السياسية. ومن حق الدول العربية أن تفعل ذلك طالما أن حكومة شارون فتحت مراكز التجنيد والتطوع لليهود في الشتات، وطالما تحصل إسرائيل من الولايات المتحدة على الأسلحة التي تضرب بها الشعب الفلسطيني، فإن هذا وذاك يعطي المبرر السياسي والقانوني والشرعي للدول العربية في تقديم المتطوعين والأسلحة للشعب الفلسطيني ليدافع بها عن نفسه.
  2. التصدي لمواجهة احتمالات اتساع الحرب:
    أما على مستوى الدول العربية وفي مواجهة احتمالات اتساع نطاق الحرب، فإن السعي إلى تحقيق التوازن الإستراتيجي خاصة في بعده العسكري وتفعيله يعتبر الأساس في ردع إسرائيل عن الاستمرار في تهديد الدول العربية بالحرب التي تمتد -على حد قول واحد من وزرائها- من "طهران إلى السد العالي". وإذا أدركنا
    – طبقا لجدول مقارنة القوات بين الدول العربية وإسرائيل أن الميزان العسكري من حيث الحسابات المجردة للقوة البشرية والأسلحة هو فعلا في جانب الدول العربية، فإن الباقي هو الجهد السياسي بتفعيل هذا التفوق وتأطيره في اتفاقات تعاون إستراتيجي بين الدول العربية، وهو أكثر ما يهدد إسرائيل وتخشاه. وهذا بالضبط ما فعله صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر عندما نجح في تجميع كلمة وصفوف الدول العربية –خاصة مصر وسوريا– من أجل مواجهة الصليبيين، فتمكن بعد 200 سنة من الاستعمار الصليبي من تحرير فلسطين والشام منهم، بدءا بمعركة (حطين) الشهيرة. ومن ثم فإن الدرس المطلوب تطبيقه سياسيا يتمثل في إدراك القيادات العربية أن الخطر الإسرائيلي ليس قاصرا على فلسطين فقط، بل يتعداها إلى كل الدول العربية بما فيها دول الخليج البعيدة عن إسرائيل، حيث أطماع إسرائيل فيها نطق بها شارون في 1982 عندما قال للأميركيين "إذا كان علينا أن نشارككم في الدفاع عن مصالحكم في الخليج، فإنه ينبغي أن يكون لنا نصيب من عائدات نفط الخليج". وبالتالي فإن تجاوز الخلافات العربية يصبح أمرا حتميا من أجل الوصول إلى دفاع عربي مشترك حقيقي، يحقق أمن الدول العربية في مستواه القطري لكل دولة، قبل المستوى القومي لكل الأمة العربية.

  3. الرسالة السياسية والإستراتيجية التي ينبغي أن توجهها الدول العربية لإسرائيل ومن وراءها أن الدول العربية لا تنوي الهجوم على إسرائيل، ولكنها مصممة على دعم الانتفاضة واستمرارها بكل الوسائل العسكرية والاقتصادية حتى تستجيب إسرائيل
    -طوعا أو كرها- لحقوق الشعب الفلسطيني كاملة في الحرية والاستقلال غير المنقوص

    مواجهة الهاجس النووي الإسرائيلي:

    وإذا كان هاجس الترسانة النووية الإسرائيلية هو الذي يخيف الدول العربية من تفعيل قواها المسلحة المشتركة، فإنه يجب القضاء على هذا الهاجس. لأن إسرائيل تعتمد على هذه الترسانة النووية فقط من أجل الردع والتخويف، أما استخدامها فلن يكون إلا في حالة سيناريو "الملاذ الأخير" إذا ما تهدد الكيان الإسرائيلي في عقر داره بالجيوش العربية، وهو ما لا تنوي الدول العربية فعله حاليا ولا في المستقبل القريب. ولقد أوضح كثير من الخبراء الإسرائيليين أن المشروع النووي الإسرائيلي هو (مشروع عبثي، لأن إسرائيل ستكون أكثر المتضررين في حالة لجوئها للخيار النووي بسبب قرب الحدود، وصغر مساحة إسرائيل، وتكدس سكانها وأهدافها الحيوية في المنطقتين الساحلية والوسطى، مما يكبدها خسائر جسيمة في حالة الرد العربي بضربات صاروخية تحمل رؤوسا كيميائية وبيولوجية، وهي أسلحة متاحة في الجيوش العربية، ناهيك عن كون القدرات الجيوبوليتيكية العربية –لاسيما في المساحة والسكان– تمكن العرب من استيعاب ضربة أو ضربتين نوويتين ثم مواصلة التحدي، في حين لا تستطيع إسرائيل تحمل نصف ضربة كيميائية طبقا لشهادة شمعون بيريز نفسه في كتابه (الشرق الأوسط الجديد).
    وبالتالي فإن الرسالة السياسية والإستراتيجية التي ينبغي أن توجهها الدول العربية لإسرائيل ومن هم وراءها، أن الدول العربية لا تنوي الهجوم على إسرائيل، ولكنها مصممة على دعم الانتفاضة واستمرارها بكل الوسائل العسكرية والاقتصادية حتى تستجيب إسرائيل -طوعا أو كرها- لحقوق الشعب الفلسطيني كاملة في الحرية والاستقلال غير المنقوص. أما إذا أرادت إسرائيل فرض خيار الحرب على الدول العربية بعد أن أسقطت خيار السلام فإن الدول العربية قادرة على قبول هذا التحدي، ولن يكون رد الفعل العربي قاصرا على الدفاع عن الأراضي العربية فقط، بل سيكون العمق الإسرائيلي بكل ما في أيدي العرب من أسلحة تدرك إسرائيل فعلا خطورتها. هذا هو المنطق الوحيد الذي يمكن أن يتم التعامل به سياسيا وإستراتيجيا مع إسرائيل، وتفهمه الأخيرة جيدا ويمكنها أن تتعامل معه بعقلانية إذا ما أدركت مصداقية الدول العربية فيه.

  4. ينبغي أن تكون عزيمتنا على القتال أكثر من رغبتنا في التفاوض، وأن نشرع بأخذ القضية في أيدينا ولا نتركها في أيدي الوسطاء، خاصة بعد أن أصبحوا شركاء
    التحرك السياسي الجاد لحماية الشعب الفلسطيني:
    ومن ثم فإن المطلوب عربيا أن تتسع دائرة التحرك الجاد والعمل المباشر لحماية الشعب الفلسطيني، وبحد أدنى، لتطبيق مقررات القمم العربية التي عقدت من أجل دعم الانتفاضة، وفي المقدمة منها تشديد المقاطعة لإسرائيل، وبدء خطوات عاجلة وفاعلة لمحاكمة شارون باعتباره مجرم حرب، ودعم الفريق البلجيكي المنوط به ذلك. في ذات الوقت الذي ينبغي فيه أن نحذر الدخول في لعبة (حرق الوقت) بجعل التفاوض هدفا في حد ذاته، أو بالرهان الفاشل على فكرة المراقبة الدولية –وهي في حقيقتها مراقبة أميركية إسرائيلية. فمثل هذه اللعبة المكشوفة لحكومة شارون وواشنطن ستطيل من برنامج (الأرض المحروقة) الذي يمارسه شارون. وينبغي أن تكون عزيمتنا على القتال أكثر من رغبتنا في التفاوض، وأن نشرع بأخذ القضية في أيدينا ولا نتركها في أيدي الوسطاء، خاصة بعد أن أصبحـوا شركاء. وأن نقف وقفة جادة مع الصديق ومع العدو على حد سواء، ذلك أن السياسة ذات اتجاهين أخذ وعطاء، وألا نسمح لشارون
    –وهو فعلا في مصيدة اليوم– أن يحول الموقف إلى صراع (الصفر)، وبتعبير أخر وجود وبقاء طرف وإزالة الطرف الأخر، ويعني به إزالة الطرف الفلسطيني، وهو ما ليس في قدرته لا في المدى القريب ولا على المدى البعيد.
  5. تعظيم دعم الدور الشعبي:
    كما ينبغي تعظيم دعم الدور الشعبي في الدول العربية من أجل مساندة الانتفاضة، بحيث تشكل الشعوب العربية وكذلك الإسلامية القوى الضاغطة وراء الحكومات العربية لتحدي المواقف الإسرائيلية والأميركية، وبما يؤمن استمرار الغضبة العربية والإسلامية، ومساندة جميع القرارات السياسية والإستراتيجية التي تتخذها الحكومات العربية تحسبا للأزمات المتوقعة، وأثناء إدارتها. مع تشكيل مجموعات عمل عربية للقيام بعمليات مساندة للمقاومة في كل مكان يكون فيه مثل هذا العمل جديا.

ثانياً: التعامل مع الولايات المتحدة والدول الكبرى


  1. كيف تطالب الدول العربية الولايات المتحدة وأوروبا باتخاذ موقف ضد الاعتداءات الإسرائيلية، ونحن كعرب لا نتخذ أي موقف ضدها
    الضغط السياسي والاقتصادي على الولايات المتحدة والدول الكبرى،
    فمن الضروري أن تمارس الحكومات العربية ضغوطا على الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والتي لها مصالح حيوية في منطقة الشرق الأوسط وقد تكون هذه الضغوط سياسية واقتصادية.
  2. السماح للجماهير بالتعبير السلمي عن الإحباط من الموقف الدولي تجاه الفلسطينيين بأن تعرب بالوسائل السلمية عن حالة الغليان والإحباط التي تعيشها من جراء ما يتعرض له الفلسطينيون. فعندما تشاهد الحكومات الغربية وشعوبها مظاهر التعبير الشعبي عن مدى اليأس العربي، ويصل إليهم احتمالية أن يتحول هذا اليأس ذاتيا إلى قنابل موقوتة تهدد مصالحهم، فقد تتأكد الدول الكبرى أن الوضع بالمنطقة بلغ حدا خطيرا يتطلب تحركا جديا من جانبها للحيلولة دون انفجار البركان.
  3. التلويح باللجوء إلى سلاح النفط، وإذا كان من الصعب على الدول العربية أن تتخذ في هذه الأزمة قرار استخدام النفط كسلاح ضد الدول التي تؤيد إسرائيل، كما حدث في حرب أكتوبر 1973، فلا أقل من أن تقوم الدول العربية بتحذير الولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى، من أنها قد تلجأ -تحت ضغط الشعوب العربية- إلى مثل هذا القرار إذا ما استمر التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، أو أدت الممارسات الإسرائيلية إلى تفجير الوضع في المنطقة في شكل حرب إقليمية غير مستبعدة. خاصة إذا كان مثل هذا التحذير مواكبا لقرارات عربية بتخفيض إنتاج النفط، ومقاطعة المنتجات الأميركية، وتقليص حجم الاستثمارات العربية في أميركا. وإلا فإن على الحكومات العربية أن تجد إجابة على السؤال المطروح في الساحة العربية، وهو كيف نطالب الولايات المتحدة وأوربا باتخاذ موقف ضد الاعتداءات الإسرائيلية، ونحن كعرب لا نتخذ أي موقف ضدها؟ كما علينا أن نتمثل التجربة الصينية الناجحة في التعامل مع الولايات المتحدة، فقد نجحت الصين في أن تواجه وتتحدى الإرادة الأميركية رغم كل الضغوط السياسية والاقتصادية والتجسسية التي تشنها عليها الولايات المتحدة، حيث استخدمت بكين بنجاح ما لديها من أوراق إستراتيجية واقتصادية في محاربة الولايات المتحدة اقتصاديا في عقر دارها عندما هددت بمقاطعة المنتجات الأميركية، وإغراق العالم بالمنتجات الصينية الرخيصة الثمن.

ثالثاً: الخطاب الإعلامي العربي

  1. العمل الإستراتيجي العربي لمواجهة التصعيد العسكري الإسرائيلي، واحتمالات تحوله إلى حرب إقليمية، يفرض على الدول العربية إعادة صياغة الخطاب الإعلامي العربي، وأن تعيد التفكير في طرق طرح قضايانا بشكل عملي وعلمي يضمن تحقيق التأثير المطلوب سواء بالنسبة للرأي العام الإسرائيلي -وهذا مهم جدا- أو الرأي العام العالمي بشكل كمي وكيفي ومتصاعد يدحض حملات الدعاية الإسرائيلية المعادية للعرب.
  2. مخاطبة الجماهير العربية التي أصابها اليأس والإحباط، بإعطائها الأمل في إمكانية التغلب على هذه المحنة التي تتعرض لها الأمة العربية، كما تغلبت على محن سابقة عندما قهرت الغزوتين الصليبية والتترية الأكثر شراسة من الغزوة الصهيونية الحالية.
  3. مخاطبة الرأي العام العالمي تذكير أوروبا والولايات المتحدة بالتاريخ العنصري لليهود في مختلف بلدان العالم قديما وحديثا، فلم تكن الضربات التي وجهها الرومان والفرس والمصريون والإغريق قديما ضد التكتلات اليهودية في بلدان المشرق العربي، مما أدى إلى قتل اليهود وطردهم وأسرهم وتشريدهم في قرون ما قبل الميلاد، إلا بسبب إمعانهم في العداء للمجتمعات التي عاشوا فيها، وتحكم العنصرية والحقد فيهم على غيرهم من الشعوب، وممارستهم لكافة صنوف الإفساد وبث الفتن في هذه المجتمعات، ومحاولتهم السيطرة عليها.
  4. كشف الوجه العنصري الكريه للصهيونية العالمية التي تصنف العالم إلى قسمين: يهود لهم حق السيطرة والهيمنة على غيرهم من الشعوب التي يطلقون عليها (الغوييم) أو (الأغيار). وفي هذا الصدد ينبغي ترجمة ونشر كل ما حوته كتب اليهود مثل (التوراة المحرفة)، (التلمود)، (وبروتوكولات حكماء صهيون) والتي تشرع وتبيح لليهود قتل واستباحة حرمات كل من هو غير يهودي في العالم.
  5. تعرية التحالف الصهيوني الأميركي الفاضح، الذي يحمي العدوان على كل حقوق الإنسان وحرياته، بينما يتشدق صباح مساء بالدفاع عن حقوق الإنسان من ناحية أخرى.
  6. إنشاء قناة فضائية عربية موحدة تسهم في تمويلها وتفعيلها كل الدول العربية، تتحدد مهمتها في إظهار الحقيقة وكشف زيف الإعلام الصهيوني، وفضح جرائم الساسة والعسكريين الإسرائيليين، وإحداث نوع من التعبئة العالمية ضد إسرائيل، ومخاطبة الرأي العام العالمي وتخليصه من أسر الدعاية الصهيونية، وبذلك تساهم في تكوين اتجاهات رأي عام مؤيد للقضايا والمواقف العربية، بعد أن تكشف خطأ الانحياز لإسرائيل، فتسعى إلى تحييد هؤلاء المنحازين على الأقل.
  7. توجيه خطاب إعلامي وسياسي للشعب الإسرائيلي، يركز على توليد الإدراك لدى الإسرائيليين بخطئهم في انتخاب شارون رئيسا لهم، وهو الذي وعدهم بالأمن والسلام فلم يتحقق لهم لا الأمن ولا السلام، كما فشل في تحقيق وعده بالقضاء على الانتفاضة خلال مائة يوم. وأن استمرار شارون في الحكم بنفس السياسة الإجرامية والعنصرية التي يمارسها، سيكبد الشعب الإسرائيلي المزيد من القتلى والجرحى، ناهيك من الخسائر الاقتصادية والسياسية التي ستصيبه. أما مخططات شارون بعيدة المدى في دفع المنطقة إلى حرب يحاول من خلالها فرض الإرادة الإسرائيلية على الدول العربية، فإنها من ضروب الخيال وأحلام اليقظة.
  8. مخاطبة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، على أساس أن الصراع العربي الإسرائيلي من الصراعات طويلة الأمد، وأن الطريق لايزال في أوله. وإذا كان الشعب الفلسطيني قد قدم الكثير من الضحايا، فإن طريق الشهداء هو الطريق الحقيقي الوحيد لنيل الحرية والاستقلال، ودروس التاريخ حافلة بمئات الأمثلة على ذلك. ومن ثم فإن الشعب الفلسطيني لن يستسلم رغم ما يواجهه من محن، وسيواجه شارون بكل ما يملكه من إمكانات متواضعة، ولكنه لن يركع ولن يستسلم. فقد ينجح شارون في تدمير أحياء سكنية كاملة للفلسطينيين، وقد يشرد آلافاً من الأسر، بل قد ينجح أيضا في ضرب السلطة الفلسطينية وترحيلها إلى الخارج، ولكنه أبداً لن ينجح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني ودفعه إلى هجرة أرضه كما حدث في عام 1948، بل سيقاوم وينقل المعركة بواسطة الاستشهاديين إلى داخل العمق الإسرائيلي، وبذلك يكسر إرادة شارون وليس العكس.
  9. تركيز الخطاب الإعلامي العربي على الجانب الديني الأهم في هذه المواجهة، ليس فقط من جهة الحث على الجهاد والاستبسال في مواجهة العدو الإسرائيلي حتى الاستشهاد، ولكن أيضا من جهة أخرى مهمة وهي إعطاء الأمل –بل اليقين– في نصر المولى عز وجل لعباده المؤمنين، "وكان حقا علينا نصر المؤمنين"، وحيث تؤكد سورة الإسراء حتمية انتصار المؤمنين على اليهود في وقتنا هذا بعد إفسادتيهم الأولى والثانية، وعلوهم في الأرض مرتين، ودخولهم المسجد الأقصى مرتين، وهو الواقع الذي نحياه اليوم، ويبقى أن يحقق المولى عز وجل لنا قوله تعالى "وليتبروا ما علو تتبيراً" ولن يخلف الله وعده.
  10. كما يجب على الخطاب الإعلامي العربي في بعده الديني أن يحذر العرب والمسلمين من مخاطر المخططات الصهيونية ضد المقدسات الإسلاميـة كلها، وليس المسجد الأقصى فقط، وإذا كان اليهود اليوم قد تجرؤوا على المسجد الأقصى يريدون هدمه لإقامة هيكلهم المزعوم على أنقاضه، فإنه لا ينبغي أن ننسى أو نتجاهل تصريح بن جوريون غداة هزيمة الدول العربية في عام 1967، والذي قال فيه "إن لنا حقوقا في الكعبة التي بناها أبونا إبراهام"!!.

رابعاً: العمل على الساحة الفلسطينية

في مواجهة الحرب الدائرة اليوم على الساحة الفلسطينية، والتي لا تريد إسرائيل أن توقفها إلا بعد استسلام كامل للشعب الفلسطيني ليواجه مستقبلا من الاستعباد الإسرائيلي، فإن ما يحتاجه الشعب الفلسطيني إذن هو الإعداد الجيد لهذه الحرب، في مقدمة متطلبات الإعداد لهذه الحرب ما يأتي:

  1. تطهير الساحة الفلسطينية من عملاء إسرائيل الذين يقدر عددهم بحوالي خمسين ألف عميل طبقا للتقديرات الإسرائيلية، فهؤلاء الخونة هم الذين يسهلون على القوات الإسرائيلية اصطياد وقتل رموز ونشطاء الانتفاضة، ويشكلون خنجراً مسموما في خاصرة النضال الفلسطيني.
  2. تحديد الهدف العسكري للانتفاضة في الفترة القادمة بالوصول إلى قتل 50 ألف إسرائيلي، فإذا ما تحقق الهدف رغم ما سيتكبده الشعب الفلسطيني من خسائر في المقابل، فمن المؤكد أن إسرائيل أيا كان نوع الحكومة التي تترأسها، ستضطر ليس فقط إلى سحب قواتها العسكرية من الضفة وغزة، بل وأيضا إخلاء وتفكيك جميع المستوطنات هناك.
  3. تنظيم حرب العصابات ضد القوات الإسرائيلية والمستوطنين في الضفة وغزة، إلى جانب استمرار العمليات الاستشهادية داخل العمق الإسرائيلي، والقيام بكل ما من شأنه إلحاق خسائر مباشرة وموجعة بالعدو، وذلك بتنظيم مجموعات مسلحة من الأهالي في المدن والبلدان والبيارات والمخيمات لمواجهة فصائل المستوطنين.
  4. قيام القيادات والأحزاب الفلسطينية بتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية تضم كل الفصائل والحركات والأحزاب، وتتبنى سياسة المقاومة وسيلة للتخلص من الاحتلال الإسرائيلي. وبذلك يمكن للشعب الفلسطيني أن يفسد على إسرائيل سياستها المعروفة (فرق تسد)، والتي تستهدف تفريق الفلسطينيين إلى فئات تضرب بعضها بعضا.
  5. تحقيق شفافية القيادات الفلسطينية أمام الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، حتى تجد المساعدات المالية العربية طريقها الصحيح إلى مواقع الجهاد الفلسطيني، وليس إلى مواقع أخرى.

الميزان العسكري بين الدول العربية وإسرائيل
(ميزان القوى العام)

الدولة

القوات (بالألف)

الجيش (بالألف)

الدبابات

المصفحات

المدفعية

الطائرات

المروحيات

إسرائيل

172.5

130

3800

6300

1537

446

133

كل الدول العربية

2344.53

2085.15

19919

30197

12452

3362

653

الأردن

103.88

90

1246

1691

544

106

16

الإمارات

64.5

59

237

1138

289

99

49

البحرين

11

8.5

106

411

107

24

26

تونس

35

27

84

417

123

44

7

الجزائر

124

107

1006

1712

727

181

65

جيبوتي

25

200

89

175

160

179

-

السعودية

162.5

127

1550

4285

568

432

33

السودان

104.5

100

1700

608

300

30

5

سورية

316

215

3650

4805

2530

589

87

الصومال

35.9

35.9

-

-

-

-

-

العراق

387.5

350

2700

3400

2200

353

120

عمان

43.5

31.5

141

219

109

40

-

فلسطين

35

35

-

45

-

-

-

قطر

11

8.5

44

284

44

18

12

الكويت

15.3

11

385

455

68

76

20

لبنان

65

63.75

327

1463

174

-3

-

ليبيا

76

45

985

2620

1870

420

52

مصر

448.5

320

3960

3730

1378

583

129

المغرب

198.5

175

644

1344

484

89

24

موريتانيا

15.65

15

35

105

75

7

-

اليمن

66.3

61

1030

1290

702

89

8

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- تشمل المصفحات ناقلات الجند وعربات القتال الخفيفة المدولبة والمجنزرة ومركبات الاستطلاع، في حين تشمل المروحيات طائرات الهليكوبتر الهجومية فقط، ولا تشمل المدفعية مدافع الهاون لدى جيوش المنطقة. (الأرقام الواردة في الجدول من إعداد المؤرخ العسكري أنتوني كوردسان)، وهي متفقة إلى حد كبير مع إصدارة الميزان العسكري لعام 1999-2000 للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية بلندن IISS).
___________________
* خبير إستراتيجي مصري

المصدر : غير معروف