بقلم/ ياسر الزعاترة

- قراء تاريخية في مسيرة الاغتيال والاعتقال
- كوادر تصنع وخبرات تتراكم
- مرحلة أوسلو ثم انتفاضة الأقصى
- مسلسل الاغتيالات الأخير

لم تتعرض حركة في التاريخ الفلسطيني لما تعرضت له حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من حيث حجم القتل في صفوف القادة الرئيسيين، بما في ذلك حركة فتح التي تعد الأبرز على هذا الصعيد من حيث عدد القادة الذين اغتيلوا.

فعلى صعيد القادة اغتيل أربعة من أصل سبعة يشكلون مجموعة التأسيس في الحركة في قطاع غزة. أما في الضفة الغربية فقد تعرض معظم المؤسسين للاعتقال أو الاغتيال. وهم الآن موزعون بين السجون والأضرحة. وتبقى قيادة الخارج التي تعرض الرقم واحد وهو خالد مشعل فيها لمحاولة اغتيال فاشلة منتصف العام 1997. ونحن هنا لا نتحدث عن قادة الجناح العسكري وإنما السياسي.

من المؤكد أن ما جرى خلال العامين الماضيين كان مميزاً في تاريخ الحركة على هذا الصعيد، ففيهما خسرت ثلة من أبرز قادتها، ليس العسكريين فحسب، فقليلا ما يعمرون كما هو حال محمد ضيف في غزة وإبراهيم حامد في الضفة، وإنما على صعيد القادة السياسيين الذي توالى استشهادهم على نحو "دراماتيكي" خلال المرحلة المذكورة، من جمال منصور وجمال سليم وصلاح دروزة في الضفة الغربية إلى صلاح شحادة وإبراهيم المقادمة وإسماعيل أبو شنب والشيخ أحمد ياسين وصولاً إلى عبد العزيز الرنتيسي.

وبين ذلك كله كان عدد كبير من القادة وقعوا رهن الاعتقال كما هو الحال في الضفة الغربية بالنسبة لجمال أبو الهيجا وحسن يوسف وجمال النتشة وعبد الخالق النتشة.

قراء تاريخية في مسيرة الاغتيال والاعتقال


لم تكد حماس تبدأ مسيرتها الجهادية المباشرة ضد الاحتلال مع انطلاقة الانتفاضة الأولى نهاية العام 1987 حتى كانت سلطات الاحتلال تشن حملة اعتقالات في صفوفها طالت 120 من قادتها وكوادرها
عند محاولة البحث في تأثير ما جرى على مسيرة الحركة وتماسكها لا بد من العودة إلى سيرتها الذاتية منذ التأسيس وما تعرضت له من ضربات وكيف أثّرت على تحولات الفعل في الميدان، أكان بالنسبة للمسار العسكري، أم بالنسبة للمسار السياسي والشعبي.

عندما خرجت حماس من رحم الحركة الإسلامية في فلسطين لم يكن لها سوى بضعة معتقلين في سجون الاحتلال، فيما كان نفر من نشطاء حركة فتح في السجون يتحولون إلى المربع الإسلامي وينشئون في السجن ما عرف بالجماعة الإسلامية التي خرج معظم أعضائها في عملية تبادل الأسرى مع الجبهة الشعبية (القيادة العامة). وهي ذات الصفقة التي حرر من خلالها الشيخ أحمد ياسين في العام 1985.

ويشار هنا إلى أن عددا من نشطاء الجماعة قد انضموا لاحقاً لحركة حماس وبرزوا من خلالها، كان على رأسهم الشهيد القائد نصر جرار الذي كان حالة مميزة في فعله الجهادي مع كتائب القسام قبل أن يستشهد في مواجهة مع الاحتلال بعد أن كان قد فقد قدميه ويده قبل ذلك، وكان استشهاده يوم 14/8/2002.

لم تكد حماس تبدأ مسيرتها الجهادية المباشرة ضد الاحتلال مع انطلاقة الانتفاضة الأولى نهاية العام 1987 ومع نهاية العام التالي 1988، حتى كانت سلطات الاحتلال تشن حملة اعتقالات في صفوفها طالت مائة وعشرين من قادتها وكوادرها كان من بينهم الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وإبراهيم اليازوري وصلاح شحادة، وثلاثتهم من مجموعة التأسيس.

وفيما لم تكن الحركة قد استوعبت الضربة بعد حتى جاءتها أخرى أكثر حدة منتصف العام 1989 حين اعتقل مائتان وستون من خيرة قادتها وكوادرها على رأسهم الشيخ أحمد ياسين الذي حكم بالسجن المؤبد وظل قيد الاعتقال حتى أفرج عنه بعد عملية اغتيال مشعل.

كانت الضربة كبيرة بالنسبة للحركة التي لم تكن قد أخذت ذلك البعد الجماهيري الواسع في التجنيد حيث اقتصرت على الكوادر المنتقاة التي مرت بتجربة الإخوان المسلمين.

وهنا اضطر مسؤول المكتب السياسي للحركة في الخارج ولم يكن معروفاً آنذاك (الدكتور موسى أبو مرزوق) إلى دخول قطاع غزة وإعادة ترميم الجسم التنظيمي للحركة، إضافة إلى بلورة الجناح العسكري تحت اسم كتائب الشهيد عز الدين القسام.

في هذه المرحلة بدأت المواجهة الأعنف مع الاحتلال بعد أن نقلت الحركة -خلافاً لتوجهات منظمة التحرير- المواجهة من الحجارة إلى السكاكين وصولاً إلى الرصاص والقنابل والمتفجرات.

وقد أدى ذلك إلى مواجهة شاملة مع الحركة نهاية العام 1990، وذلك حين اعتقل من الضفة الغربية وقطاع غزة حوالي ألف وسبعمائة من كوادرها وقياداتها طالت معظم رموز الصف الأول وبعض الثاني وحتى الثالث.

كانت الحركة في هذه المرحلة قد تجاوزت المصاعب الأولى وانطلقت صوب العمل الجماهيري الذي يتجاوز النخبة، فلم تؤد الضربة على اتساعها إلى شل الحركة.

نتذكر هنا ما قاله الشهيد القائد في الحركة جمال منصور بالنسبة لمدينة نابلس التي كان رمزها الأول، حين أوضح أن أعداد الكادر خلال عام من الانطلاقة في الضفة التي تأخرت بشهرين عن غزة قد تضاعف ثلاث عشرة مرة.

عادت سلطات الاحتلال ووجهت ضربة أخرى للحركة نهاية العام 1992 إثر اختطاف الجناح العسكري لجندي صهيوني بهدف تحرير الشيخ أحمد ياسين، وقد تمثلت الضربة هذه المرة بإبعاد حوالي أربعمائة من قيادات الحركة إلى مرج الزهور، وهي الدراما التي قادها عبد العزيز الرنتيسي طوال ما يقرب من عام وانتهت بعودة المبعدين جميعاً، وإن جرى تحويل جزء كبير منهم إلى السجون.

كوادر تصنع وخبرات تتراكم
كان الإبعاد محطة نهوض لحركة حماس ومن قبله مسلسل الاعتقالات الذي شكّل فرصة مناسبة لتدريب وتأهيل عدد من الكوادر من خلال الفعل الميداني وليس من خلال التنظير فقط، وهنا يمكن القول إن المحطات المشار إليها قد قدمت خدمات جليلة للحركة من حيث صناعة القادة والرموز الذي كانوا يخرجون من السجون أكثر قوة وعطاءً وأكثر تميزاً واحتراماً في صفوف الجماهير، سيما بتميز الحركة داخل السجون بأساليبها ومناهجها التعليمية والتربوية والروحية.

لم يكن ذلك هو كل شيء، فقد حازت الحركة بشهدائها ومعتقليها على ثقة قطاع عريض من الشارع الفلسطيني الذي أخذ يمدها بالمزيد من الشبان في الجامعات والمدارس والمساجد، ومن بين هؤلاء كانت تبرز قيادات جديدة قادرة على حمل الأمانة والمضي بها إلى الأمام.

مرحلة أوسلو ثم انتفاضة الأقصى


كان المدد الكبير الذي نالته حماس يظهر للعيان خلال انتفاضة الأقصى التي شهدت ما يشبه الإجماع على خيار المقاومة والكفاح المسلح وصولاً إلى العمليات الاستشهادية التي كانت ثقافة رسختها حماس في المجتمع
يمكن القول إن مرحلة أوسلو كانت الأصعب على حماس رغم تراجع منسوب الاعتقالات في صفوفها خلال النصف الثاني من مسيرة الاتفاق، وتحديداً بعد العام 1996، حين تراجع الفعل العسكري بسبب المواجهة مع السلطة من جهة وبسبب قرار بالتهدئة الذاتية من دون تنكيس لواء المقاومة تماماً.

في هذه المرحلة كانت شعبية الحركة في وضع قوي، وذلك في ظل اندماج حركة فتح في سلطة باتت رائحة الفساد فيها تزكم الأنوف، إضافة إلى عقلانية حماس وعدم انجرارها للمواجهة مع السلطة رغم موجة الاعتقالات وحتى المساعدة في اغتيال رموز العمل العسكري من قبل رموز في السلطة كما هو حال جبريل الرجوب الذي اتهمته الحركة بقتل خليفة الشهيد يحيى عياش المهندس الشهيد محي الدين الشريف.

خلال هذه المرحلة كان كثير من المعتقلين قد خرجوا من السجون وعلى رأسهم قادة الحركة الكبار الذي بدأت فترات حكمهم تنتهي تباعاً، ولينتقل بعضهم من سجون الاحتلال إلى سجون السلطة كما هو حال عبد العزيز الرنتيسي ومحمود الزهار وإبراهيم المقادمة وسواهم.

كان المدد الكبير الذي نالته الحركة طوال المراحل السابقة يظهر للعيان خلال انتفاضة الأقصى التي شهدت ما يشبه الإجماع على خيار المقاومة والكفاح المسلح وصولاً إلى العمليات الاستشهادية التي كانت ثقافة رسختها حماس في المجتمع الفلسطيني.

لم يترك الاحتلال خلال هذه المرحلة من وسيلة لمطاردة حماس إلا واتبعها، أكان بالاغتيال أم الاعتقال أم تهديم البيوت، لكن ذلك كله لم يزد الحركة إلا قوة وصلابة وحضوراً في الساحة السياسية.

وقد شكل الحضور المعنوي لعدد من القادة على رأسهم الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي جزء مهماً من تقدم حماس. ولا شك أن الرنتيسي قد شكل حالة أكثر خصوصية بوصفه اللسان الذي يتبنى المقاومة ويدافع عنها بمنتهى الصلابة ومن دون أدنى تحفظ على الإطلاق.

وقد كانت وسائل الإعلام تطلق عليه لقب صقر الصقور في الحركة، لكن واقع الحال كان يقول إن الرجل كان الأكثر شعبية في أوساط الفلسطينيين والشارع العربي والإسلامي، حتى أن مجلة تايم الأميركية قد اختارته من بين أهم خمس شخصيات مؤثرة في الشرق الأوسط لعام 2002.

مسلسل الاغتيالات الأخير
بعد أن فرغت الضفة الغربية من القادة المعلنين باغتيال البعض واعتقال البعض الآخر، تميزت غزة بعدد كبير من القادة السياسيين والمتحدثين في وسائل الإعلام. لكن المفارقة قد تمثلت في أن الفعل العسكري قد ظل في الجزء الأكبر منه من نصيب الضفة الغربية، الأمر الذي يشير إلى معادلة مختلفة تحكم الجناح العسكري.

وإن بدا أن موضوع ضعف الأداء العسكري لقطاع غزة لا صلة له بضعف الجهاز العسكري، بل بوجود الجدار الأمني حول القطاع وقلة المواقع التي يمكن استهدافها، وصعوبة الوصول إلى المتوفر منها كالمستوطنات والحواجز العسكرية، مع ضرورة التذكير بأن المقاومين من حماس وسواها قد تمكنوا مراراً من إنجاز عمليات عسكرية مميزة ستظل محفورة في الذاكرة الفلسطينية.

جاء مسلسل الاغتيال الذي أشرنا إليه مطلع التحليل وآخره استهداف الشيخ أحمد ياسين ثم عبد العزيز الرنتيسي، ليضع بالنسبة للبعض علامة استفهام حول مستقبل الحركة وتماسكها خلال المرحلة المقبلة. وهنا يمكن القول إن ثمة جملة من العوامل قد تجعل تأثير ما جرى محدوداً من الناحية السلبية فيما يمكن أن يتحول مع الوقت إلى المسار الإيجابي.


مسلسل الصعود الكبير الذي حققته حماس قبل انتفاضة الأقصى قد تم خلال غياب قادة الحركة المعروفين حالياً في السجون، ما يؤكد أن الاعتقال أو الاغتيال لا يضرب الحركات ذات الجذور الفكرية والاجتماعية
لابد من الإشارة قبل ذلك إلى أن مسلسل الصعود الكبير لحماس قبل انتفاضة الأقصى قد تم خلال غياب قادة الحركة المعروفين حالياً في السجون، ما يؤكد أن الاعتقال أو الاغتيال لا يضرب الحركات ذات الجذور الفكرية والاجتماعية.

أما بالنسبة للفراغ القيادي فإن الأمر لا يبدو على تلك الدرجة من الأهمية عندما يؤخذ في الاعتبار المدد الشبابي الذي يأتي للحركة بعد اغتيال قادتها ورموزها. وهو مدد غالباً ما يتضمن قادة من العيار الجيد، سيما وهم من الصنف الذي صنع في زمن التحدي والصمود وليس زمن الترف والمكاسب.

يشار هنا إلى عامل مهم يتمثل في وجود قطاع عريض من القادة غير المعروفين في قطاع غزة، أو ممن عرفوا وعادوا إلى الظل بعد الإفراج عن الرنتيسي والشيخ ياسين، وهؤلاء سيكونون جاهزين لاستلام مواقعهم، سيما وأن تجربتهم وافرة على صعيد القيادة.

هناك عامل مهم في تماسك حماس يتمثل في وجود قيادة الخارج التي تمسك بمختلف الخيوط في غزة والضفة الغربية والسجون، الأمر الذي يجعل منها صمام أمان للحركة في مواجهة الأنواء بمختلف تصاريفها.

من المؤكد أن أشخاصاً من وزن الشيخ ياسين والرنتيسي ليس من السهل تعويضهم، لكن وجود قيادة الخارج ووجود رموز معقولة الأداء يبقى ضامناً لحركة تجاوزت مرحلة التأسيس وغدت ملء السمع والبصر، فيما مددها من الشباب الذي يمكن أن يفرز القادة لا يزال كبيراً بسبب استشهاد الكبار وما يفعله ذلك بالجماهير في ثقافة تعشق التحدي والشهداء والأبطال، ودفاعاً عن قضية مقدسة لها منزلتها في قلوب المسلمين جميعاً ولها بركتها الخاصة التي لا يدركها إلا من اقترب منها ومن تفاصيلها.
ـــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف