بقلم/ علي ناصر كنانة*

- تأسيس الجيش العراقي والخلفيات الوطنية والقومية
- صدام ومحاولات تبعيث الجيش
- لماذا حل الأميركان الجيش العراقي؟

تأسيس الجيش العراقي والخلفيات الوطنية والقومية

في السادس من يناير/ كانون الثاني من كل عام يحتفل العراقيون بذكرى تأسيس الجيش العراقي (1921) الذي يرون فيه جيشا وطنيا ذا تاريخ عريق ارتبط واندمج بالتاريخ السياسي الحديث لبلادهم، رغم ما درج عليه النظام السابق من استخدام لقدرات الجيش في مهمات وحروب لا صلة لها بالأمن الوطني.

وليس العراق استثناء بين البلدان النامية في هذا الشأن كما أن جيشه -مثلما هي جميع جيوش العالم- يعتمد في بنائه وقيادته على الانضباط والطاعة وتنفيذ الأوامر الصادرة من الأعلى دون مناقشة. ولكن الثقافة العسكرية العراقية ظلت دائما ذات عمق وطني وبعد قومي.
فلا أحد ينكر على الجيش العراقي كونه مسيّسا بأفكار وطنية هيأته لإحداث جميع الانعطافات السياسية في تاريخ العراق التي كان أبرزها ثورة 14 يوليو/ تموز 1958. بل هو واحد من أكثر الجيوش تمردا ضد المسارات التي تذهب بعيدا عن واجبه الوطني، وليس أدل على ذلك من الإعدامات التي تطال كبار ضباطه بين فترة وأخرى.

ولم يتوان الغيورون من ضباطه عن تدبير المحاولة تلو الأخرى للإطاحة بالدكتاتورية التي زجت البلاد في حروب غير مشروعة ضد إيران والكويت والأكراد. كما انشق آخرون عن النظام ولجؤوا إلى دول شقيقة وصديقة.

وقبل ذلك كله، برز الجيش العراقي بمشاركته في جميع حروب الصراع العربي الإسرائيلي، وتم تثقيف عناصر هذا الجيش وتدريبها على خلفية التوجه نحو تحرير فلسطين، إلا أن القيادة السياسية متمثلة في شخص الرئيس السابق صدام حسين كانت في كل مرة تخذل هذا التوجه بتوريط القوات المسلحة والمجتمع في حروب بعيدة عن حدود فلسطين.

وبعيدا عن الأحكام التعسفية الصادرة عن جهات لها حسابات أخرى، يمكن القول إن الجيش العراقي أعرق وأكبر من أن يوضع في جيب أي حاكم كان مهما بلغ من السطوة، بل إن الرئيس السابق لم يكن ليخشى من خطر محتمل على نظامه قدر خشيته من انقلاب عسكري يطيح نظامه. وقد دفع هذا القلق بالرئيس إلى قرارات وإجراءات تعمق القناعة بأن هذا الجيش ليس جيش صدام كما يروق للبعض القول، وليس للرئيس من رصيد في الجيش سوى دائرة ضيقة من الموالين تم اختيارها لتحتل أعلى المناصب العسكرية، ليس وفقا لمعايير تتصل بالكفاءة والحرفية والخبرة وإنما طبقا للولاء العائلي أو العشائري أو الفئوي أو الطائفي، أو طبقا لكل هذه المواصفات مجتمعة، وهو ما كان يحدث غالبا.

يروي العميد الركن نجيب الصالحي أمين سر حركة الضباط والمدنيين الأحرار -المعارضة لنظام صدام حسين- أن صدام حسين التقى عام 1986 مجموعة من الحزبيين العسكريين المشتركين في دورة خاصة في المكتب العسكري وعلى مستوى قيادة شعبة حزبية قبيل تعيينهم في مواقع عسكرية هامة، وكانوا في غالبيتهم جنودا تمت ترقيتهم إلى رتبة رائد، وقد خاطبهم قائلا "أريد أن تعلموا جيدا أن الجيش العراقي كالأسد، مهما بلغ مروضه من كفاءة وبذل معه من جهد فلابد للأسد أن يعود إلى طبيعته المتوحشة يوما ويطرح مروضه ويلتهمه. ولذلك على المروض أن يقتلع أنياب الأسد لكي يأمن شره، وبما أن الطبيعة قد جعلت تلك الأنياب دائمة النمو وتتجدد بعد قلعها، مما يتطلب من المروض أن يكون دائم التفتيش في فم الأسد بحثا عن الأنياب النامية من جديد واقتلاعها، لأن أي تساهل أو تكاسل قد يؤدي بالمروض إلى التهلكة".

ثم استطرد في حديثه بعد أن فشل المشاركون بالدورة في تحديد أنياب الأسد أو الجيش "احذروا الضباط الطموحين المتميزين بالكفاءة الممزوجة بقدر من المغامرة. عليكم وضع هؤلاء أمام أعينكم دوما، اكتشفوا حدود طموحهم، وإلى أي مدى يكون مشروعا أم لا".

صدام ومحاولات تبعيث الجيش

بهذه العقلية الأمنية سيد صدام حسين موالين جهلاء في العلوم العسكرية على ضباط محترفين وجيش منضبط. كما يعكس هذا التفكير قناعة القائد العام للقوات المسلحة بأن الموالين في الجيش العراقي هم فقط المنتمون إلى دائرة العشيرة والعائلة، وكل ما عداهم مشاريع مؤامرة! لأن ولاء الجيش العراقي -بطبيعته- للوطن والشعب، فيما يريده الرئيس ولاء شخصيا له ولحكمه.

ومن نتيجة ذلك لم يتوقف دولاب الإعدامات ضد جميع الضباط الذين يشك بولائهم أو يرى فيهم صدام حسين خطرا على حكمه حتى شملت التصفيات فيما بعد دائرة الموالين، حالما يبرز بينهم من يحمل ملامح البديل، كما جرى في اغتيال وزير الدفاع الأسبق عدنان خير الله، وهو ابن خال صدام وشقيق زوجته.

هذا عدا عن تصفية جميع من اتهموا أو ساهموا فعلا بالتخطيط لانقلابات عسكرية تهدف إلى تحرير البلاد من الدكتاتورية بأياد وطنية. وجدير بالذكر أن هذا الجيش هو ذاته الذي أشعل فتيل الانتفاضة في جنوب العراق حين انسحب مهزوما من الكويت عام 1991، عندما صعد جندي غاضب على ظهر دبابته وهتف (في البصرة) بالثورة مؤلبا الناس على التمرد وإسقاط النظام.

إن هذه المعطيات تؤكد حقيقة كون الجيش العراقي قوة وطنية لا يجوز تصنيفها كمؤسسة أمنية من مؤسسات النظام السابق. وهو أمر لا يساور غالبية العراقيين الشك بشأنه. والمتابع لأدبيات تنظيمات المعارضة الوطنية (وليست المعارضة المتورطة في حسابات السياسة الخارجية الأميركية) يلمس اعتزازا ملحوظا بالجيش العراقي وتاريخه واعتباره مؤسسة وطنية ابتليت بقيادة متهوِّرة. وخير ما يمكن قراءته في هذا السياق -على سبيل المثال لا الحصر- ما حمله بيان الحركة الوطنية الآشورية في الذكرى التاسعة والسبعين (عام 2000) لتأسيس الجيش العراقي:

"إن ما آل إليه الجيش العراقي في ظل النظام القائم لا يعني واقعا ثابتا ومحدداً في حياة هذه المؤسسة العسكرية، فطرق المستقبل مفتوحة أمام أبنائه كما هو حال الشعب العراقي بأسره. إننا بهذه المناسبة إذ نهيب بأبناء شعبنا في الجيش العراقي الباسل ونقدم تهنئة وطنية للعناصر الشريفة المؤمنة بالأخلاق والمبادئ العسكرية الوطنية، نتمنى أن يعود للعراق درعه الحصين لحماية استقلاله وصيانة كرامة الشعب وأن يكون انتماؤه الأول والأخير لمصلحة الشعب وليس لمصلحة عصابات مكنها الحظ العاثر من الوصول إلى دفة الحكم. فألف مبروك لأبناء قواتنا المسلحة: أمل العراق ودرعه الواقي بمناسبة عيده: عيد الشعب العراقي الأغر".

إن مضمون بيان الحركة الوطنية الآشورية يدللُ على أن العراقيين الوطنيين جميعا بما في ذلك المعارضة العراقية ينظرون إلى جيشهم بإجلال ولا يشككون بوطنيته ويحتفلون بتأسيسه ويتفهمون ابتلاءه بقيادة النظام السابق ويريدونه بعد سقوط النظام درعا حصيناً لحماية استقلال البلاد وصيانة كرامة الشعب. ولكن حسابات الولايات المتحدة غير حسابات المعارضة الوطنية، فجاء قرارها بحل الجيش العراقي صادما لكل الوطنيين العراقيين. وقد نبع الاستياء من جملة عوامل:

  • كان يُفترض صدور قرار خطير كهذا عن سلطة عراقية، حتى لو كانت حكومة انتقالية. وهو نكوص أميركي مبكر عن وعود مازال مدادها نديّا.
  • إن إصدار قرار من هذا النوع خارج إرادة الشعب العراقي لم يكن ليجرؤ البيت الأبيض على اتخاذه في ولاية أميركية دون العودة إلى برلمان الولاية. وفي ذلك تجاهل فض لإرادة العراقيين.
  • يدل القرار على قناعة الولايات المتحدة بأن الجيش العراقي هو جيش صدام وليس جيشا وطنيا، وهو أمر تطرقنا إلى خطأ التفكير فيه.
  • يتعارض هذا القرار مع اتفاقيات جنيف بشأن الدول التي تتعرض للاحتلال.
  • عدم مشروعية القرار النابعة من عدم مشروعية الغزو أصلاً والذي عارضه مجلس الأمن الدولي وأغلب دول العالم والرأي العام العالمي. ومن قبل ذلك: لا مشروعية لغزو أو احتلال (حتى لو أراد مجلس الأمن غير ذلك)، وبالتالي لا مشروعية لكل ما ينتج عن هذا الاحتلال.

لماذا حل الأميركان الجيش العراقي؟


العراقيون الوطنيون جميعا بما في ذلك المعارضة العراقية ينظرون إلى جيشهم بإجلال ولا يشككون بوطنيته ويحتفلون بتأسيسه ويتفهمون ابتلاءه بقيادة النظام السابق ويريدونه بعد سقوط النظام درعا حصينا لحماية استقلال البلاد وصيانة كرامة الشعب

فما إن أعادت واشنطن النظر في بعض التفاصيل الإجرائية لأجندتها السياسية في العراق وجاءت بالحاكم المدني بول بريمر عوضا عن العسكري جاي غارنر، أقدمت مبكرا على اللعب بأوراق مكشوفة، حينما استبدلت مزاعم التحرير بحقائق الاحتلال، ما أدى إلى افتضاح كلي لأهداف الحرب بعد أن انفجرت بالونات المبررات التي شُنت الحرب على خلفيتها، وفي مقدمة ذلك الزعم بحيازة العراق أسلحة دمار شامل عجز الأميركان عن العثور على ظل لوجودها. وبرغم ما حظيت به واشنطن من شرعَنة لاحتلال العراق (من قبل مجلس الأمن)، فإن ذلك كله لا يعطيها الحق بحرق كل ما قالت به بشأن إعادة إعمار العراق لتنشئ قولا آخر، بل فعلا آخر يرشح منه سعيا مدبرا لإعادة تأسيس الدولة العراقية طبقا لمواصفات أميركية. وبذلك تتكشف الأهداف الحقيقية للحرب، في أن العراق دولة وجيشا ونفطا وثقافة وشعبا وعلما هو المستهدَف وليست دكتاتورية صدام حسين أو تحرير الشعب العراقي من هذه الدكتاتورية.

ولا يمكن فهم القرار بحل الجيش العراقي دون التمحيص في مفردات الإستراتيجية الأميركية ذاتها التي تعتبر إسرائيل بؤرة مصالح مركزية لها يجب أن تتضافر السياسات الأميركية لتأمينها من أي خطر محتمل. وفي هذا السياق يمسي حل الجيش العراقي قرارا إسرائيلياً بالنيابة يحرر الإسرائيليين من آخر منطقة خوف أو إقلاق كان يمثلها أقوى جيش عربي متمرس، يأتي حله بمثابة ضربة قاضية للتوازن الإستراتيجي بين العرب وإسرائيل، ولو بأضعف صوره. وفي صميم دلالات هذا القرار أن يتحول العراق إلى دولة ضعيفة (تقع بين خصمين عنيدين وقويين: إيران وتركيا) ستدفعها ضرورات الأمن الخارجي إلى ضرورة طلب الحماية الأميركية، كما هي الحال بالنسبة للكويت.

إن غياب الجيش العراقي من حيث كونه قوة توازن اجتماعي وسياسي وأمني سيؤدي بالضرورة إلى سيادة البعد الفئوي الذي سيغري التيارات المسلحة على تأكيد حضورها في الميدان السياسي بثقل قوة السلاح الذي تملكه، لاسيما وأن سلطة الاحتلال أجازت للقوى الكردية في كردستان الاحتفاظ بأسلحتها الثقيلة. وفي ذلك -مهما كانت المبررات- تغليب (في عوامل القوة) لطرف عراقي على آخر، مما يدفع بالأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد والعلاقات بين التيارات إلى منطقة خلافية من الخطورة على الوحدة الوطنية والتوازنات المطلوبة الاضطرار إلى التورط في ولوجها، لأنها نفقٌ آخر لا ضوء في نهايته.

لقد أغفلت سلطة الاحتلال حقيقة أنها بهذا القرار فتحت نافذتين لا تجلبان سوى العواصف التي لا أحد يستطيع التصدي لها قبل أن تسيل دماء غزيرة مرة أخرى:

أولاً: إن الأميركان اختاروا الصدام مع قطاع واسع من رجال تمرسوا في القتال على أرضهم، وبذلك تكون الولايات المتحدة هي التي بادرت إلى قدح النار في الموقد. ولم تكن التظاهرة التي نظمها أفراد الجيش العراقي احتجاجا على القرار إلا مؤشرا أوليا لرد فعل سريع ينذر بما لم تتحسب له قوات الاحتلال وما اختصره أحد العقداء المشاركين في التظاهرة "نحن عسكريون معتادون على القتال ولدينا متطوعون للاستشهاد وسنسترد بالقوة ما أخذ منا بالقوة". وقال عقيد آخر "لقد حافظ كل جندي على سلاحه وسيشهد الأميركيون أشياء لا تسرهم. وإذا لم نحصل على رواتبنا سنتحول إلى مليشيات".

ثانيا: إن إقصاء الضباط من رتبة عقيد فما فوق وحرمانهم من المستحقات يعني استلابا للحقوق المدنية (في بلد يراد له أن يكون مجتمعا مدنيا ديمقراطيا) وعقابا يضمر تجويعا لعوائل آلاف الضباط المشمولين بهذا الحرمان والذي لا يمكن فهمه بأي معيار أميركي أو أوروبي وعلى خلفية جملة من التساؤلات:

  • هل يحق للولايات المتحدة أن تحرم مواطنا في دولة أخرى من حقوقه المدنية ومتطلبات العيش في بلده؟
  • هل توجد دولة غربية واحدة (ومن بينها الولايات المتحدة) لا تضمن قوانين الضمان الاجتماعي فيها عيشا كريما لكل مواطن، بما في ذلك المجرمون والداعرون والمومسات؟
  • ألا تؤمن فلسفة قوانين العمل والضمان الاجتماعي في الدول الغربية (ومن بينها الولايات المتحدة) بأن حرمان أي مواطن من حقوقه المدنية وفي مقدمتها العيش الكريم له ولأسرته يعني منطقيا تحويله إلى مشروع جنائي؟
  • أليس للطفل والمرأة وكبار السن أولوية في الرعاية على جميع المستويات في الدول الغربية؟
  • ألا يتعارض هذا الحرمان مع لائحة حقوق الإنسان واتفاقيات جنيف؟

ومن ذلك لابد من التساؤل عما إذا كانت هذه القيم لا تسري على مواطنين من "الدرجة العراقية"، وعما إذا كانت واشنطن تعامل شعبها إنسانيا وتفعل غير ذلك مع العراقيين؟

ثم أليس من حق العراقيين حيال موقف كهذا أن يتذكروا ويفعلوا بما قال به أبو ذر الغفاري: "عجبت ممن لا يجد قوتا ببيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه؟‍".

إن تحويل مئات الآلاف من العراقيين إلى عاطلين عن العمل (بقرار أميركي) سيسد الطريق على القول بقيم التسامح والمصالحة الوطنية والتكاتف من أجل بناء عراق ديمقراطي، وهي قيم يلقي بها مثل هذا القرار في مهب الريح.


تريد واشنطن جيشا عراقيا يدعم الوجود الأميركي ويتصدى للأخطار نيابة عنه، ويتكفل بملاحقة وضرب أي مقاومة محتملة، ومن ثم الرهان عليه مستقبلا -في حالة انسحاب القوات الأميركية- أن يكون قوة بديلة لحماية المصالح الأميركية والحفاظ على العملية السياسية في العراق كما أراد لها مخططو الإستراتيجية في البيت البيض أن تكون
ولأن تحقيق الذات هي القيمة العليا في العمل فإن المعطلين عن العمل سيبحثون عن سبل أخرى لتحقيق ذواتهم، ليس أقلها تنظيم أعمال مقاومة من باب الثأر من قرار قوات الاحتلال، إذا انتفت الأسباب الأخرى التي يرى العاملون والمعطلون أن طرد المحتلين أكثرها إلحاحا. الأمر الذي أكده جميع المتظاهرين الذين تحدثوا إلى وسائل الإعلام.

ومن الغرابة أن تغفل سلطة الاحتلال تداعيات البطالة التي خبِرتها في بلادها، وهي تداعيات تأخذ أبعادا أكثر خطورة ودموية عندما تكون البطالة ناتجة عن قرارات تعسفية صادرة عن سلطة احتلال وفي مواجهة شعب تمت عسكرته طوال 35 عاما. وقد تحدث عن ذلك أحد ضباط الحرس الجمهوري بكلمات واضحة "رواتبنا هي المصدر المالي الوحيد لإعالة عوائلنا، وإذا ما توقف هذا المصدر فإن بعض الجنود سيضطرون إلى النهب والقتل من أجل البقاء، فيما ينظم آخرون صفوفهم لمحاربة الأميركيين".

يعلق بعض العراقيين في هذا الصدد قائلين "إن الحرس الجمهوري خصوصا يستحق المكافأة وليس العقاب طالما كان ضباطه هم من تعاون مع الأميركيين وتخلوا عن صدام حسين عندما حانت لهم الفرصة"، كما أشار إلى ذلك العميد الركن نجيب الصالحي قبل نشوب الحرب بفترة غير قصيرة قائلا "إن الحرس الخاص والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية في ورطة وتبحث عن مخرج لها، وإن ولاءها لسلطة صدام حسين مرهون ببقائه مدعوما دوليا ليس إلا".

وهو ما حدث فعلا. فماذا كان سيفعل الأميركان بأفراد الحرس الجمهوري لو أنهم استبسلوا في الدفاع عن بغداد قبل احتلالها؟!

أما الجيش الذي يعمل الأميركيون على تأسيسه في العراق فهو لاشك سيكون جيشا "شرطويا بوليسيا" هزيلا تؤسس سلطة الاحتلال هيكليته "لمكافحة الشغب الذي سيعني مقاومة الاحتلال" وثقافته "ليكون جيشا مجردا من العمق القومي"، وتجهيزه "بسلاحٍ لا يستخدم إلا ضد خصوم واشنطن". وبين هذا وذاك تريد الولايات المتحدة جيشا عراقيا يدعم الوجود الأميركي ويتصدى للأخطار نيابة عنه، ويتكفل بملاحقة وضرب أي مقاومة محتملة. ومن ثم الرهان عليه مستقبلا -في حالة انسحاب القوات الأميركية- بأن يكون قوة بديلة لحماية المصالح الأميركية، والحفاظ على العملية السياسية في العراق كما أراد لها مخططو الإستراتيجية في البيت البيض أن تكون.

بحل الجيش العراقي تكون الولايات المتحدة (وليس لها مصلحة في ذلك غير مصلحة إسرائيل) قد نجحت في دفن 82 عاما من العسكرية العراقية، وما تشكيل جيش جديد إلا تأسيس على نقطة الصفر في دولة هي البتة ليست أفغانستان ولا تيمور الشرقية. وما تم بناؤه في ثمانية عقود ونيف لا يمكن تلفيقه في ثمانية شهور، إلا إذا كان الهدف منذ ذلك تأسيس قوة شكلية ذات أغراض أقل كثيرا من أبجديات شروط الدفاع الوطني عن بلاد قُيض لها أن تقع في دائرة يحيط بها خصوم تاريخيون، لكل منهم أجندة خاصة غير أنهم جميعا ينظرون بعين الرضى لعراق ضعيف.

ومن خلاصة القول الإشارة إلى أن سلطة الاحتلال الأميركية اختارت أن تبادر إلى ضرب العراقيين (سواء بقطع الأرزاق أو بقطع الأعناق) قبل أن يبادروا هم بالمقاومة، مما سيضطرهم إلى التعجيل في تنظيم صفوفهم للشروع في أعمال مقاومة غير عادية لأنها تأتي من طرف عسكريين اكتسبوا خبرات كبيرة في القدرة على مباغتة العدو وتكبيده أفدح الخسائر. وما حرمتهم "الصفقة" من فعله ربما سيحين أوانه. وعلى نفسها جنت براقش.

_______________
*كاتب عراقي

المصدر : غير معروف