بقلم: حسام سويلم*

- الأهداف الظاهرية والخفية للحملة الأمريكية
- طبيعة الحرب القادمة
- النتائج المحتملة
إذا كان القضاء على المنظمات الإرهابية على كل الساحة العالمية – لاسيما فى أفغانستان، واستعادة الهيبة الأمريكية التي انكسرت يوم الثلاثاء الدامي فى واشنطن ونيويورك بسبب العمليات الانتحارية الجوية التي جرت ، هما الهدفان الظاهران والمعلنان للحملة الأمريكية المنتظر شنها خلال الأسبوع الأخير من سبتمبر الحالي ضد أفغانستان ودول أخرى فى منطقة الشرق الأوسط ، فمما لا شك فيه أن هناك أهدافاً أخرى للولايات المتحدة من وراء تصميمها على المضى قدماً فى حملتها العسكرية رغم اعتراض وتحفظ الكثيرين داخلها وخارجها، خاصة وأنه ليس بخاف على أحد فى دوائر صنع القرار الأمريكي، تلك التجارب التاريخية القاسية التي تعرضت لها دول عظمى أخرى سبق لها أن تورطت فى المستنقع الأفغاني ، وكانت النتائج وخيمة عليها.

فقد سبق للإمبراطورية البريطانية أن واجهت هزيمة قاسية فى أفغانستان عندما أرادت احتلالها عام 1840م، ثم اضطرت تحت وطأة الخسائر الشديدة إلى مغادرة كابول عام 1841م، وتكررت الهزيمة مرة أخرى عام 1880م، إلى أن اضطرت بريطانيا إلي التسليم باستقلال أفغانستان عام 1921م.

وعندما اجتاح الاتحاد السوفيتي السابق الأراضي الأفغانية عام 1979م، بعد أن زرع حكماً شيوعياً فيها، خاض حرباً استنزافية مريرة دامت عشر سنوات تكبد خلالها 15 ألف قتيل، بجانب الخسائر السياسية والاقتصادية، مما كان له مردودات سلبية على الأصعدة الاجتماعية والمعنوية داخل الاتحاد السوفيتي، أدت إلي تفككه بعد ذلك، وسقوط الشيوعية فى معقلها على أرضه، والقضاء على الامبراطورية السوفيتية – ثاني قوة عظمى فى العالم آنذاك، حيث لم يدم عمرها أكثر من سبعين عاماً.


الأهداف الظاهرية والخفية للحملة الأمريكية

حطام مركز التجارة العالمي
لماذا إذن رغم كل هذه التجارب التاريخية التي تؤكد خطورة النتائج المترتبة على خوض حرب فى أفغانستان، نرى صناع القرار الأمريكيين ماضون فى خطتهم بتصميم غريب لغزو أفغانستان، فيحشدون الحشود من القوات الجوية التي فاقت 500 مقاتله، وأربع مجموعات حاملات طائرات يدعمها أكثر من 150 سفينة حربية بينها عشر بوارج ومدمرات مسلحة بصواريخ كروز ( توماهوك )، وحشد من القوات البرية والخاصة ومشاة الأسطول يتعدى حجمه 250 آلف رجل، بجانب قوات أخرى من دول الناتو خاصة بريطانيا، مع احتمالات غير مستبعدة للجوء لأسلحة دمار شامل ؟! .. وهل يوجد فى أفغانستان حجماً من الأهداف الاستراتيجية والعسكرية يستحق تدميرها تعبئة واستخدام كل هذا الحشد الأمريكي بالإضافة لقوات أخرى من الناتو تحرص واشنطن على مشاركتها فى هذه الحملة؟.

إن حجم قوات طالبان لا يتجاوز حالياً خمسين ألف فرد، وقد يصل بعد التعبئة الشاملة إلى 200 ألف فرد، ودباباتهم وعرباتهم المدرعة الروسية الصنع المتقادمة لا يزيد عددها عن 200 دبابة وعربة مدرعة، و1500 قطعة مدفعية وراجمة صواريخ ، وما لا يزيد عن 10 طائرات، و100 قطعة صواريخ مضادة للطائرات، وضعفهم من الصواريخ المضادة للدبابات .

توقيع بن لادن على وثيقة أرسلها إلى قناة الجزيرة
أما تنظيم القاعدة الذي يرأسه بن لادن ، وتعتبره أمريكا الهدف الرئيسي لحملتها العسكرية، فلا يزيد حجمه عن 5000 إلى 8000 فرد مسلحين بأسلحة خفيفة، ومنتشرين على كل الساحة الأفغانية وخارجها ، ومن المرجح أن معظمهم وقيادتهم قد غادروا أفغانستان إلى البلدان المجاورة، وحتى الموجودون منهم فى أفغانستان – شأنهم شأن طالبان - لا يمكن حصرهم وتمييزهم فى تشكيلات أو ووحدات عسكرية مثل جيوش الدول النظامية، ذلك لأنهم ذائبون ومنتشرون داخل أفراد الشعب، يرتدون ملابسهم، وينغمسون فى الحياة المدنية، وهم مسلحون مثل سائر الأفغانيين الذين يحملون سلاحهم دوماً.. أما معسكراتهم التي يبلغ عددها حوالي 21 معسكرا، فهي خاوية الآن من المقاتلين الذين انتقلوا إلى مواقع تبادلية أخرى محصنة فى الجبال، تعتبر بمثابة معاقل دفاعية يصعب اختراقها.

فهل تستحق هذه القوات الأفغانية بهذا التسليح الضعيف أن يُحشد لهزيمتها والقضاء عليها كل هذا الحشد العسكري الأمريكي الضخم؟! وإذا أدركنا أن ثمن الصاروخ التوماهوك الواحد يبلغ – على سبيل المثال – حوالي 2 مليون دولار – وتكلفة الطلعة الواحدة للطائرة المقاتلة دون ذخيرتها حوالي عشرة آلاف دولار، ومع افتراض إطلاق 100 صاروخ توما هوك فى الحرب القادمة، وتواجد 500 طائرة قتال على الأقل ، فهل من المنطق أن يطلق هذه الحجم من الصواريخ التي يزيد ثمنها عن 200 مليون دولار ، ويخصص هذا الحجم من المقاتلات التي يتكلف إقلاعها فى اليوم الواحد – على اعتبار 6 طلعات فى اليوم – حوالي 30 مليون دولار – ضد معسكرات خاوية من الخيام والصفيح لا تساوى شيئاً ؟ ناهيك عن باقي التكاليف اللوجستية لهذه الحملة الضخمة والتي تقدر بمليارات الدولارات؟!.

إن الاستنتاج البسيط الذي يمكن التوصل إليه رداً على هذه التساؤلات البديهية ، أن هناك أهدافاً أخرى لصانع القرار الأمريكي غير معلنة تستحق هذا الحشد ، وتتطلب هذا المستوى العالي من الإنفاق الضخم.. وهذه الأهداف من المؤكد أنها ترتبط بالاستراتيجية الكونية الأمريكية بعيدة المدى، لاسيما فى هذا الجزء المهم من وسط وجنوب آسيا، ومصالح الولايات المتحدة فى المناطق المجاورة – لاسيما فى منطقة الشرق الأوسط .

ففي أفغانستان على وجه التحديد يعتبر إزالة حكم طالبان، وفرض نظام حكم آخر موال للولايات المتحدة هدفاً مباشراً للحملة العسكرية الأمريكية الجارية.. لأنه من خلال تأمين مثل هذا النظام الجديد، يمكن للولايات المتحدة أن تضمن عدم عودة تنظيم بن لادن إلى معاقله القديمة فى أفغانستان، ومع رفض الدول الأخرى لإيوائه، فإنه سيحكم على نفسه بالتشتت، وبالتالي يسهل تعقبه والقضاء عليه نهائياً.

وبواسطة نظام سياسي جديد تفرضه واشنطن فى أفغانستان، يمكن تأمين وجود عسكري أمريكي دائم هناك يهدد من جهة الجناح الجنوبي لروسيا فى بلدان آسيا الوسطى، والجناح الغربي للصين، والجناح الشرقي لإيران ، ويضغط فى الوقت نفسه على باكستان لتتبنى مواقف غير متشددة سواء مع الهند إزاء قضية كشمير، أو إزاء قضية إزالة أو تقليص البرنامج النووى الباكستانى.. حيث ستكون باكستان محاصره بوجود عسكري أمريكي فى أفغانستان من الشمال، وبالهند العدو التقليدي لباكستان من الشرق، وبالوجود العسكري البحري الأمريكي فى بحر العرب من الجنوب.. هذا بالإضافة إلي خدمة المخططات الأمريكية الساعية للتحكم فى منطقة بحر قزوين التي تعج بمشاريع النفط وخطوط أنابيب نقله، والقضاء على مزارع الأفيون فى أفغانستان ومحاصرة تجارته التي تشكل ثلاث أرباع الاستهلاك العالمي.


بواسطة نظام سياسي جديد تفرضه واشنطن فى أفغانستان، يمكن تأمين وجود عسكري أمريكي دائم هناك يهدد من جهة الجناح الجنوبي لروسيا فى بلدان آسيا الوسطى، والجناح الغربي للصين، والجناح الشرقي لإيران ، ويضغط فى الوقت نفسه على باكستان لتتبنى مواقف غير متشددة إزاء قضية كشمير، وقضية إزالة أو تقليص البرنامج النووى الباكستانى
تلك هي الأهداف الحقيقية بعيدة المدى للحملة العسكرية الأمريكية ضد أفغانستان، هذا بالطبع إلى جانب استخدام هذا الحشد فى قصف دول أخرى عربية وإسلامية تصنفها الولايات المتحدة معادية لها بدعوى إيوائها منظمات إرهابية ، تتمثل في العراق وإيران والسودان واليمن وليبيا ولبنان وسوريا، وبما يخدم أهداف إسرائيل السياسية والاستراتيجية، باعتبار الضمان الأمريكي المعلن لأمن إسرائيل، خاصة إذا وضعنا فى الاعتبار أن إسرائيل، والمنظمات الصهيونية العالمية، والماسونية العالمية من المحتمل أن يكونوا وراء تحريك الأحداث التي بدأت بعمليات 11 سبتمبر الماضي، هذا طبقا للخبرات التاريخية المعروفة، والتي تؤكد أن اليهود كانوا دوما وراء الحروب العالمية والإقليمية والثورات الأهلية فى العالم ( راجع كتاب أحجار على رقعة شطرنج لمؤلفه الآدميرال الكندي وليم جاي كار، وكتاب الحكومة الخفية، وكتاب اليهود العالمي لمؤلفه رجل الأعمال الأمريكي هنري فورد ) . وجميع هذه الأهداف السابق تحديدها يمكن أن تستحق فعلاً على المدى الطويل هذا الحشد العسكري الأمريكي الضخم، وما يتطلبه من إنفاق يقدر بمليارات الدولارات .

طبيعة الحرب القادمة

لتحقيق الأهداف المعلنة للحملة، وأبرزها استعادة الهيبة الأمريكية ورفع الروح المعنوية للشعب الأمريكي، ستحرص القيادة الأمريكية على شن عمليات قصف صاروخي وجوي ضد الأهداف الأفغانية التي تخص تنظيمي طالبان والقاعدة.. مثل معسكرات التدريب، ومعظمها فى مناطق (خوست) و (قندهار)، و(جلال أباد)، بالإضافة لقصف العاصمة كابول انطلاقا من الدول المجاورة لأفغانستان، والتي وافقت على استخدام أراضيها بواسطة القوات الأمريكية، وهى باكستان، وطاجاكستان، وتركمانستان، وأذربيجان.. ومن حاملات الطائرات وبوارج الصواريخ كروز فى بحر العرب.. وهو الجزء من الخطة الأمريكية التي ستحرص واشنطن على تسجيله تليفزيونياً ليذاع بواسطة شبكة C.N.N وغيرها من الشبكات التليفزيونية العالمية، بهدف رفع الروح المعنوية للشعب الأمريكي، واستعادة الهيبة الأمريكية على مستوى العالم.

وسيسبق هذا القصف تسلل عناصر مخابرات أمريكية وقوات خاصة تقوم بعمليات مسح معلوماتي واسعة، بالإضافة لعلميات الاستطلاع والمخابرات الأرضية والجوية والفضائية لتحديد الأوضاع النهائية لقيادات وعناصر تنظيمي القاعدة وطالبان.. ليشمل القصف الجوى والصاروخي هذه المواقع، وبما يمهد لشن عمليات (استئصالية) تقوم بها القوات الخاصة الأمريكية، مثل مجموعة (دلتا)، ومجموعة (سيل البحرية)، ومجموعة (القبعات الخضراء)، والفوج 75 كوماندوز، بالاشتراك مع الوحدات الجوية البريطانية الخاصة ( أس . أى . أس ) بهدف أسر وإبادة العناصر الأفغانية المقاتلة فور رصد مواقعها.. وستكون وسيلتهم فى ذلك عمليات الإبرار الجوي بمروحيات الاقتحام الجوى تحت مساندة المروحيات الهجومية (أباتشى)، وتحت غطاء جوي مستمر من المقاتلات حتى انتهاء عملياتها وعودتها إلى قواعدها السابقة، وحتى لا تتعرض لخسائر ضخمة بسبب الكمائن الأفغانية المتوقع وجودها فى المناطق الجبلية وعلى طرق التحرك المتوقعة.. ومن المؤكد أن القيادة الأمريكية ستسعى لتحقيق أكبر استفادة من قوات المعارضة الأفغانية شمال أفغانستان، سواء فى مجال المعلومات أو فى العمليات القتالية ضد طالبان والقاعدة، وذلك تجنباً لتوريط القوات الأمريكية البرية فى عمليات هجومية لفترات طويلة تتكبد فيها خسائر بشرية جسمية.

وقد تقوم القوات الأمريكية بعمليات اقتحام واحتلال المدن الرئيسية فى أفغانستان .. مثل كابول، وهيرات، وقندهار، وجلال أباد، ومزار شريف، وفرض حكومة موالية للولايات المتحدة من عملائها فى أفغانستان والمعارضة الأفغانية، وقد تكون هذه الحكومة من عناصر الحكم الملكي القديم، أو من تحالف يضم كل هؤلاء ويحظى بدعم وتأييد الدول المجاورة لاسيما باكستان ودول آسيا الوسطى ولا تعارضها إيران والصين، وإن كان ذلك صعباً بالنظر لتعارض الأهداف والمصالح بين الولايات المتحدة من جهة وإيران والصين من جهة أخرى.. وستكون مثل هذه العملية بداية الاستنزاف الحقيقي للقوات الأمريكية، وتورطها فى المستنقع الأفغاني، وتكراراً للتجارب البريطانية والسوفيتية المشار إليها آنفاً، حيث سيصعب على الولايات المتحدة الانسحاب بعد ذلك دون خسائر جسمية.

أما إذا استهدفت القوات الأمريكية القبض على بن لادن وقيادة طالبان، فسيكون ذلك بواسطة عمليات خاصة، وفى ضوء معلومات يقينية عن أوضاعهم، وهو ما يتطلب اختراق الدائرة الداخلية لكل منهما، وسيكون ذلك أمراً صعباً للغاية، ناهيك عن تعرض القائمين بهذه العمليات لمخاطر عديدة.

ويوجد اعتبار هام سيحكم الزمن المخصص للعمليات العسكرية الأمريكية، وهو أن الوقت المتاح لها حتى شهر رمضان المبارك أقل من شهرين، ولن تستطيع واشنطن خلال تلك الفترة أن تحقق كل هذه الأهداف إذا ما قررت وقف الحرب خلال شهر رمضان احتراما لمشاعر المسلمين.. أما إذا استبعدت ذلك ومضت فى عملياتها، فسيواجهها تحدٍّ آخر هو (الجنرال شتاء) الذي سبق له أن هزم كلا من نابليون وهتلر فى روسيا.. حيث ستتعرض القوات الأمريكية لمصاعب القتال فى مناطق جبلية تغطيها الثلوج ويسودها الزمهرير، وما سيترتب على ذلك من مشاكل مادية ونفسية سيتعرض لها الجنود الأمريكيين لن تكون أقل من تلك التي سبق أن تعرض لها سابقوهم فى فيتنام، وهو ما سيساهم فى مضاعفة خسائرهم.

هذا بالإضافة لوجود مخاوف على الصعيد الإنساني نتيجة تدفق مئات الآلاف من اللاجئين الأفغان على كل من باكستان وإيران وطاجاكستان وأوزباكستان، وصعوبة إيجاد مأوى لهم فى هذه الدول، إلى جانب صعوبة الإمداد بالمواد الغذائية والطبية خاصة مع حلول فصل الشتاء تحت ظروف القتال، والتخوف من وقوع مجاعة وتفشي الأمراض بين السكان، مما قد يثير الرأي العام العالمي ضد الولايات المتحدة بسبب ما قد يحدث من كارثة إنسانية حذرت منها مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

النتائج المحتملة

إذا كانت القيادة الأمريكية ستضع نصب أعينها عدم توريط قواتها فى عمليات قتال برية لفترات طويلة تجنباً للخسائر البشرية، فإن قيادة طالبان وتنظيم القاعدة على العكس من ذلك سيسعيان إلى جذب وتوريط القوات الأمريكية فى عمليات قتال برية لفترات طويلة، وفى أكثر من موقع داخل أفغانستان فى وقت واحد تشتيتاً للجهود الأمريكية، مع التوسع فى أعمال الكمائن والخداع بهدف إيقاع أكبر خسائر بشرية فيها ، مع تعمد الإعلان عنها عالمياً فى شكل تصوير القتلى والأسرى الأمريكيين، وبما يحدث تأثيراً سلبياً فى الرأي العام الأمريكي، ويدفعه للضغط على حكومته لسرعة الانسحاب من باكستان تلافيا لمزيد من الخسائر، وهذا هو الجانب الإعلامي المهم من وجهة نظر طالبان.. وربما على عكس كل الاستراتيجيات الدفاعية المعروفة، والتي تستهدف منع العدو من اختراق الحدود والدفاعات وصده قبل أن يتوغل داخل الأراضي والمدن، فإن طالبان والقاعدة سيعملان على جذب القوات الأمريكية إلى داخل المناطق الجبلية الصعبة والمدن والقرى الأفغانية لاستنزافها وإرهاقها فى حرب طويلة مضنية.

طائرة حربية أميركية تقلع من قاعدة ميلدينهول سوفولك البريطانية ضمن إطار الإجراءات الأمنية التي أقرتها واشنطن لحماية مصالحها في الخارج
أما إذا استقرت الأمور لصالح الولايات المتحدة فى أفغانستان نتيجة لنجاح عمليات (الاستئصال) التي ستقوم بها القوات الخاصة الأمريكية ضد طالبان والقاعدة، خاصة مع النجاح فى قتل وأسر قياداتهما، وأمكن لواشنطن أن تقيم نظاماً حاكماً فى أفغانستان مواليا لها من العناصر الأفغانية التي ستجندها لصالحها، وأمكن لهذا النظام الأفغاني الجديد أن يشكل حكومة تفرض نفسها بهياكل أمنية وإدارية فى المدن الأفغانية الرئيسية، فإن الولايات المتحدة ستكون مطالبة حينئذ بدعم هذا النظام، وهو ما يتطلب من وجهة النظر الأمريكية إيقاف أعمال القتال حتى يتحقق الاستقرار المطلوب، ودعوة اللاجئين إلى العودة لمدنهم وقراهم، إلى جانب وضع برنامج سريع للتنمية الاقتصادية والاجتماعية فى أفغانستان لإشعار الأفغان بوجود تغيير إيجابي فى حياتهم يُنسب الفضل فيه إلى واشنطن، ويشجعهم على تأييد الحضور العسكري الأمريكي فى أفغانستان.. وهو ما سيتطلب استثمار عدة مليارات من الدولارات فى مشاريع تنموية ذات عائد سريع.. ويمكن أن تستغرق هذه المرحلة حوالي سنة كاملة بعد وقف إطلاق النار.. إلا أن الولايات المتحدة ستكون مطالبة فى ذات الوقت بتوفير الحماية العسكرية للنظام الحاكم الموالى لها، وهو ما سيفرض ضرورة وجود عسكري أمريكي شبه دائم فى أفغانستان، وإن كان ليس بالحجم القائم حاليا لدواعي الحرب.

ولكن هل يمكن أن تقبل القوى الداخلية فى أفغانستان والقوى الخارجية المناوئة للولايات المتحدة أن تستقر الأمور فى أفغانستان لصالح أمريكا؟ ففي ضوء التجربة السوفيتية السابقة، وبالنظر للأهداف الروسية والصينية المشتركة الرافضة لوجود عسكري أمريكي فى أفغانستان قريب من الأراضي الروسية والصينية، فإن موسكو وبكين لن تقبلا أن تستقر الأوضاع لصالح الولايات المتحدة فى أفغانستان على هذا النحو، لذلك سيسعيان فى إطار ما بينهما من شراكة إستراتيجية إلى تحريك القبائل الأفغانية ضد الحكومة الموالية لواشنطن فى كابول ، ومن المتوقع أن تشارك إيران فى هذا التحرك الروسي الصيني بالنظر لتلاقى مصالح طهران معهما ، خاصة وأنه بالوجود العسكري الأمريكي فى أفغانستان تصبح إيران محاصرة بالولايات المتحدة من الغرب بقواتها فى الخليج ومن الشرق بقواتها فى أفغانستان .

ولن تجد روسيا صعوبة فى تحريك قبائل الطاجيك والأوزبك الأفغانية القريبة من الحدود مع بلدان آسيا الوسطى ، والتي تشكل 25% من الشعب الأفغاني . نفس الوضع بالنسبة لإيران التي ستعمل بدورها على تحريك قبائل ( الهزارة ) و ( الايماك ) الشيعييه ضد النظام الحاكم فى أفغانستان .


ستعمل الصين بدورها على استقطاب قبائل البشتون المتواجدة فى شرق وجنوب أفغانستان، وتشكل الأغلبية بنسبة 60%، بالإضافة لامتداداتها في باكستان من أجل شن حرب طويلة ضد الوجود الأمريكي في أفغانستان والحكومة العميلة لواشنطن
أما الصين والتي لها حدود ضيقة مع أفغانستان تبلغ 97كم فى الشمال الشرقي، فإنها ستعمل بدورها على استقطاب قبائل البشتون المتواجدة فى شرق وجنوب أفغانستان ، وتشكل الأغلبية بنسبة 60% ، بالإضافة لامتداداتها في باكستان من أجل شن حرب طويلة ضد الوجود الأمريكي في أفغانستان والحكومة العميلة لواشنطن. ومن ثم فإنه من المتوقع بعد عام واحد من إيقاف الحرب في أفغانستان ، وفي ضوء التجربة السوفيتية السابقة ، أن يتشكل من القبائل الأفغانية مرة أخري تحالف مناهض للولايات المتحدة والحكومة الموالية لها، تغذيه وتدعمه كل من الصين وروسيا وإيران، يستهدف توريط الولايات المتحدة في المستنقع الأفغاني، وتكبيدها خسائر جسيمة تجبرها علي الانسحاب من أفغانستان، وتلهي واشنطن عن الاهتمام بمناطق ملتهبة أخري في العالم ، ستجد الصين وروسيا وإيران فرصة لتحقيق أهدافهم فيها .. مثل تايوان بالنسبة للصين، والقوقاز بالنسبة لروسيا، ومنطقة الخليج بالنسبة لإيران، حيث سيتركز الاهتمام الأمريكي فقط في الخروج من المستنقع الأفغاني قبل أن يتحول إلي فيتنام أخري بالنسبة لها.

أما إذا لجأت الولايات المتحدة إلي استخدام أسلحة دمار شامل – نووية أو كيميائية ضد العناصر الأفغانية المعارضة للتواجد الأمريكي في أفغانستان والحكومة الموالية لها ، وذلك لحسم الموقف لصالح واشنطن بسرعة، ومنعا للتورط في حرب استنزاف، فإن ذلك سيكون مدعاة لاستخدام طالبان والقاعدة ما لديهم من أسلحة دمار شامل كيميائية وغير كيميائية ضد القوات الأمريكية في أفغانستان، بل وضد بعض الأهداف الاستراتيجية الأمريكية ذات القيمة الحيوية، سواء خارج الولايات المتحدة أو داخلها، علي نحو ما وقع في 11 سبتمبر الماضي في واشنطن ونيويورك . وقد يتصاعد التهديد الأمريكي ليشمل الدول التي تقف وراء المعارضة الأفغانية – روسيا والصين وإيران – وهو ما يعني في هذه الحالة احتمال التحول إلي حرب عالمية ثالثة .
________

* لواء ركن متقاعد

المصدر : غير معروف