بقلم: ياسر الزعاترة*

- منطلق الحوارات
-الموقف المصري
-موقف السلطة وحركة فتح
-الثنائي.. شارون – متسناع
-موقف حماس
-
أفق الحوار

منذ شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي عقدت في القاهرة جملة من الحوارات بين حركتي فتح وحماس، توسعت بعد ذلك لتشمل فصائل فلسطينية أخرى هي الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية.

وحتى هذه اللحظة لم يعلن عن توقف هذه الحوارات بشكل نهائي، حيث يتوقع البعض استئنافها. ولا يعرف ما إذا كانت ستستأنف بالفعل، أم أن القناعة بجدواها وقدرتها على تحقيق الهدف من إطلاقها قد تلاشت، بعد جولاتها المتواصلة حتى كتابة هذه السطور في منتصف شهر كانون الثاني (يناير) من عام 2003.

منطلق الحوارات

من الضروري التوقف بداية عند الهواجس التي أطلقت الحوارات، والتي لا يمكن القول إنها تخرج عن دائرة التقييم السلبي لمسيرة الانتفاضة بعد دخولها العام الثالث في مطلع تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي. وهو التقييم الذي ذهب في اتجاه تعداد سلبياتها على الوضع الفلسطيني، وكما لو كانت معركة فاصلة تستحق أن يتحدد فيها الغالب والمغلوب، حيث يجب على المغلوب التعامل مع الأمر الواقع بلغة جديدة تأخذ في الحسبان كل المعطيات المترتبة على الهزيمة.

التقييم السلبي لانتفاضة الأقصى لم يبدأ واقعياً مع مطلع عامها الثالث، بل بدأ قبل ذلك بكثير ربما منذ شهورها الأولى، من خلال تيار (أبومازن) في السلطة والذي يتشكل من عدد من قادة الأمن والوزراء والمعارضين ورجال الأعمال، حيث أخذ يتحدث عن خطأ الدخول في معركة مقاومة عسكرية مع الاحتلال، ونادى بضرورة العودة إلى طاولة التفاوض بوصفها الملاذ الوحيد المتوفر في ظل ميزان القوى مع الاحتلال. غير أن قوة الاندفاعة الشعبية وفي داخل حركة (فتح) أيضاً، قد دفعت تلك الأصوات إلى التواري عن الأنظار وممارسة هجائها في الغرف المغلقة ولقاءات "الود" مع بعض القادة الإسرائيليين.

مع العام الثالث ولدى دخول الجيش الإسرائيلي من جديد لمدن الضفة الغربية، وبعد تداعيات 11 أيلول وتراجع الموقف العربي، ومعه موقف قيادة السلطة (عرفات تحديداً)، المنشغلة بالحفاظ على الذات المستهدفة بالتغييب من الطرف الأميركي الإسرائيلي. مع كل هذه الظروف خرجت تلك الأصوات إلى العلن، وبدأت بطرح مقولاتها حول الكارثة التي جرتها المقاومة على الشعب الفلسطيني، والضرورة القصوى لوقف "المهزلة" والعودة إلى العقل، ووقف "عسكرة" الانتفاضة، أي وقفها تماماً بتعبير أدق والعودة إلى طاولة المفاوضات.

الموقف المصري


إن القاهرة ترمي من خلال الحوار إلى تحقيق جملة من الأهداف، فهي أولاً كانت تستجيب لطلبات أوروبية مباشرة بضرورة التحرك لتغيير مسار الانتفاضة القائم، إلى جانب عدم وجود تحفظ أميركي على أي تحرك يهدف إلى وقف الانتفاضة إلى جانب دافع التقييم السلبي للانتفاضة
يبدو سؤال الموقف المصري من الحوارات التي أديرت في القاهرة واحداً من أكثر الأسئلة أهمية في سياق البحث، سواء لجهة الدوافع أم التوقيت أم الأهداف المتوخاة من إدارة الحوار.

على صعيد الدوافع، يمكن القول إن القاهرة كانت ترمي من خلال استضافة الحوار إلى تحقيق جملة من الأهداف، فهي أولاً كانت تستجيب لطلبات أوروبية مباشرة بضرورة التحرك لتغيير مسار الانتفاضة القائم، إلى جانب عدم وجود تحفظ أميركي على أي تحرك يهدف إلى وقف الانتفاضة والتهدئة لأغراض ضرب العراق، إلى جانب دافع التقييم السلبي للانتفاضة.

بعد ذلك لا بد أن القاهرة قد رأت أن الحوارات تعيد لها دوراً سياسياً بدا متراجعاً، وربما غائباً خلال مرحلة ما بعد 11 أيلول. حتى لكأن مصر قد فقدت وزنها ودورها، ولا أدل على ذلك من غيابها عن مفاوضات تمس على نحو مباشر أمنها القومي ممثلة في مفاوضات السودان مع متمردي الجنوب، وما جرى الاتفاق عليه في (ماشاكوس) من بنود تكرس الانفصال، وبالتالي وضع القاهرة تحت رحمة جهات معادية. والأهم من ذلك غيابها عن تفاعلات الأزمة العراقية.

استفاضة الحوارات، كانت تريد القول للأميركان والأوروبيين وبالضرورة للإسرائيليين وحتى لرموز الساحة الفلسطينية، إن القاهرة وحدها هي المتحكمة بالوضع الفلسطيني، ليس سلطة فحسب بل ومعارضة أيضاً، وعلى الجميع أن يقر لها بذلك إن أراد أي تحول في المعادلة الفلسطينية القائمة أو القادمة.

هنالك هدف كامن من وراء الحوارات تمثل في إنقاذ رأس السلطة الفلسطينية وعلى رأسها الحليف الدائم للقاهرة ممثلاً في ياسر عرفات. فقد بدا واضحاً خلال الشهور الأخيرة أن الأميركان وإلى جانبهم الإسرائيليين قد قرروا العمل على إيجاد قيادة بديلة عن ياسر عرفات، وبدأ العمل على جناح (أبومازن) و(محمد دحلان) على أن يكون أحدهما -كان الثاني هو المرجح في حينه– كي يتم سحب البساط من تحت أقدام "الختيار"، وهو ما اضطر القاهرة إلى التدخل السريع لإنقاذ الوضع وإعادة الاعتبار لرجلها في الميدان، ذلك الذي لا يغير ولا يبدل في الولاء لها، قياساً باحتمالات سيئة لها ارتباطاتها الأخرى حتى لو جاملت القاهرة على نحو من الأنحاء.

موقف السلطة وحركة فتح

عندما نضع السلطة وحركة فتح في خانة واحدة، فإن ذلك ليس عبثاً بحال من الأحوال، ذلك أن ياسر عرفات هو الرأس في الحالتين. ومادام الرأس واحداً فالقرار واحد والتوجه واحد، وما الفصل بينهما في حوارات القاهرة إلا شكلية سياسية تهدف إلى القول إن السلطة فوق الجميع، وإن (فتح) تحاور كما سواها وليست ممثلة عن السلطة.


من الصعب القول إن قوة عرفات داخل السلطة وحركة (فتح) لا تزال على حالها القديم، فقد تراجعت بشكل ما خلال العام الماضي، وهو ما دفع كل طرف إلى رفع صوته بالرأي الذي يراه بصرف النظر عن موقف (الرئيس)
إذا حاولنا قراءة أهداف الرئيس الفلسطيني من الحوار، فإن الجانب الأهم الذي يجب الالتفات إليه هو الاستجابة لنداء القيادة المصرية قبل أي شيء آخر، فإذا كان الحفاظ عليه شخصياً هدفا مصريا، فإن الاستجابة لأي تحرك يصب في هذا الاتجاه يغدو منطقياً. والحال أن عرفات كان يرمي إضافة إلى ذلك إلى إمساك العصا من الوسط بين التيار الداعي إلى وقف الانتفاضة تماماً، وبين الآخر الداعي إلى مواصلة المقاومة، أقله في الأراضي المحتلة عام 67. بيد أن الأهم من ذلك هو الاستجابة لمتطلبات العودة إلى المسار السياسي أياً كانت.

من الصعب القول إن قوة عرفات داخل السلطة وحركة (فتح) لا تزال على حالها القديم، فقد تراجعت بشكل ما خلال العام الماضي، وهو ما دفع كل طرف إلى رفع صوته بالرأي الذي يراه بصرف النظر عن موقف (الرئيس). وهنا برز التباين بين تياري فتح المشار إليهما، ومعهما ثالث يرى استمرار المقاومة على طريقة "حماس" في كل مكان، وهو تيار ليس من الصعوبة ضبطه في كل الأحوال.

وجهة النظر التي ذهبت إلى القاهرة حملت رسالة وأضمرت أخرى، وهو ما ينطبق على الرأي المصري أيضاً. ذلك أن مطلب وقف العمليات الاستشهادية في العمق الإسرائيلي كان يهدف إلى كسر محرم أول بالنسبة للقوى الإسلامية وعلى رأسها "حماس"، وإذا ما تم ذلك فسيكون بالإمكان التفاهم على الخطوة التالية بسهولة أكبر. والحال أن الإقرار بذلك سيعني خروج القوات الإسرائيلية من المدن كما كان عليه الحال قبل اندلاع الانتفاضة، وغياب فرصة الاشتباك معها داخلها. وهو الأمر الذي قد يبدو ممكناً هذه الأيام، وإن بصعوبة شديدة بسبب الحصار ومنع التجول، وبسبب خروج الجيش إلى خارج المدن حال رفع منع التجول، ليعود إليها بعده لا سيما خلال الليل. في هذه الحال تغدو العمليات الاستشهادية في الأراضي المحتلة عام 48 هي السلاح الأهم، وإذا ما تعهدت "حماس" والجهاد بالتوقف عنها فإن المقاومة تغدو عملياً في خبر كان.

لم يكن ذلك هو كل شيء، ففتح والسلطة وربما المصريون أيضاً كانوا يريدون ما هو أكثر من ذلك، وهو الأمر الذي عبر عنه على نحو واضح جداً وزير التخطيط والتعاون الدولي نبيل شعث المقرب من المصريين، والمشرف –فلسطينياً- على الحوارات. فقد ذهب في تصريحات لوكالة (فرانس برس) أدلى بها يوم 25/12/2002 إلى أن "حوارات القاهرة هدفها التوصل إلى اتفاق فلسطيني فلسطيني، تتمكن السلطة بموجبه من التحدث باسم الجميع، والمشكلة الأساسية في موقف حركة حماس باعتبارها الطرف المعارض الأقوى الذي يتمتع بوجود شعبي". وأضاف "نحن نمر بظروف دولية وإقليمية تحتم الاتفاق على برنامج عمل فلسطيني مشترك تلتزم به حماس وكافة القوى الفلسطينية، وفي المقابل تقوم السلطة بإشراك حماس في القرار السياسي". وزاد الأمر وضوحاً بقوله "لا بد أن يعطي هذا الاتفاق السلطة الحق في التفاوض مع إسرائيل حول وقف متبادل لإطلاق النار". والخلاصة التي يمكن أخذها من حديث شعث، هي أن تتوقف "حماس" عن معارضتها ليس العسكرية فحسب بل السياسية أيضاً، وذلك بمنحها السلطة تفويضاً للعودة إلى المفاوضات. وإذا سئل المعنيون عن الأفق المتاح فلن يجدوا غير "خريطة الطريق" الأميركية التي عدلت غير مرة، لكي تنسجم مع غطرسة (شارون) الذي يحظى برعاية أميركية غير مسبوقة في تاريخ العلاقة الأميركية الإسرائيلية.

الثنائي.. شارون – متسناع

من الضروري القول إن الانتخابات الإسرائيلية والسطوة التي حاز عليها (شارون) في الداخل الإسرائيلي خلال الشهور الأخيرة من العام المنصرم، قد شكلت منعطفاً آخر في تشكيل الحوارات ورؤيتها، سواء لجهة الموقف الأوروبي أم المصري أم الفلسطيني.


الانتخابات الإسرائيلية والسطوة التي حاز عليها (شارون) في الداخل الإسرائيلي شكلت منعطفاً آخر في تشكيل الحوارات ورؤيتها، سواء لجهة الموقف الأوروبي أم المصري أم الفلسطيني
فقد ذهبت بعض المقاربات السياسية إلى أن استمرار "العنف" الفلسطيني سيقدم (شارون) ملكاً على إسرائيل، فيما ذهبت أخرى إلى أن ذلك قد يدفعه إلى استغلال ضرب العراق لتوجيه ضربة قاصمة للفلسطينيين قد تنطوي على عملية تهجير ثالثة، وهو القول الذي ردده غير واحد من قادة السلطة خلال الشهور الأخيرة.

ومن هنا يمكن القول إن السلطة والمجموعة الأوروبية ومصر قد أرادوا منح فرصة لمتسناع في التقدم في الانتخابات، وأقله عدم السماح لشارون بالحصول على أغلبية برلمانية ساحقة تمكنه من أخذ أي قرار يشاء من دون معارضة تذكر من (العمل) واليسار.

موقف حماس

من الممكن القول إن حماس التي دخلت حوارات القاهرة كانت في وضع قوي شعبياً، إلا أنها كانت في وضع متعب من ناحية عسكرية، وذلك بسبب قوة الضربات التي تعرضت لها خلال العام المنصرم. وهي الضربات التي أصابت بنيتها التحتية على نحو هو الأكثر قسوة بين مختلف الفصائل.


حماس أثناء حوارات القاهرة كانت في وضع قوي شعبياً، إلا أنها كانت في وضع متعب من ناحية عسكرية، وذلك بسبب قوة الضربات التي تعرضت لها خلال العام المنصرم، وهي الضربات التي أصابت بنيتها التحتية على نحو هو الأكثر قسوة بين مختلف الفصائل
من الصعب القول إن هذا السبب هو الذي دفع حماس إلى الذهاب إلى القاهرة، ذلك أن قادة الحركة في الداخل والخارج ما زالوا يرون أن الاعتراف المصري بالحركة وعلنية العلاقة معها، يمنحانها غطاء سياسياً مهماً في الساحة العربية، وأن مجرد الذهاب إلى القاهرة والاجتماع بمسؤوليها هو أمر على قدر كبير من الأهمية، لا سيما حين يكون مع الرجل المرشح لخلافة (مبارك) إذا لم تتحول إلى نجل الرئيس (جمال) الذي يعد كما ترى بعض الأوساط لمهمات الخلافة بعد والده.

ربما رأت بعض الأوساط في "حماس" أن مسألة العمليات الاستشهادية التي يجري التركيز عليها ليست أمراً مقدساً، وأن بالإمكان التنازل عنها في ظل أوضاع سياسية معينة، فيما لا ترى دوائر أخرى ذلك، حيث ترى أنه التنازل الذي يمكن أن يتبعه آخر. وقد ينطوي الجدل على رأي ثالث مفاده أن تغيير التكتيكات ممكن من دون إعلان، كي يبقى سلاح العمليات الاستشهادية موجوداً، وحتى لا يشكل التراجع إدانة لنهج حظي بإجماع في الشارع العربي والإسلامي، فضلاً عن الفلسطيني.

يبدأ البون الشاسع بين رؤية حماس ورؤية فتح أو بعض دوائرها وربما رؤية مصر أيضاً، من توصيف المرحلة فلسطينياً. ذلك أن حماس لا ترى أن الحفاظ على السلطة بوضعها القائم يشكل هدفاً ينبغي التركيز عليه، لأن الأصل هو التركيز على التحرير الشامل الحقيقي. ومن هنا فإن المطلوب هو تركيز الجهد في صياغة برنامج نضالي من دون الحديث عن آفاق سياسية له، نظراً لأن الآخر هو الذي ينبغي أن يتراجع ويقدم الأفق السياسي وليس الجهة التي تمارس المقاومة ضد الاحتلال، وهذا ما تحكيه تجارب المقاومة المعروفة في العالم.

حماس ترى أن الاتفاق يجب أن يكون على الوسائل والبرامج الكفيلة بدحر الاحتلال بصرف النظر عن البقعة التي يمكن دحره عنها، أما الحديث عن 67 و 48 فهو تنازل مسبق للعدو لن يلتفت إليه ولن يقدم مقابلاً مقنعاً عنه.

من هنا ترفض حماس مقولة البرنامج السياسي الذي يتحدث عن حدود دولة على الأراضي المحتلة عام 67، أو شراكة سياسية داخل سلطة لا تملك أرضاً ولا سيادة. وتركز الحديث عن برنامج التحرير الحقيقي، سواءً أدى إلى تحرير الأراضي المحتلة عام 67 بشكل كامل أم أقل من ذلك، ما دام قد تم من دون التنازل عما تبقى.
حماس أيضاً لا تعترف بالفارق بين (شارون) و(متسناع)، ودليلها تجربة أوسلو وصولاً إلى كامب ديفد تموز 2000 التي قدم فيها العمل أقصى ما عنده، وهي أيضاً لا ترى أن المقاومة تدعم (شارون) بقدر ما يدعمه التراجع أمام بطشه وغطرسته.

إلى ذلك لا تعترف حماس بقصة التهجير والضربة القاصمة، لأن ذلك محض تهديد، حيث لم يوفر (شارون) سلاحاً إلا واستخدمه، وفوق ذلك كله لا تعترف الحركة بقصة الرأي العام الدولي التي تركز على الأنظمة ولا تلتفت إلى الدعم الشعبي الواسع في العالم أجمع.

هذه الرؤى هي ذاتها رؤى حركة الجهاد على نحو ما، أما الجبهة الشعبية فلها موقف معقول لجهة التركيز على المقاومة. فيما يعزف نايف حواتمة –الديمقراطية- نغمة نشازاً وهو صاحب الوضع الهامشي بين الفصائل، حيث يركز على البرنامج السياسي لا لشيء إلا ليجر الجميع إلى الصيغة التي اخترعها عام 1974، والقائمة على التنازل عن 78% من فلسطين. إلى جانب وقف العمليات الاستشهادية التي يعجز عن تنفيذها، مع أنه لم ينفذ إلا بضعة عمليات من اللون الآخر لا تشكل شيئاً قياساً بحماس وفتح والجهاد.

أفق الحوار

في ضوء هذا الكم من التناقضات داخل حركة فتح والسلطة، والموقف المصري الذي يرجح سعيه إلى وقف العمليات الاستشهادية، وليس العمل العسكري بمختلف أشكاله كما ذهب الصحفي المعروف جهاد الخازن أحد الذين ساهموا في الاتصالات الأولى، إضافة إلى التناقضات الكبيرة بين كل أولئك مع حماس والجهاد حول سبل التعاطي مع المرحلة وقبل ذلك توصيفها.


الحال أن الضربة الأميركية المحتملة على العراق قد تغير كثيراً في المعادلة برمتها، فإما أن يتراجع الوضع العربي على نحو لافت، وإما أن ينتفض أمام موجة استهدافه ويمنح المقاومة دفعة إلى الأمام بوصفها حصنه الأخير
في ضوء ذلك كله، يمكن القول إن الحوارات لن تفضي إلى شيء، وإذا أفضت فإلى كلام عام عن الوحدة الوطنية والتنسيق لمواجهة التحديات. غير أن ذلك لا ينفي إمكانية أن تتراجع حماس والجهاد في موضوع العمليات الاستشهادية، بهدف إبداء المرونة السياسية وانطلاقاً من إدراك الفشل المحتوم لأي حوار سياسي مع الطرف الإسرائيلي، استناداً إلى تجربة ما قبل انتفاضة الأقصى، حين عاد الجميع إلى خيار المقاومة، بل إلى العمليات الاستشهادية بعد أن استنفدوا الوسائل الأخرى. وعلى هذا الصعيد يمكن أن تلجأ الحركتان إلى وقف غير معلن لهذا النوع من العمليات، كما فعلتا بعد 11 أيلول لمدة ستة أسابيع، وكما حصل خلال سنوات 98 – 2000.

بيد أن الأفضل من ذلك كله -حسب رأي حماس وقوى المقاومة عموماً بما في ذلك تيار مهم في حركة (فتح)- هو التوافق على مواجهة شاملة مع العدو بكل الوسائل المتاحة، وإعطاء المقاومة فرصتها كاملة في دفع العدو إلى التراجع. بيد أن ذلك يحتاج إلى مرجعية من طرف السلطة التي تحتاج إلى مرجعية مصرية، وهذه لا تبدو متوفرة بسبب حالة الخوف التي تنتاب الوضع العربي كله من جراء الضغط الأميركي. والحال أن الضربة الأميركية المحتملة على العراق قد تغير كثيراً في المعادلة برمتها، فإما أن يتراجع الوضع العربي على نحو لافت، وإما أن ينتفض أمام موجة استهدافه ويمنح المقاومة دفعة إلى الأمام بوصفها حصنه الأخير.

_______________
*كاتب ومحلل فلسطيني

المصدر : غير معروف