* بقلم/ عزمي بشارة

بما أن إسرائيل دولة قانون كما بشر رئيس حكومتها أرييل شارون الناس في خطابه في العقبة، فقد أقر البرلمان الإسرائيلي يوم 18 يونيو/ حزيران 2003 بالقراءة الأولى اقتراح قانون "المواطنة والدخول إلى إسرائيل (مؤقت) 2003". وينص القانون بشكل عام على منع المواطنة أو الإقامة في إسرائيل داخل الخط الأخضر لأي من "قاطني الضفة الغربية وقطاع غزة"، وينص على ذلك البند الأول من القانون وبالحرف الواحد "بغض النظر عما ينص عليه أي قانون آخر"، أي أن اقتراح القانون الجديد والساري المفعول لمدة سنة ينسف كافة قوانين المواطنة الإسرائيلية التي سبقته فيما يتعلق بسكان الضفة الغربية وقطاع غزة.


إسرائيل تمنع لم شمل العائلات إذا كان أحد الزوجين فلسطينيا أو فلسطينية من الضفة الغربية وقطاع غزة
وقد اقترحت الحكومة الإسرائيلية القانون الذي ينسف كافة القوانين فيما يتعلق بمجموعة بشرية بعينها هي الفلسطينيون. ولأنها "دولة قانون" فإنها لا يمكن أن تكتفي بالأنظمة الصادرة عن وزير الداخلية السابق إيلي يشاي يوم 12 مايو/ أيار 2002 التي منعت -بأمر منه ودون قانون- عملية لم شمل العائلات وجمدت معالجة طلبات لم شمل العائلات في وزارة الداخلية إذا كان أحد الزوجين فلسطينيا أو فلسطينية من الضفة الغربية وقطاع غزة حتى لو كان الزوجان يقيمان سوية منذ سنوات وأنجبا أطفالاً.

والقانون يمنع أي لبس ويعقّد الاستئناف المؤجل والمتعثر إلى المحكمة العليا ضد أوامر وزير الداخلية إياها. فالمحكمة العليا -غير الليبرالية أصلاً فيما يتعلق بقضايا الضفة والقطاع- لا تلغي قانوناً بنفس سهولة إلغاء أنظمة وزير، خاصة وأن المحكمة العليا الإسرائيلية تواجه هجمة يمينية دينية شاملة في البرلمان وعلى مستوى الرأي العام بحجة تدخلها "المبالغ فيه" في عملية التشريع وسن القوانين.

ويسمح القانون الجديد في بنده الثالث بالاستثناءات التالية:

  1. من حق وزير الداخلية، حسب الظرف، أن يمنح أحد سكان هذه المناطق إذناً بالإقامة في إسرائيل أو الوجود فيها من أجل العمل أو العلاج الطبي لفترة محدودة أو لهدف مؤقت آخر لفترة متراكمة لا تزيد على ثلاثة أشهر.
  2. من حق وزير الداخلية أن يمنح مواطنة أو إذناً بالإقامة لأحد سكان هذه المناطق إذا اقتنع أنه يتماثل مع دولة إسرائيل وأهدافها، أو أنه أو أحد أبناء عائلته قد قاموا بعمل فعلي لتعزيز الأمن أو الاقتصاد أو هدف هام آخر للدولة، أو إذا كان منح المواطنة أو حق الإقامة ذو أهمية خاصة بالنسبة للدولة..".

لم يكن الوضع جنة بالنسبة للم شمل العائلات الفلسطينية في الداخل قبل سن القانون، فالعديد من النساء الفلسطينيات والرجال الفلسطينيين يقيمون مع أزواجهم أو زوجاتهم في الداخل دون هوية أو إقامة ودون تسجيل الأطفال لأن عملية لم الشمل ومنح الإقامة قانونياً قد تستغرق خمس سنوات أو ست، وقد لا تتم إطلاقاً.

تتلخص القضية بالطبع بمنع زيادة عدد المواطنين العرب في الداخل، والموضوع ديمغرافي متعلق بيهودية الدولة وليس أمنياً رغم أن مسوغات القانون التي طرحت أمنية، وتعتمد الحجة الأمنية على حالة فردية واحدة لا غير وهي عملية مطعم "ماتسا" في حيفا يوم 31 مارس/ آذار 2003 والتي قام بها شاب يقيم في الضفة الغربية ولكنه يحمل هوية إسرائيلية بفعل كون والدته مواطنة إسرائيلية.

ويسند العنصريون موقفهم شعبوياً أيضاً بالمبرر العنصري المعروف والمسموع بكثرة في الدول المتقدمة نسبياً قياساً بمحيطها والمعرضة للهجرة الوافدة. فالعرب برأيهم يرغبون في السكن بإسرائيل دون أي ولاء أو التزام تجاهها لأسباب اقتصادية، أو بغرض الحصول على خدمات غير قائمة لديهم مثل الخدمات الطبية المجانية وغيرها. والحقيقة أن هذا النمط من السلوك ليس فلسطينياً وإنما هو نمط الهجرة من البلدان أو المناطق الفقيرة إلى المناطق الأكثر غنى، وغالباً ما تدفقت الهجرة من المستعمرات أو المستعمرات سابقاً إلى الدول المستعمرة.


الحركة التشريعية المحمومة في البرلمان الإسرائيلي مؤشر على رغبة إسرائيلية غير ملجومة -ولا حتى بدافع الحفاظ على السمعة الديمقراطية- بتأكيد يهودية الدولة عبر القانون
لا جديد هنا إطلاقاً، الجديد هو سن قانون يمنع منعاً باتاً حركة التنقل البشرية هذه حتى في حالة الزواج وإقامة عائلة، والجديد في قصر حرية الحركة أو حرية اختيار الزوج أو الزوجة على من ترغب الدولة بوجوده كاستثناء.

ولا تستطيع إسرائيل بالطبع أن تضبط بشكل استعماري مناطق محتلة وتحتفظ بها كهامش فقير وتمنع هذه الحركة من المحيط الفقير إلى المركز الغني بحجج عنصرية. نقول هذا حتى دون أن نحتاج للعودة إلى الروابط التاريخية والعائلات وروابط القرابة القائمة بين المواطنين العرب في الداخل وسكان الضفة الغربية وقطاع غزة واللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا. هذه الروابط التي قطعتها خطوط الهدنة عام 1949.

تشير الحركة التشريعية المحمومة في البرلمان الإسرائيلي مؤخراً إلى رغبة إسرائيلية غير ملجومة -ولا حتى بدوافع الشكليات والحفاظ على السمعة الديمقراطية- بتأكيد يهودية الدولة وطابعها اليهودي وأغلبيتها اليهودية عبر القانون. وقد دوّلت الدبلوماسية الإسرائيلية موضوع يهودية الدولة بطلبها أن تعترف الولايات المتحدة وأن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل على أنها دولة يهودية، وأن تكتسب هذه العبارة شرعية دولية بالاتفاقيات والأعراف الدولية السائدة وبالتالي في القانون الدولي. والموضوع محل نقاش وصراع هام يتعلق بحق العودة كما يتعلق بالمواطنين العرب في الداخل ويتعلق إضافة لهذا كله بالعلاقة بين الدين والدولة في إسرائيل. والآن تجري محاولة تشريعية حثيثة لإعطاء معنى ومضمون قانوني داخلي أولاً ليهودية الدولة، وثانياً لكونها دولة الشعب اليهودي.

وتجري حالياً إضافة لهذا كله محاولة جدية لإعداد دستور للدولة العبرية في أسوأ مرحلة، مرحلة سيطرة اليمين على الكنيست وعلى لجنة القانون والدستور. العملية جارية بسرعة ولجنة القانون والدستور تعمل في سباق مع الزمن، والمأساة أن قوى علمانية وديمقراطية إسرائيلية تضغط بقوة الاستمرارية مطالبة بالدستور لأنها اعتادت على هذا الشعار متناسية أن اليمين قد يتلقف هذه الدعوة بسرور بالغ حالياً ويعمل هو على إعداد الدستور في أسوأ مرحلة ممكنة.
__________________
* عضو عربي في الكنيست الإسرائيلي

المصدر : غير معروف