داود سليمان داود*

-استحداث المنصب والتوقيت
-أبو مازن ..القبول والبرنامج
-صلاحيات المنصب الجديد
-تشكيل الحكومة.. وبداية الخلاف
-العلاقة مع القوى الفلسطينية

بين ضحكات ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية واستحسان بعض أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني لنكات الرئيس، قام عرفات بالإعلان عن استحداث منصب رئيس وزراء للسلطة الفلسطينية، وتسمية محمود عباس أبو مازن لشغل هذا المنصب، ولتكون خطوة جديدة في الحياة السياسة الفلسطينية واكبر خطوة إصلاحية يقوم بها منذ بدا عهد الإصلاحات العام الماضي.


بدأ عرفات يدرك أن الدائرة قد بدأت تضيق عليه وانه مطالب باتخاذ خطوات كبيرة لتفادي الإقصاء القسري وتخطي الواقع الصعب الذي فرضته ظروف المنطقة الإقليمية
سبق إعلان عرفات عدة أحداث كانت مقدمة له، فقد قام عرفات بإقصاء جبريل الرجوب أحد المقربين من أبو مازن واحد الشخصيات التي كانت مرجحه بقوة لتحل محل ياسر عرفات، عقب عملية الإقصاء تلك استقالة نبيل عمرو وزير الشؤون البرلمانية والمقرب من الرجوب وأبو مازن، واستقال عمرو مطالبا بإحداث إصلاحات في السلطة وإدخال تغييرات كبيرة في بنيتها السياسية. ولم تكد تهدأ تلك التطورات حتى اجتمعت مجموعة من كبار أعضاء حركة فتح في منزل أبو مازن واصدروا وثيقة تطالب بإجراء إصلاحات في السلطة ومن ضمنها تعيين رئيس للوزراء.

منذ ذلك الوقت بدأ عرفات يدرك أن الدائرة قد بدأت تضيق عليه وانه مطالب باتخاذ خطوات كبيرة لتفادي الإقصاء القسري وتخطي الواقع الصعب الذي فرضته ظروف المنطقة الإقليمية.

استحداث المنصب والتوقيت

أدرك الأميركيين والإسرائيليين أن من الصعب استبدال عرفات بالصورة التي كانوا يطرحونها فأي شخص كان سيحل محله كان سيبدو وكأنه حصل على زعامة السلطة بسبب الضغوط التي مورست على السلطة لإزاحة عرفات، وانه صنيعه أميركا وإسرائيل وهو ما سيجعله يفشل في المضي قدما في عملية التسوية والعمل على وقف الانتفاضة، لذا فقد عمدتا إلى الدعوة لتعيين رئيس للوزراء في السلطة يتم تعينه من قبل عرفات الأمر الذي سيشكل له غطاء شرعيا للتعامل مع الإسرائيليين والوفاء بمتطلبات المرحلة سياسيا.

تزامن الإعلان عن


تزامن الإعلان عن المنصب الجديد مع تصاعد مؤشرات الحرب الأميركية على العراق، وعن إعادة تشكيل المنطقة سياسيا، وتواتر الأنباء عن المخططات الأميركية والإسرائيلية حول الاتفاق على التخلص من عرفات في حال بدء الحرب على العراق
المنصب الجديد مع تصاعد مؤشرات الحرب الأميركية على العراق، وكثر الحديث عن إعادة تشكيل المنطقة سياسيا، وتواتر الأنباء عن المخططات الأميركية والإسرائيلية حول الاتفاق على التخلص من عرفات في حال بدء الحرب على العراق، وهو ما يمكن ضمن رسائل الجانبين لعرفات ليتحرك سريعا في استحداث هذا المنصب، كما تزايدت المطالب الأوروبية بتعيين رئيس للوزراء لفتح الباب أمام خارطة الطريق من خلال تلبية طلبات اللجنة الرباعية فيما يتعلق بالإصلاحات داخل مؤسسات السلطة، واثبات الأخيرة رغبتها الحقيقة في إحداث ذلك التغيير، وكان أبو مازن.

أبو مازن ..القبول والبرنامج

يعتبر أبو مازن الرجل الأنسب للقيام بتلك المهمة، فقد نأى بنفسه متعمدا عن الدخول في الجهاز التنفيذي للسلطة الفلسطينية ولم يطله ما طال العديد من رجالات السلطة من تهم الفساد واستغلال النفوذ، وهو يملك علاوة على ذلك صلات جيدة مع رجال السلطة المتنفذين، إضافة إلى انه الرجل الثاني في حركة فتح بعد ياسر عرفات الأمر الذي يجعله يتمتع بالحصول على إجماع داخل حركة فتح لنيل المنصب خصوصا وان الحركة لا تريد أن تشتت صفها التنظيمي وتريد أن توحد صفوفها خلف رجل واحد.

محمودعباس (أبو مازن)

كما يتمتع أبو مازن بعلاقات عربية ودولية قوية خصوصا مع الأميركيين والإسرائيليين الذين ابدوا اهتماما كبيرا بأن يكون أحد الشخصيات المرشحة هذا المنصب بسبب "واقعيته" ومواقفه "المعتدلة". ولأبو مازن تاريخ وبرنامج السياسي يساعداه ليكون النجم الصاعد في الساحة الفلسطينية، ويحصل على الدعم الدولي الذي يمكنه من أن يكون أكثر المرشحين حظا للوصول إلى هذا المنصب وقبوله لدى كافة الأطراف المعنية بالقضية الفلسطينية، فقد كان سباقا إلى فتح قنوات اتصال مع أنصار السلام الإسرائيليين قبل أن تمتد تلك القنوات لتشمل كافة السياسيين الإسرائيليين، ويؤمن أبو مازن بأن تعريب القضية الفلسطينية لا يفيدها لان العرب لا يكتفون بعدم دعم الفلسطينيين بل يشاركون في اضطهادهم والتآمر عليهم، وكان أن فاوض للوصول إلى اتفاق أوسلو الذي يمكنه من ربط مصير الشعب الفلسطيني بالمصير الإسرائيلي والابتعاد عن الجانب العربي الذي اضر القرب منه الفلسطينيين أكثر مما أفادهم.

ومن خلال تصريحاته حول أن الوقت حان للبحث عن الذات، ووجوب عدم ضرب الفلسطينيين أنفسهم" بل مراجعة الأخطاء التي ارتكبناها والاتجاه الذي نسير فيه" فهو يرى أن الفلسطينيين يدفعون اليوم ثمن محاولاتهم الحصول على المزيد عبر اتباع أساليب تثير حفيظة القادرين على العطاء.

صلاحيات المنصب الجديد

بعد حسم الجدل الذي امتد منذ الإعلان عن موافقة عرفات على تعيين رئيس للوزراء بترشيحه أبو مازن لمنصب رئيس الوزراء فان الجدل لم يحسم بعد حول صلاحيات الرئيس الجديد.

فأبو مازن رفض القبول بالمنصب قبل تحديد صلاحيات ومهمات المنصب الذي


على الرغم من قلة الصلاحيات التي منحها عرفات لأبو مازن، فان الأخير يدرك أن الضغوط التي تمارس على عرفات للتخلي عن أهم ملفين في السلطة (المفاوضات والأمن) ستدفع بعرفات للوصول إلى صيغة توفيقية
سيوكل إليه، وقد طالب النواب المحسوبين على تيار أبو مازن بالمجلس التشريعي خصوصا النائبان محمد الحوراني ونبيل عمرو بمنح أبو مازن صلاحيات كبيرة، فقد طالب عمرو بان يمنح أبو مازن المسؤولية المطلقة عن الوضع الداخلي بشكل كامل بحث تكون مرجعيته المجلس التشريعي فقط، الأمر الذي يعني منح أبو مازن المسؤولية عن الأجهزة الأمنية والإدارية والمالية والتنظيمية في السلطة.

وفي حين حاول عرفات الإبقاء على خيوط اللعبة في يده باحتفاظه بملفي التفاوض والأمن وأكد في خطاب تعيين لأبو مازن على استعداده "للعودة الفورية لطاولة المفاوضات والتنسيق الأمني الثنائي والثلاثي والرباعي واستئناف عمل مكاتب الارتباط الأمني في كافة المناطق بما يوفر الأمن لشعبنا وللإسرائيليين"، إلا أن محاولة عرفات تلك لم يكتب لها النجاح إذ رفض الأميركيين والإسرائيليين أن يبقى عرفات على هذين الملفين في يده وانه عليه نقلهما إلى رئيس الوزراء الجديد.

وعلى الرغم من قلة الصلاحيات التي منحها عرفات لأبو مازن، فان الأخير يدرك أن الضغوط التي تمارس على عرفات للتخلي عن أهم ملفين في السلطة (المفاوضات والأمن) ستدفع بعرفات للوصول إلى صيغة توفيقية تجعله مطلعا على ما يجري من مفاوضات مع منح أبو مازن صلاحيات كاملة في إدارة تلك المفاوضات. وهو ما سيجعل أبو مازن يمضي قدما في توسيع صلاحياته كرئيس للوزراء يكون مسؤولا مسؤولية كاملة ومباشرة عن تسيير أمور السلطة ورئيسا فعليا لها.

تشكيل الحكومة.. وبداية الخلاف

ستكون أول تحركات أبو مازن في المنصب الجديد إحداث تغييرات شاملة في تشكيلة حكومة السلطة، ما سيجعل تلك الخطوة أول مراحل الصدام بين الزعامة التاريخية ورئيس الوزراء الجديد.

فعرفات لا يريد تغيير الحكومة الحالية، وفي حال القيام بتغيير فانه يفضل أن يكون تغييرا محدودا يمكنه من الإبقاء على الوزراء المقربين منه، نبيل شعث وهاني الحسن وصائب عريقات وياسر عبد ربه، ضمن الفريق الوزاري الجديد. إلا أن أبو مازن قد يعمد إلى إقصاء رجال عرفات داخل الحكومة الجديدة والذين لا يوجد بينهم وأبو مازن أي نوع من الود كهاني الحسن وزير الداخلية أو على خلاف معه مثل ياسر عبد ربه وزير الإعلام، واستبدالهم برجال التيار الذي يؤيده داخل حركة فتح وقد يكون على رأسهم محمد دحلان، وسيعمل أبو مازن إلى أن تكون حكومته قادرة على إعادة خطوط التواصل مع الأميركيين والإسرائيليين.

قد يدفع الخلاف بين قيادة السلطة ورئيس الوزراء حول تشكيل الحكومة إلى إحداث خلاف داخل حركة فتح التي تعارض شريحة كبيرة منها منح صلاحيات لرئيس الحكومة تقلص من صلاحيات عرفات ودوره السياسي فهم يرون أن دور رئيس الحكومة دور تكميلي، فسليم الزعنون رئيس المجلس الوطني الفلسطيني يرى أن تحديد صلاحيات رئيس الحكومة الجديد يجب أن يتم " ضمن الشكل العام الذي لا نتنازل فيه أبدا عن كون الرئيس عرفات هو رئيس دولة فلسطين.. وان ما نضع من صلاحيات لرئيس مجلس الوزراء إنما يأتي في سياق اكتمال العمل ومساعدة الرئيس


قد يدفع الخلاف بين قيادة السلطة ورئيس الوزراء حول تشكيل الحكومة إلى إحداث خلاف داخل حركة فتح التي تعارض شريحة كبيرة منها منح صلاحيات لرئيس الحكومة تقلص من صلاحيات عرفات ودوره السياسي
في أداء واجباته".

مع إدراك عرفات أن وجود أبو مازن سيكون هدفه وراثته سياسيا، فان عرفات سيعمل على الحيلولة دون تحقيق ذلك معتمدا على حركة فتح والتيار المعارض فيها لأبو مازن وعلى المجلس التشريعي في حين سيعتمد أبو مازن على الدعم الخارجي المؤيد لوجوده وعلى أنصاره داخل حركة فتح، لذا فان السلطة ستكون مرشحه للانقسام بين تيار يعارض تهميش دور عرفات ويتمسك بالصيغة التقليدية التي سادت منذ إنشاء السلطة وتيار يرى وجوب التخلص من تركة الماضي التي أوصلت الفلسطينيين إلى ما هم عليه الآن.

العلاقة مع القوى الفلسطينية

من غير المتوقع أن تشهد العلاقة بين الحكومة الفلسطينية التي يرأسها أبو مازن والقوى الفلسطينية انفراجا يتبعه تفاهم وتقارب، فالجانبان على طرفي نقيض حول رؤيتهما للتعامل مع الانتفاضة والدولة العبرية. ففي الوقت الذي ترى القوى الفلسطينية أن السبيل الوحيد للتخلص من الاحتلال الإسرائيلي هو الإبقاء على حدة المقاومة والاستمرار الانتفاضة الفلسطينية فان أبو مازن يدعو إلى عدم عسكرة الانتفاضة، ويرى أن الفلسطينيين يتحملون جزءا كبيرا من المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع.

لذا فان القوى الفلسطينية لم تبد امتعاضها من تولى أبو مازن رئاسة الحكومة الجديدة، ففي حين اعتبرت حركة حماس على لسان محمود الزهار "أن موقف أبو مازن متناقض مع موقف كل الشارع الفلسطيني ومع المقاومة" وبالتالي فان الحركة لا ترى في هذه الخطوة أي قيمة، فقد اعتبرت الجهاد الإسلامي أنها لا تعترض على شخص على أبو مازن "بل على السياسات التي ينتهجها" كما يقول محمد الهندي المسؤول في الحركة، فيما لم ترحب الجبهة الشعبية بتعيين أبو مازن فجميل مجدلاوي عضو المكتب السياسي للجبهة يعتبر أن "تعيين محمود عباس في هذه اللحظة وهذا الإطار غير مرحب به" من جانب الجبهة. ويعتبر رأي كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح اكثر الآراء رفضا لتعيين أبو مازن والتعامل معه فقد اصدروا بيانا اعبروا فيه أن أبو مازن سيكون أشبه ب" حامد قرضاي جديد في فلسطين" وأنها " ستقاومه بشدة".

من خلال هذا التباين الشديد بين رئيس الوزراء الجديد في السلطة والقوى الفلسطينية فانه لا يتوقع أن تتجدد جولات الحوار بين السلطة والقوى الفلسطينية، فإضافة إلى ذلك التباين في مواقف الطرفين في التعامل مع إسرائيل، فان أبو مازن يعتبر أن "أرضية اجتماعات القاهرة يجب أن تكون الاتفاق وليس الحوار والتفاوض"، وان نجاح حوار القاهرة يتوقف على قبول القوى الفلسطينية "الهدنة التي وردت في الورقة المصرية وتسليمها موافقتها خطية عليها"، وهو ما ترفضه حماس والجهاد والجبهة الشعبية التي أعلنت تمسكها باستمرار المقاومة.

من خلال ذلك يبدو أن الساحة الفلسطينية ستكون مرشحه لمزيد من الانقسام والاصطفاف خلف المواقف الثابتة لك طرف في ظل وجود أبو مازن على راس سلطة انقلبت على نفسها لتواكب متطلبات المرحلة خارجيا دون الالتفات كثيرا لما قد يحدثه ذلك داخليا.
ـــــــــــــــ
*كاتب صحفي فلسطيني

المصدر : غير معروف