بقلم/ خيري منصور

لعل هذا الشاعر البري سليل الجبال قد أتقن الصمت الآن، وهو الذي قال قبل ربع قرن إنه تعلم الكلام في عامين لكنه يحتاج إلى ستين عاما لتعلم الصمت.

حمزاتوف، رسول داغستان الذي ناء بحمولة الأيدولوجيا مبكرا، ولم يجد في الكولوخوز ضالته الشعرية، لأن ما فاض من طفولته على صباه ومن صباه على شيخوخته جعله أقل ارتهانا من معظم شعراء جيله لرؤى معلبة وأحلام جماعية مقررة.

إن سيرة حياة حمزاتوف شاعرا وناثرا وإنسانا هي فصل حميم من سيرة داغستان التي أحبها كما لم يفعل شاعر آخر في العصر السوفياتي الذي انحاز حتى الفن فيه للحديد بقدر ما نأى عن الحرير، سواء كان هذه الحرير نسيج قصيدة أو علاقة إنسانية لا تخضع لفائض القيمة أو حاسوب الطبقات.


كان حمزاتوف رسول داغستان بامتيازين: الأول صدقه في التعبير عن أعمق ما يدور في بواطن الناس, والثاني اعتناق عشق البلاد كعقيدة لا تقف على النقيض من الأيدولوجيا
فابن القروي الجبلي "أبوطالب" تضمخت روحه منذ لثغ بالشعر بتلك الحكايات الشفيفة التي أفرزها الشجر كما يفرز النحل الشهد، لهذا كان حمزاتوف رسول داغستان بامتيازين:

الامتياز الأول صدقه في التعبير عن أعمق ما يدور في بواطن الناس. والامتياز الثاني اعتناق عشق البلاد كعقيدة لا تقف على النقيض من الأيدولوجيا في بعدها الفكري والفلسفي بقدر ما ترفدها وتغذيها وتترجمها من كلمات إلى تراب، ومن أرقام صماء إلى كائنات مفعمة بالأحاسيس، فالمكان بالنسبة لأمثاله هو زمان أيضا، لأن الناس الذين كدحوا فيه وكابدوا شروطه على امتداد التاريخ وقسوة الجغرافيا مهروه بخصائصهم وأودعوا فيه ذكرياتهم في البؤس والنعيم.

وعندما ترجم كتاب حمزاتوف "داغستان بلدي" إلى عدة لغات منها لغتنا العربية، لقي من الصدى ما لم يظفر به كتاب آخر في الفترة ذاتها، لأن مثل هذا المنحى في الكتابة كان قد صنف باعتباره رومانسيا، بل شبه رعوي تجاوزه الزمن، لكن ما أحدثه هذا الكتاب من صدى يذكرنا برواية قصة حب "لساجال" الأميركي الذي فاجأ القراء في بلاده والعالم أيضا بقصة حب تقليدية تموت فيها الحبيبة بالسرطان في زمن شح فيه الحب.

ومثلما استغرب الناس صدور كتاب عن الحب في أميركا وفي ذروة هذه الواقعية الفولاذية والعلاقات البراغماتية السريعة، استغرب النقاد صدور كتاب في مطلع السبعينيات في الاتحاد السوفياتي السابق يتحدّث مؤلفه عن حكمة الجد الجبلي، والخيل وأخلاقيات من عاشوا بينها وتعلموا الكثير من صهيلها ووفائها لفرسانها بعد أن يترجلوا.

لقد شغل حمزاتوف مناصب مرموقة في الاتحاد السوفياتي، وكان يقيم في موسكو، لكن قلبه ماكث حيث خفق للمرة الأولى في ظل شجرة رؤوم تنز الحكمة كالسلاف من جذعها المجعد.

وهو بخلاف العديد من شعراء جيله الذين كانت عيونهم ترنو إلى ستوكهولم وقد خطفت أبصارهم أضواء جائزة نوبل، لهذا لم يتورط بدفع تلك الضريبة، الأشبه برشوة للدوائر الإعلامية الصهيونية التي بدأت تتمدد باتجاه موسكو قبل البيروسترويكا، والتي ربما مهدت لها، وهذا ما يفسر كتاباته عن فلسطين وانحيازه لعذابات أهلها، حتى إنه شارك بنفسه في مهرجانات ثقافية وشعرية وقرأ قصائده على الملأ غير عابئ بالعقاب.

ولعلها مناسبة لتقديم شهادة شخصية عن هذا الشاعر الذي زاوج بين حكمة السنديان ورعونة اللبلاب، فقد التقيته مرتين، واحدة في بغداد ذات ربيع أقل صقيعا وذبولا من الربيع الرمادي الفائت، ومرة في موسكو حيث كان يعيش في شارع يحمل اسم مكسيم غوركي، وكان رسول يتندر أمام ضيوفه قائلا إنه سيغادر هذه الشارع إلى شارع آخر يحمل اسما أقل شهرة ورمزية من اسم غوركي لعله يحمل اسمه بعد رحيله.

وما من موضوع بعد مسقط الرأس الذي تحول بفضل الشاعر إلى مسقط روح استأثرت باهتمام حمزاتوف كحكمة الصمت باعتباره رحيق الزمن وخلاصة الحكمة، لكأنه يعيد تلك المقولة الخالدة للصوفي النفري الذي قال "كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة"، وحمزاتوف اتسعت رؤياه حتى تلاشت العبارة في بعض المواقف، وهناك قصيدة من أبهى قصائده تجعل الحب توأما للصمت بحيث يتذكر قارئها مأساة الملك لير لشكسبير حيث تدفع الابنة الصغرى "كورديليا" ثمن الصدق والحب الصامت، بينما تظفر الشقيقتان بالمكافأة لأنهما استطاعتا أن تمسرحا العاطفة.

لقد وصف أحد النقاد رسول حمزاتوف بأنه "ميداس" الشعر الذي يعيد إنتاج الأسطورة ليصبح كل ما تلامسه أصابعه شعرا وليس ذهبا، فالنثر الذي سبق شعر رسول إلى بعض اللغات بعد ترجمة كتابه "داغستان بلدي" مشحون بالشعر، وبه من التوتر العاطفي والحكمة ما يدرجه باستحقاق في ملكوت القصيدة.

إن أهمية شاعر كهذا عاش ثمانين عاما ولم يسأم تكاليف الحياة كما قال شاعرنا زهير بن أبي سلمى، تتعدد مستوياتها بدءا من إقباله على الحياة حد التبشير بها، وليس انتهاء بتمجيد الإنسان والطبيعة، فهو أن يستنطق العشبة والحجر، ويجعل النهر يتوضأ تحت سماء مشبعة بنورانية شفيفة، يعيد إلى الإنسان شيئا مما فقده في حمى هذا العصر المادي الذي حذف القلب والعاطفة بقدر ما ضاعف من نفوذ الحاسوب حيث يقاس ويوزن حتى البكاء.

إن حمزاتوف كجبلي كان يعتقد أنه الأقرب إلى السماء، وأن القمر بمتناول يده عندما كانت قبضتها بحجم حبة تين، لهذا جعل الكبرياء توأم الجبل، وكتب في "داغستان بلدي" أنه لم ينحن طوال حياته سوى مرتين فقط، مرة ليسقي حصان أبيه من عين الماء ومرة أخرى ليداعب طفلا.

إنه ظاهرة شعرية تستحق التأمل، لأنه أعلن العصيان والممانعة في زمن الامتثال السياسي والأيدولوجي والشعري أيضا، ولأنه أحب بلاده إلى الحد الذي جعله يفيض حبا ليبلغ أقاصي الأرض.

وعندما كتب عن فلسطين لم يكن مجرد شاعر يقدم العزاء لشعب منكوب بالاحتلال، بل أضاف نفسه وبالتالي قلمه إلى قائمة الضحايا، فقد اندمج في قصيدته حتى البكاء العلني في قاعة تحمل اسم القدس في موسكو.


عندما كتب حمزاتوف عن فلسطين لم يكن مجرد شاعر يقدم العزاء لشعب منكوب بالاحتلال، بل أضاف نفسه إلى قائمة الضحايا، واندمج في قصيدته حتى البكاء في قاعة تحمل اسم القدس في موسكو
وإذا كان الشعر نوعين، أحدهما يضعف القضية التي يحتج لها لأنه يتغذى منها، والآخر يغذيها ويمدها بالمزيد من الدم، فإن حمزاتوف من النوع الثاني لأنه يرصد أدق التفاصيل التي يمر بها الناس العاديون وقد غمرتها العادة وحجبت ما هو مدهش فيها.

وإصرار رسول على التشبث بطفولته هو الذي حصنه من الانزلاق إلى مقايضات السياسة وشهادة الزور طمعا في جائزة أو تصفيق مضلل.

إن ما قاله الفيلسوف "هيدجر" عن أن "ما يبقى يؤسسه الشعراء"، يصدق إلى حد كبير على هذا الرسول الجبلي والحصان الداغستاني الجامح الذي لم تحجب المسافات أو اختلاف الهموم واللغات صهيله الجريح.

مات في الثمانين وهو بالفعل لم يسأم تكاليف الحياة، فحسب ما تروي زوجته كان قبيلة من العشاق وليس عاشقا فقط، وكان يستحق زمنا آخر أقل طغيانا وضجيجا من هذا الزمن.

أمثاله يفيضون عن مساحة قبورهم، لهذا فإن قيامة الشاعر الحقيقية هي لحظة غروبه لأن ما كتبه يتولى الإشراق وقد تحرر من الجسد.
ـــــــــــــــ
* كاتب أردني

المصدر : صحيفة برلنفسكي الدانماركية