* بقلم/ سلام العبيدي

فكرة الرئيس الروسي بالانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي التي أخذت تتطور تدريجيا إلى مبادرة رسمية اعتبرها بعض المراقبين مفاجأة، وربما مناورة ذكية لتحقيق مكاسب آنية، ككسب التأييد لسياسة الكرملين في الشيشان، وليست سياسة مدروسة على الأمدين المتوسط والبعيد.

ولكن توقيتها أثناء زيارة فلاديمير بوتين إلى ماليزيا. تلك الزيارة التي أجل موعدها بسبب سلسلة الانفجارات التي شهدتها موسكو في صيف العام الجاري، والإلحاح في طرحها أولا على ولي العهد السعودي الأمير عبد الله إبان زيارته إلى العاصمة الروسية في سبتمبر/أيلول الماضي ثم على الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في الدورة الـ 58 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مؤخرا، وفي مكالمة هاتفية مع الرئيس المصري حسني مبارك، ناهيك عن المشاورات التي أجراها وزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف مع نظرائه من سلسلة من الدول العربية والإسلامية، كل ذلك يدل على منهجية ومواظبة في حشد أوسع قاعدة للتأييد عربيا وإسلاميا داخليا وخارجيا لهذا السعي.


لم تخض روسيا حروبا دينية سافرة ضد الإسلام، وحروبها مع الدولتين العثمانية والفارسية كان يطغى عليها الطابع الاستعماري والرغبة في الوصول إلى الأراضي الخصبة والمياه الدافئة

إن سعي روسيا إلى أن يكون لها صوت وشأن في العالم الإسلامي لم يأت من فراغ، وليس مبنيا على أساس هش. وتكفي الإشارة إلى أن الإسلام بلغ روسيا في مطلع القرن العاشر الميلادي، أي قبل أن تصلها المسيحية بأكثر من نصف قرن، وحتى قبل انتشار الإسلام في العديد من الدول الإسلامية، كإندونيسيا التي تعتبر أكبر البلاد الإسلامية.

ويروى في قصص التاريخ أن الأمير فلاديمير الذي اعتنقت روسيا على يديه المسيحية في نهاية القرن العاشر كان معجبا للغاية بتعاليم الإسلام وكاد يعتنقه ويعممه في روسيا، لولا الظروف المناخية القاسية (شدة البرد) التي جعلت السكان يعتادون على تناول بعض المحرمات في الطعام والشراب، وطول النهار في الصيف، مما يجعل صوم رمضان أمرا صعبا.

ويلاحظ من قراءة التاريخ أن روسيا لم تخض حروبا دينية سافرة ضد الإسلام، وأن حروبها مع الدولتين العثمانية والفارسية كان يطغى عليها الطابع الاستعماري والرغبة في الوصول إلى الأراضي الخصبة والمياه الدافئة في شبه جزيرة القرم والقوقاز والبلقان. أما دول آسيا الوسطى التي بدأ الإسلام الانتشار فيها منذ الفتوحات الإسلامية الأولى في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد انضمت إلى روسيا طوعا بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

وبعد انتهاء حرب القوقاز باستسلام الإمام شامل في العام 1864م شكلت في قوام الجيش القيصري الروسي فرقة من المقاتلين القوقازيين (الشيشان والأنغوش والداغستانيين وغيرهم) أطلق عليها اسم "فرقة الوحوش" لما عرف عن منتسبيها من شجاعة واستماتة في تنفيذ الأوامر. وأنيطت بهذه الفرقة حماية القيصر الروسي نفسه.
ومنذ ذلك الحين لم تشهد العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي ما يسيء لها.

ويذكر أن علاقات روسيا بفلسطين تعود إلى القرن الثامن عشر. وقد أنشئت العلاقات الدبلوماسية مع مصر في القرن التاسع عشر. وكان الاتحاد السوفياتي السابق من أوائل المعترفين بالدولة الإمامية في اليمن وبالدولة السعودية الفتية. وكانت علاقات الاتحاد السوفياتي السابق طبيعية مع معظم دول العالم الإسلامي على امتداد القرن العشرين إلى أن وقع احتلال أفغانستان في العام 1979م. إلا أن اعتراف موسكو بارتكابها خطأ اجتياح أفغانستان وسحبها لقواتها في عام 1989م والتخلي عن البناء الشيوعي في عهد البريسترويكا والتجديد ساعد على تلطيف الأجواء الروسية- الإسلامية الأمر الذي تجسد في استئناف العلاقات مع السعودية وإقامة علاقات مع جميع دول مجلس التعاون الخليجي وتحسن العلاقات مع إسلام آباد وجاكرتا.

وعندما كشف الرئيس الروسي النقاب عن مبادرة الانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي دعم فلاديمير بوتين هذا السعي بحجة أن المسلمين يشكلون نسبة معتبرة من سكان البلد ويلعبون دورا هاما في المجتمع الروسي. وبالفعل يقدر عدد المسلمين في روسيا بأكثر من 20 مليون نسمة، أي حوالي 13% من سكان البلد. ولكن ثقل المسلمين في روسيا لا يحدده عددهم فقط. فالمسلمون يشكلون أغلبية في 8 جمهوريات هي تترستان وبشكيريا وداغستان والشيشان وأنغوشيا وقبردين -بلقاريا وقره شاي-وشركيسيا وأديغيا، مما يمنحهم وضعا اقتصاديا وجغرافيا وجيوسياسيا مميزا بفضل قرب منابع النفط والغاز (الشيشان وتترستان) والمياه الدافئة (داغستان وأديغيا) وعقد شبكات المواصلات. وتصل نسبتهم إلى ربع السكان في بعض الأقاليم الواقعة على ضفتي نهر الفولغا (إستراخان) وما وراء جبال الأورال (الطاي وأدمورتيا) وحتى سيبيريا (سفيردلوفسك وبيرم)، وهذه مراكز صناعية هامة. أما موسكو العاصمة السياسية والاقتصادية لروسيا فيقدر عدد المسلمين فيها بمليون شخص.

إلا أن الجرح الشيشاني النازف منذ نحو عقد من السنوات وما يسمى بمكافحة الإرهاب الدولي أثار على المستوى المعيشي لدى بعض الروس غير المسلمين ظاهرة النفور من الإسلام والشعوب القوقازية، خاصة المسلمة منها. ويتناغم هذا النفور مع الحملة الإعلامية التي تشنها وسائل الإعلام الممولة برأسمال يهودي على ما يسمى بالتطرف الإسلامي ومحاولات لصق تهمة الإرهاب بالإسلام.


عندما فكر الرئيس الروسي في انضمام بلاده لمنظمة المؤتمر الإسلامي كان يريد إثارة النقاش في العالم الإسلامي حول هذه المسألة

ولكن هل للمسلمين مصلحة في انضمام روسيا إلى منظمة المؤتمر الإسلامي؟ ما الضرر في أن تكون ثاني دولة عظمى في العالم عضوا في تجمع الأمم المسلمة؟ ألا يخدم ذلك قضايا المسلمين العادلة في هذا العالم المتغير نحو الأسوأ في كل ما يخص العرب والمسلمين؟ ثم أليس من الطبيعي أن تلبى رغبة ملايين المسلمين في روسيا في أن يكونوا جزءا من الأمة الإسلامية ليس روحيا وإنما دنيويا وتنظيميا أيضا، لا سيما أن الإدارات الدينية لمسلمي روسيا باركت فكرة انضمام روسيا للمنظمة؟ ألا يساعد ذلك على إيجاد حل عادل للقضية الشيشانية حقنا لدماء المسلمين وصيانة لسلامة دولة عظمى يمكن أن تصبح صديقا وفيا للمسلمين ونصيرا قويا لقضاياهم؟ هذه أسئلة ربما طرحها ويطرحها ملايين المسلمين في شتى أرجاء العالم.

ولا شك أن الرئيس الروسي فكر في كل ما تقدم أعلاه قبل أن يعلن على الملأ مبادرته. وربما أراد بذلك إثارة نقاش في العالم الإسلامي حول هذه المسألة. ثم لماذا ننكر على روسيا مصالحها في أن تصبح جزءا من العالم الإسلامي طالما أن هذه المصالح لا تتعارض مع مصالح المسلمين بل تلتقي معها في أمور كثيرة. وهكذا فإن الكرة أصبحت الآن في ملعب الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي.

والانضمام إلى هذه المنظمة أو تلك مسألة تخص البلد المعني نفسه إذا استوفيت فيه جميع شروط العضوية. ومنظمة المؤتمر الإسلامي جمعية اجتازت اختبارات الزمن بدرجات متفاوتة من النجاح على مدى 34 عاما ويفترض أن تتسم بالمرونة وتتفاعل مع مقتضيات العصر. وإذا فتح الباب في المرحلة الراهنة أمام روسيا فلم لا يفتح مستقبلا أمام دول أخرى مثل الهند (لأجل مسلمي جامو وكشمير) وعشرات الدول الأخرى التي تقطنها أقليات مسلمة مؤثرة وذات نفوذ.
ــــــــــــــــــ
مراسل الجزيرة في موسكو

المصدر : غير معروف