بقلم: منير شفيق*

السؤال الأول الذي يطرح نفسه حول المفاوضات الفلسطينية - الفلسطينية في القاهرة، وهي في الوقت نفسه مصرية مع الفصائل الفلسطينية حماس والجهاد وفتح والشعبية والديمقراطية، هو ما الهدف من هذه المفاوضات، وماذا حققت؟ وما المتوقع تحقيقه، وقبل ذلك لماذا جاءت في هذا التوقيت خاصة؟.

سرّب أحد قياديي حركة فتح أن ثمة ضوءا أخضر أميركيا أعطي لمصر، أو سعت إليه مصر قبل أن تبدأ برعاية المفاوضات، خصوصا شمولها منظمات أدرجتها الإدارة الأميركية في قائمة "الإرهاب". وهذا ما يقتضي بالنسبة إليها أن تحصل على الضوء الأخضر من أميركا، وإلا اعتبرت الخطوة استفزازية وتحمل تحديا لا يمكن السكوت عنه، الأمر الذي يعطي مصداقية لتلك المعلومة المسربة، ولعل السبب الرئيسي الذي جعل أميركا تعطي الضوء الأخضر إنما هو حاجتها إلى تهدئة الوضع الفلسطيني، وبالتحديد من الجانب الفلسطيني، حتى لا يحدث تصعيد يخرب على تحضيراتها العسكرية والسياسية لشن الحرب على العراق.


يجب أن يلاحظ أن مطلب وقف العمليات الاستشهادية داخل الخط الأخضر ليس سوى الذريعة التي يقصد منها وقف الانتفاضة والمقاومة والتحدي الشعبي
ومن ثم ما دامت المفاوضات تستهدف، كما أعلن من قبل أكثر من طرف رسمي فلسطيني، "وقف إطلاق النار" أو "وقف العمليات العسكرية"، فلا بأس من الموافقة عليها، ولو تضمن ذلك تنازلا بقبول أن تفاوض مصر منظمات مدرجة على قائمة الإرهاب. ويجب أن يشار قبل مغادرة هذه النقطة إلى أنه ما كان لأميركا أن تعطي مثل هذا الضوء الأخضر ما لم تأخذ مثله من القيادة الإسرائيلية. فالتنسيق هنا واضح ولا يحتاج إلى برهان، كما أن الموقف الصهيوني مفهوم لأنه يستهدف أن يمضي بمخططه الجاري على الأرض، ولم يزل، يوميا، في حين يراد من المفاوضات "وقف العمليات العسكرية" من الجانب الفلسطيني وحده. فهو أيضا يريد أن يستمر في تصعيده العسكري ولكن بأقل ما يمكن من ردود الفعل الفلسطينية، أو مع تجنب التصعيد إلى حد قد يشغب على تحضيرات أميركا لحرب يريدها أكثر مما تريدها هي.

أما الجانب الآخر من الإجابة فيتجه إلى تفسير الهدف الذي تتوخاه مصر من المفاوضات، وهو بالتأكيد ليس الهدف الأميركي-الإسرائيلي وإن تقاطع معه عند هذه النقطة. ينبغي لأجل التعمق في هذا الجانب أن نلحظ أن مصر كسبت من خلال ما تم حتى الآن من لقاءات، إذ حققت هدفا أساسيا أضمرته ودون أن يسلط أحد الأضواء عليه. ذلك بأنها بفتحها الحوار، وبروح إيجابية متبادلة بينها وبين محاوريها الفلسطينيين، وخصوصا حماس والجهاد، تكون قد أرسلت كتابا مفتوحا لكل فلسطيني تخول له نفسه أن يراهن على الموقف الأميركي-الإسرائيلي في تغيير القيادة الفلسطينية فيسيل لعابه على "السلطة البديلة". ولهذا رأينا مع بدء الجولة الثانية من المفاوضات تهالكا من قبل عدد من القيادات الفلسطينية التي نقل عنها أو سبق وألمحت تصريحا أو كتابة، أنها مع "الإصلاح وتغيير القيادة الفلسطينية". فهؤلاء أحسوا بعد أن رأوا مصر تبسط جناحيها على كل القاعدة الشعبية الفلسطينية أن الأرض ستميد من تحتهم في اللحظة التي يديرون فيها ظهورهم لمصر ويراهنون على الدعم الأميركي-الإسرائيلي. ولهذا لم نعد نسمع أو نقرأ لأحد من هؤلاء إلا إشادة "بدور مصر الشقيقة الكبرى".

ومن هنا تستطيع السياسة المصرية أن تعتز بدهاء عمر سليمان، مدير المخابرات العامة، والمسؤول المصري -بعد الرئيس- عن الملف الفلسطيني، إذ أحبطت محاولات استبعادها من الدور الفاعل الرئيسي في اختيار "القيادة الفلسطينية" في كل الأحوال، فأعادت الإمساك بكل خيوط المعادلة الداخلية الفلسطينية. والطريف أن ذلك تم من خلال انتزاع الضوء الأخضر الأميركي وحتى الإسرائيلي. ولهذا قد تكون أميركا غدت أو ستغدو مستاءة من خطوة المفاوضات، خصوصا أنها لن تنتهي بإعلان "وقف إطلاق النار" أو "وقف العمليات العسكرية"، لأنه من غير الممكن أن يؤخذ مثل ذلك القرار من جانب واحد في حين أن الإجراءات العسكرية والقمعية (اعتقالات واغتيالات وهدم بيوت... إلخ) مستمرة ومتصاعدة.

يجب أن يلاحظ أن مطلب وقف العمليات الاستشهادية داخل الخط الأخضر ليس سوى الذريعة التي يقصد منها وقف الانتفاضة والمقاومة والتحدي الشعبي، فإذا استطالت المفاوضات لأسابيع قادمة واستمرت الانتفاضة والمقاومة والصمود الشعبي، دون مساس فستكون أميركا قد خسرت في موافقتها غير المعلنة على إجراء تلك المفاوضات، بل إن ذلك الضوء الأخضر يتضمن بالضرورة اعترافا غير مباشر بالمقاومة الفلسطينية، وإضعافا مباشرا للموقف الأميركي بإدراج حماس والجهاد وكتائب الأقصى والشعبية في قائمة الإرهاب.

أما من جهة أخرى فقد أتاح ذلك الضوء الأخضر لمصر أن تخرج بعلاقاتها بحماس إلى العلن وترفع مستواها إلى استضافة مكتبها السياسي ورئيسه خالد مشعل، ثم التمدد لتشمل كل فصائل المقاومة، ما يجعل من عملية إدراج حماس والجهاد ومنظمات المقاومة الفلسطينية في قائمة "الإرهاب" قضية أميركية بحتة وليست عربية. وربما، بشكل أو بآخر، ليست أوروبية كذلك إذ سعى المندوب الأوروبي أن يلعب دورا مباشرا في التحضير لتلك المفاوضات من خلال لقاءاته مع ممثلي حركة حماس.

إلى هنا يمكن القول إن الأطراف المنخرطة في المفاوضات ومعها الطرف الراعي لها هم الكاسبون منها حتى الآن، وأميركا هي الخاسرة حتى الآن كذلك. ولكن المشكلة تتلخص في نقطتين:


  • إذا استطالت المفاوضات لأسابيع قادمة، واستمرت الانتفاضة والمقاومة والصمود الشعبي، دون مساس فستكون أميركا قد خسرت في موافقتها غير المعلنة على إجراء تلك المفاوضات. بل إن ذلك الضوء الأخضر يتضمن بالضرورة اعترافا غير مباشر بالمقاومة الفلسطينية، وإضعافا مباشرا للموقف الأميركي بإدراج حماس والجهاد وكتائب الأقصي والشعبية في قائمة الإرهاب
    الأولى:
    أن جدول المفاوضات لا يركز على القضية الأولى والأهم، التي تواجه فصائل المقاومة والشعب الفلسطيني في اللحظة الراهنة حين يبحث في قضايا الوضع العام والتحديات التي يمكن أن تنشأ بعد الحرب على العراق، كما في البرنامج السياسي وأساليب تحقيقه بدلا من أن يركز البحث ثم الاتفاق حول كيفية مواجهة الاجتياحات وعمليات الدهم والاغتيالات والحصار وما يعانيه الشعب الفلسطيني. وذلك لكي تضرب المفاوضات على المسمار وليس على الحافر، وليصبح إمكان الاتفاق أقرب منالا والأهم يعطي الجواب عن سؤال المواجهة المفروضة، التي لا يجدي معها "وقف إطلاق النار من جانب واحد" أو الخلاف على ذلك. لأن المواجهة الناجحة تحتاج إلى وحدة وضم للصفوف وتنسيق ميداني ودفاع حتى الاستشهاد ومن قبل الجميع، وعندئذ تدرك أميركا أنها لا تستطيع كسب تأييد شارون- موفاز- نتنياهو دون حدود، وضمان عدم التصعيد من الجانب الفلسطيني حتى لا تتأثر مخططات التحضير للحرب على العراق (العدوان).
  • النقطة الثانية: أن كل رهان قد تضعه مصر أو بعض الأطراف الفلسطينية على تغيير في الموقف الأميركي إذا التزمت الساحة الفلسطينية بوقف العمليات العسكرية من جانب واحد هو رهان في غير محله. ولعل التجربة المتعلقة بمشروع "خريطة الطريق" تكشف عن تأجيلها كل شيء بانتظار الانتخابات الإسرائيلية، وهي مصممة لتخدم "تأجيل كل شيء حتى إنجاز الحرب على العراق". فلا رهان على موقف أميركي قبل الحسم في موضوع تلك الحرب. وهذا مفهوم ضمن قانون الأولويات.

أما بعد الحرب، إذا قدّر لها أن تقع لا سمح الله، فإن الرهان على الموقف الأميركي أو ما يسمى ترتيب الأوراق الفلسطينية والعربية منذ الآن إنما هو وهم وأضغاث تقديرات مبنية على الأماني. وذلك لأنه بعد الحرب ستنشأ موازين قوى جديدة عربية وإقليمية ودولية، وستتولد معادلات ومحاور وانحيازات مختلفة عن كل ما نشهد اليوم. ومن ثم لن يكون التفكير الأميركي أبدا كما هو الآن، ولا الموقف الإسرائيلي ولا المواقف الدولية ولا القطرية العربية. فما سيطرح من مشاريع وحلول لمختلف القضايا سيأتي منسجما وتلك الموازين والمعادلات وتغير المواقف، بالضرورة، مما يجعل كل رهان، بل كل وعود تعطى أو يلمح بها الآن في مهب الرياح القادمة غدا، كما أن عدم هبوب تلك الرياح له موازينه ومعادلاته ومواقفه المختلفة عن رهان الحاضر ووعوده.

_______________
*مفكر وكاتب ومحلل سياسي فلسطيني

المصدر : غير معروف