بقلم/ أكرم البني

جرت العادة أن تتطلع المجتمعات إلى دور إنقاذي للمثقفين في أوقات المحن والأزمات أو في لحظات التحول العاصفة، كنوع من الإقرار بالوظيفة الخاصة لهم في الرد عما يستجد من تطورات، وفي إعادة بناء وعي نقدي وأفكار جديدة يفترض أنهم أقدر المعنيين ببنائها، الأمر الذي يفسر إلحاح السؤال عن حال المثقفين اليوم وما يمكن أن يفعلوه مع تسارع انكشاف أزمات مجتمعاتنا العربية والفشل البين للمشروع السياسي في وقف التدهور الحاصل أو الإمساك بزمام المبادرة لبدء رحلة عد عكسي نحو التجاوز والتقدم.

ففي تنشيط دائرة الفعل الثقافي بأفقها النقدي المفتوح على الفكر الإبداعي الحر المستوعب لتجربتنا ولمختلف التجارب التاريخية في المعرفة والسياسة، ما يمكّننا من فهم ذواتنا ومعرفة الآخرين وتحديد أسباب إخفاقاتنا إن لم نقل انهياراتنا وسبل تجاوزها.

ورغم أن المثقفين لا يشكلون كتلة متجانسة موحدة الأهداف والاهتمامات، بل هم فئة متنوعة المهام تخترقها المصالح والصراعات الاجتماعية، فإن ثمة مشتركا يجمعهم بصفتهم عموماً أشد الناس التصاقاً بالمعرفة وأقربهم إلى تحكيم العقل والنقد، وأكثرهم استعداداً للتعبير الإبداعي والإنساني عن هموم البشر وتطلعاتهم، ما يضع على عاتقهم في مواجهة حالنا الراهنة بمختلف أزماتها ومآزقها السياسية والاجتماعية، مهمة المبادرة إلى تأسيس وعي تاريخي حول مسائل إشكالية لم تستطع الثقافة العربية التأسيس لها أو عممتها بصورة قاصرة ومشوهة. ولعل في هذه الخطوة ما يعيد للمثقف النقدي حضوره ودوره وأيضاً تألقه.


ليس من المبالغة في شيء لو قلنا إن الأنظمة السياسية التي حكمت مجتمعاتنا العربية طيلة العقود الماضية نجحت في استنبات أنواع شتى من المثقفين الموالين لها ممن يصطلح على تسميتهم بمثقفي البلاط
أولا- فك الارتباط المرضي في علاقة المثقف بالسياسة، ولا يقصد هنا القطيعة بين حقلي النشاط الثقافي والسياسي بل تحديد التخوم بدقة ووضوح وقراءة وجوه التمفصل والاختلاف، بما يؤدي إلى تحرير المثقف من ماضٍ سيطرت فيه العوامل والأهداف السياسية على مسارات حياته وإنتاجه المعرفي، وخاصة ذلك الدور المدمر الذي لعبته السلطات السياسية -ترغيبا وتهديدا- لإخضاع المثقفين واحتوائهم أو تهميشهم وتغييبهم.

وبديهي أن السلطة تحتاج لتثبيت ركائزها إلى عملية إنتاج فكرية داعمة، وتالياً إلى مثقف يصوغ لها أيدولوجيتها من أجل تعضيد النظام الذي تقوده وضمان تأييد الناس لها وقبولهم بها. وليس من المبالغة في شيء لو قلنا إن الأنظمة السياسية التي حكمت مجتمعاتنا العربية طيلة العقود الماضية، نجحت في استنبات أنواع شتى من المثقفين الموالين لها ممن يصطلح على تسميتهم بمثقفي البلاط.

تبدأ بأولئك الذين آثروا الصمت والتزموا الحياد والسلبية تجاه مآسي مجتمعاتهم ومعاناة ناسهم، يليهم من قدموا -طوعاً أو كرهاً- بعض أشكال الدعم والمساندة للحكام واكتفوا من الغنيمة بالإياب. وكان أسوؤهم من اندمجوا في عالم السلطة ومغانمها وصارت مهمتهم الرئيسية تبرير سياسات الحاكم وتسويغ ممارساته الاستبدادية والدفاع عن بطشه وظلمه، فغاب دور المثقف النقدي وتصدرت قائمة "المبدعين" وجوه أتقنت الترويج لثقافة الوضع القائم وأسسه السيادية، وكانت أداة ناجعة لمحاربة قلة قليلة من أبناء جلدتهم بقوا أمناء للهم العام وحقوق الناس.

لكن سيطرة السياسة على الثقافة لم تنجب مثقفي السلطان فقط، فثمة مثقفون ليسوا أحسن حالاً داروا في فلك الأحزاب المعارضة ولم يميزوا أنفسهم كحملة مشروع خاص يتطلع -بالاستقلال عن الأفعال السياسية- إلى مساعدة المجتمع على التحرر والتطور، فرضوا من حيث المبدأ إخضاع وظيفتهم الثقافية والمعرفية للغرض السياسي وإن من موقع آخر، واندمجوا في التنظيمات التي انتموا إليها وحولوا أنفسهم إلى ثلة من الحزبيين أو الأتباع والأنصار، أو لنقل إلى ما يشبه الأبواق تدافع عن سياسات أحزابهم وبرامجها.

فألغى المناضل السياسي دور المثقف الحر وأثمرت النتائج عن إجهاض الثقافة النقدية وإضاعة فرصة ثمينة لنمو الفعل المعرفي باستقلالية نسبية عن الأفكار السياسية المتصارعة، ما أدى إلى تراجع مكانة المعرفة من غاية في حد ذاتها إلى وسيلة انتقائية يسعى المثقف إلى اكتساب ما يفيد منها لدعم مواقف حزبه وتبريرها.

إن الحقل الثقافي يختلف عن الحقل السياسي، فالثقافي يتميز بثباته النسبي وبصيرورة ترتبط بديمومة الإنتاج المعرفي، بخلاف السياسي المباشر المتغير حسب الحال والأحوال والموصول بالحاضر في جريانه وتطوراته، والذي يرتهن في تنوع مواقفه وتبدلها إلى توازن القوى وما تقرره في كل لحظة من اللحظات التاريخية.

ومعنى هذا أن تغيير الذهنيات وأنماط الوعي يقتضي زمناً أطول وفعلاً مختلفاً من زمن المبادرة السياسية وفعلها المباشر، ولهذا السبب ينبغي أن تأتي أدوار المثقفين ووظائفهم ضمن أصول التأسيس الراسخ للمنظومة المعرفية كقاعدة أشمل يمكن أن تستند إليها السياسة في بناء مهماتها وأهدافها.

ثانياً- تحرير المثقف من سيطرة الوعي الأيدولوجي، سواء أكان قومياً أم ليبرالياً أم شيوعياً أم دينياً، فبعد كل التحولات التي حصلت في العالم المعاصر خلال الربع الأخير من القرن العشرين، وفشل الكثير من الاختيارات الأيدولوجية والفلسفات الإرادوية والحتمية، لم يعد بإمكاننا أن نواصل التفكير بالآليات الذهنية نفسها ونتصور وجود جماعة بشرية قادرة -بمرجعية فكرية مستنسخة أو مقتبسة- على إنجاز الأهداف التاريخية وتجاوز إمكانيات الواقع وملموسية الحدث في المكان والزمان.

إن الاعتراف بانحسار الأيدولوجية كخيار معرفي ونمط حياة والإقرار بلا جدوى خوض الصراعات في مستوى الأفكار والنصوص لإثبات صحة هذا الموقف أو ذاك، يعني بالضرورة تقدم مبدأ مقارعة الحجة بالحجة والوقائع بالوقائع، وإتاحة الفرصة لنشر العقلانية وتوظيف المنهج العلمي وتطبيقاته العملية من أجل تفسير الواقع الحي وتحليله كظواهر ومشكلات محددة بعيداً عن تأثير العوامل الذاتية والتحيز.

فليس من مثقف قادر أن يبدع نقدياً إذا ما استمر في الارتهان لرؤية أيدولوجية بما فيها من ثوابت معرفية وتحصينات فكرية والتزامات مسبقة بصور وحلول جاهزة. وعندما تكون الأزمات التاريخية شاملة ومزمنة ومتعددة الأبعاد، ينبغي التسلح أولاً وقبل كل شيء بطرائق الفكر العلمي النقدي والمفتوح على مختلف التجارب التاريخية، ودونه لا نتمكن من قراءة ناجحة للوقائع في تشابكها وتعقدها واختيار الوسائل الكفيلة بمعالجتها، ما يمهد لبناء رؤية جديدة ذات بعد نهضوي تلتقي مع إبداعات الحضارة الإنسانية وتتفهم الاختلافات القائمة بين الناس وما يترتب عليها من اجتهادات ومواقف، وتتعلم التعايش معها دون أن تسعى إلى تهميشها أو إلغائها.


عندما تكون الأزمات التاريخية شاملة ومزمنة ومتعددة الأبعاد، ينبغي التسلح أولاً بطرائق الفكر العلمي النقدي والمفتوح على مختلف التجارب، ودونه لا نتمكن من قراءة ناجحة للوقائع

وربما تشكل مثل هذه الرؤية نقطة انطلاق لتجاوز ما يشهده المثقف والثقافة بصورة عامة من خسوف الاتجاهات العقلانية وتراجع المشروع التنويري ودوره في استيعاب مقومات الحضارة الحديثة, وأيضاً للرد على الأصوات اللاعقلانية التي تدعو إلى العيش في الماضي والموروث دون نقد أو اجتهاد، وبنفس القدر مواجهة الروح الدوغمائية في وجهيها الوطني والقومي وملاك الحقيقة المطلقة غير القابلة للاختبار أو النقاش، مما يجعل الغلبة للصور والعبارات المحفوظة على كل دليل عقلي أو تجريبي.

وربما في تحرر المثقف من حالة النوسان الأيدولوجي بين ثقافة استبداد الفكر الرسمي والنزعة الظلامية اللاعقلانية والعقائدية الدوغمائية، ما يعيد صياغة دور المعرفة في الحياة وبناء التصورات المرتبطة بالتاريخ، وتحديد المواقف المحتملة في سياق تحولات الأحداث وتطورها كما تجري على أرض الواقع لا كما ترسمها العقول والأفكار.

ثالثا- دفع المسألة الديمقراطية إلى مرتبة الأولوية التي تستحقها وما ينجم عنها من تداعيات على مستوى أداء المثقف والفعل المعرفي في السياسة والمجتمع. في الماضي اتجه النتاج الثقافي بصورة رئيسية نحو مسألتين: تعلقت الأولى بالوطن والقومية، وبالأخص القضية الفلسطينية وبناء الوحدة العربية، وارتهنت الثانية إلى البعد الاجتماعي والتطلع نحو مجتمع العدالة والمساواة والقضاء على الاستغلال.

لكن اليوم تبددت هذه "الصور المغرية" وتكشف زيف التفرد بالشعارات الوطنية والاجتماعية، وظهر للمثقف العربي أن المشروع الديمقراطي أشبه بخيار إستراتيجي لا غنى عنه لمواجهة تردي الأوضاع العربية ومطامع الصهيونية والإمبريالية وبناء حياة جديدة.

لقد جربت المجتمعات العربية كل الخيارات الأيدولوجية والسياسية، وجاءت النتائج مخيبة للآمال، فلا الأرض تحررت ولا الوحدة العربية تحققت ولا ارتقى الإنسان إلى مجتمع العدالة والرفاهية، ولا حدثت النهضة الموعودة. ولعل نظرة متفحصة إلى هذه الحقائق التاريخية تسقط الكثير من الأوهام المعششة في الأذهان وتكشف في ذات الوقت بساطة المشكلة وأنها تعود أساساً إلى انعدام الثقة بالإنسان العربي، وإلى غياب الحريات والتعددية السياسية، وإلى مناخ الشمولية والاستبداد الذي ساد أمداً طويلاً ودفع بالتجارب كافة إلى طريق مسدودة.

لقد لعب غياب الديمقراطية والحريات دوراً نوعياً في انحسار الفكر الأصيل وتراجع دور المثقف النقدي والملتزم، ونجحت أنظمة الاستبداد في إلحاق المعرفة بالدولة والعقل بالسلطة وفي تكميم أفواه المفكرين المخلصين وتحطيم أقلام النقاد الشرفاء، ما أدى إلى خنق الثقافة وتدجينها وتطويعها لتصبح مجرد صدى أو أداة تبرير وتسويغ لا فعل إبداع وتطوير.

وما أكمل الدائرة ضعف مقاومة المثقفين الديمقراطيين أو تقصيرهم في نصرة الديمقراطية أو اختزالها في وعي بعضهم إلى حدود ما يعطيه السلطان، وتأويل ما هو قائم من هوامش ضيقة على أنها الديمقراطية المطلوبة.

وتجدر الإشارة في حدود هذه النقطة إلى أن غالبية المثقفين -للأسف- أحجموا لفترات طويلة ولأسباب متنوعة عن ممارسة نقد حازم ضد الاستبداد وانعدام الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان ولم يظهروا قدراً كافياً من التضحية والشجاعة للاعتزاز بالحياة الديمقراطية وحرية التفكير والإبداع والتمسك بمعاييرها أمام الضغوط السياسية والاقتصادية، وكانوا مقصرين كثيراً في التأكيد على حيوية المسألة الديمقراطية وتخصيص جهد متميز لنشرها وتثبيتها في عقول الناس وجعلها سلوكا جماعيا في مواجهة التسلط والقمع.


انحسار السياسة وهزيمتها عقدا الأمل على دور تأسيسي للمثقف العربي كناقد منحاز لحقوق الناس وحرياتهم, ينطلق من دراسة الواقع وفهم معاناة الجماهير المغلوبة على أمرها
رابعا- تصحيح علاقة المثقف مع محيطه، ولنقل إعادة الاعتبار لموقعه المتميز في المجتمع وعمق صلاته مع الناس. فإذا تأملنا هذه العلاقة في مجتمعاتنا العربية نلاحظ اليوم أن ثمة انفصالا واسعا بين المثقف والجمهور العادي أو بعبارة أخرى بين منتج الثقافة ومستهلكها، ليغدو الحال أشبه بمثقف نخبوي محدود التواصل مع البشر وضعيف التفاعل معهم.

وإذا كانت المسؤولية الأساسية في خلق هذه الهوة تقع على عاتق الاستبداد الذي عطل فعالية الثقافة وأخضعها لمصالحه وحاجاته وقطع تيار المعرفة من الوصول إلى المجتمع تحت طائلة النفي والسجن لبعض المثقفين وفي أحيان أخرى تصفيتهم جسدياً، فإن جزءاً من المسؤولية يتحمله المثقفون أنفسهم باستسلامهم لنتائج ما حصل والتردد في المجاهدة الذاتية لردم هذه الهوة، بل إدمان غالبيتهم التعايش مع حالة الغربة والعزلة، بما في ذلك التهرب من واجبهم في التعبير عن مشاعر وحاجات المجتمع الذي يعيشون فيه وإدراك مستلزمات تغييره.

وما زاد الطين بلة أن معظم المثقفين العرب صاروا يكتبون كأنهم يكتبون لأنفسهم ويخاطبون بعضهم بعضاً بلغة ربما لا يفهمها إلا القليلون غيرهم، لتغدو كتاباتهم ضرباً من الترف المعرفي والتهويمات الفكرية، تعززها مفاهيم مغلوطة بأن من المعيب على المثقف استخدام لغة بسيطة يمكنها مخاطبة البشر وإيصال الفكر التنويري إليهم بكلمات يفهمونها ويحبونها، فيسابق أحدهم الآخر في استخدام المصطلحات الغريبة والمعقدة والمفاخرة بارتفاع "برجه العاجي" الذي آثر العيش فيه بعيداً عن هموم أهله وناسه.

أخيراً، يمكن القول إن انحسار السياسة وهزيمتها عقدا الأمل على دور تأسيسي للمثقف العربي كناقد منحاز لحقوق الناس وحرياتهم ولقيم الحضارة الإنسانية، ينطلق من دراسة الواقع وفهم معاناة الجماهير المغلوبة على أمرها وإيقاظها من حال السبات التي تغط فيه.

فالمثقف هو الأقدر على نقد الواقع المهترئ والمساهمة في إصلاح المجتمع والسياسة وتطويرهما، وهو قوي الإيمان بوظيفة الفكر والثقافة وبدور البشر في مقاومة الراهن وقيادة التغيير، ومتحمس بداية للبرهنة على هذه الحقائق وغرسها في وعي الناس ونقلها من الأذهان إلى حيز العمل والتطبيق.
_________
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة