بقلم/ عدنان إبراهيم

بغض النظر عن البيانات العسكرية الصادرة عن أطراف حرب الخليج الثالثة والتي تعتبر أحد أساليب الحرب النفسية، فإن التقييم العسكري يعتمد إلى حد كبير على النتائج الميدانية النهائية للحرب.

وفي الإطار ذاته يتحدد معيار النصر والحسم بالنسبة للمهاجم باحتلال الأرض والتشبث بها، أما بالنسبة للمدافع فكيفية منع عدوه من تحقيق أهدافه والحيلولة دون تمكنه من التمسك بالأرض المحتلة، ولذلك فإن أعمال القتل والتدمير لا تحسم الحرب، وكذلك الأمر بما يتعلق بالتفوق الجوي والتكنولوجي إذا لم يترافق باحتلال فعلي والتمسك بالأرض المحتلة.

ومهما كان الخلل الحاصل في ميزان القوى والوسائط والأسلحة المستخدمة بين الأطراف المتحاربة فإن العبرة لا تكون بنوعية السلاح وإنما باليد التي تستخدم السلاح.

وهكذا يمكن الاستنتاج بأن العامل الأهم في كسب الحرب يكون إلى جانب الطرف الذي تتوفر لديه إرادة القتال، وهو العامل الذي يتميز به الطرف الذي يعتقد أنه يقاتل من أجل قضية عادلة، في حين تتلاشى إرادة القتال لدى الطرف الذي يشك في عدالة القضية التي يقاتل من أجلها.

عواصف رملية عاتية تعصف بخيام القوات الأميركية البريطانية الغازية في جنوبي العراق.
وكمبدأ عام متعارف عليه فإن المدافع عن أرضه وبلده ونفسه ووجوده يقاتل من أجل قضية عادلة، أما الذي يشن عليه الحرب يقاتل في سبيل قضية غير عادلة يطلق عليها في الاصطلاحات المعاصرة تعبير "الحرب القذرة" أو "الحرب العدوانية".

يضاف إلى ذلك عامل هام آخر يتمثل في إدارة الحرب على المستوى الإستراتيجي مع وجود هامش معين للأخطاء على المستوى التكتيكي أي المستوى المتعلق بخوض المعارك في إطار الحرب الشاملة. ويمكن وضع معادلة لهذا المفهوم على الشكل التالي: (إستراتيجية + تكتيك يرافقه إخفاقات نسبية = نصر) و(إستراتيجية فاشلة + تكتيك ناجح = هزيمة).

وبالطبع فإن النجاح في الإستراتيجية وموضوعها يتعلق بالحرب الشاملة وإدارتها يعزز ثقة الجنود بقياداتهم، وعلى العكس من ذلك فإن الفشل في إدارة الحرب يؤدي إلى زعزعة ثقة الجنود بقياداتهم.

وتحتاج هذه المعادلة لتصبح متكاملة إلى معادلة أخرى متممة تتعلق بالصفات الشخصية التي يتحلى بها من يتصدى لإدارة الحرب وهي على الشكل التالي: (قائد شجاع + جنود جبناء = نصر) و(قائد جبان + جنود شجعان = هزيمة)، ذلك لأن الجنود الشجعان دون قيادة تتميز بالكفاءة والشجاعة يكونون معرضين لإرباكات وتخبطات متعددة ومتوالية تؤدي إلى إخفاقهم في تحقيق هدفهم، ومن المؤكد أن وجود القائد الشجاع مع الجنود الشجعان يعزز من إمكانية حسم المعركة لصالحهم، فإذا أضيف إلى المعادلة الثانية وجود جنود جبناء فإن الإخفاق يصبح مرجحا كنتيجة للحرب. وكعوامل مساعدة ورئيسية في حسم الحرب يدخل تطبيق مبادئ الحرب الأخرى ومن ضمنها عامل المفاجأة.

فإذا ما تم تطبيق ما تقدم على الحرب العدوانية التي تشن على العراق يمكن ملاحظة النقاط الهامة التالية:

أولا: هناك تفوق جوي وتسليحي واضح للقوات الأنغلوأميركية يقابلها تفوق القوى البشرية العراقية.

ثانيا: إرادة القتال تميل بشكل حاسم لصالح العراق حتى الآن على الأقل، ومن المتوقع أن يعزز القصف الصاروخي والجوي لأهداف مدنية من إرادة القتال العراقية ويزيد من النقمة الشعبية على القوات الأنغلوأميركية.

ثالثا: تدور المعارك على أرض معروفة جدا بالنسبة للقوات العراقية النظامية وشبه النظامية، وهي (أي الأرض) مجهولة نسبيا للقوات الأنغلوأميركية.

رابعا: إدارة الحرب على الجانب العراقي إدارة متماسكة، ومن الواضح أنها شجاعة أيضا، يقابلها تخبط واضح وإرباكات في إدارة الحرب على الجانب الأنغلوأميركي، وهذه ظاهرة باتت واضحة في الساعات والأيام الأولى للحرب.

خامسا: من سير المعارك يبدو ظاهرا للعيان أن عامل المفاجأة كان لمصلحة العراق، فهو الذي حدد مكان الحرب وأسلوبها ويعتقد أنه هو الذي حدد زمانها أيضا عن طريق تسريب معلومات عن تحركات القيادة مما أدى إلى قيام القوات الأميركية بتوجيه ضربات لأهداف وهمية، ويدخل ضمن هذا العامل المعلومات الخاطئة التي وصلت إلى أميركا عن تمرد قطاعات من الجيش والشرائح الاجتماعية في العراق عند اندلاع الحرب. ومن غير المستبعد أن تكون القيادة العراقية قد سربت هذه المعلومات المضللة إلى أميركا وبناء عليها وعلى غيرها من المعلومات التي تدخل في تقدير الموقف العسكري اتخذت القيادة الأميركية قرارها بشن الحرب.

سادسا: يمكن أن يطلق على الإستراتيجية الأنغلوأميركية اسم إستراتيجية "الرعب والصدمة" كما أطلق عليها الأميركيون أنفسهم، في حين يمكن إطلاق تعبير "الرد المرن والمتدرج" على الإستراتيجية العراقية.

خبرات التاريخ الحربي
وتنبغي هنا الإشارة إلى التاريخ الحربي المنظور للقوات العراقية عبر خوضها حرب الخليج الأولى مع إيران والتي استمرت ثماني سنوات، وإلى حرب الخليج الثانية مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية مما يساعد على فهم الإستراتيجية الناجحة -حتى الآن- لإدارة الحرب على الجانب العراقي.

فقد استخدمت إدارة الحرب العراقية أسلوب جر القوات الإيرانية وسحبها بكثافة إلى "خلجان نارية" أو "مناطق قتل" ضمن الخطوط العراقية وفي عمق محدد مسبقا، ثم التعامل مع الخرق الجزئي الإيراني بكافة الأسلحة والوسائط المتوفرة وتدميره. وهذا الأسلوب اتبع بشكل أعمق في حرب الخليج الثانية، وقد أدى وقوع فرق المدرعات الأميركية عام 1991 على مشارف البصرة في "منطقة قتل" إستراتيجية إلى إرغام الرئيس الأميركي الأسبق "جورج بوش الأب" على وقف الحرب من جانب واحد بعد أن أعلن قبل ساعات فقط بأن قواته لن تتوقف حتى بغداد لإسقاط النظام فيها.

ومن المؤكد أن القيادة العسكرية الأميركية قد درست بعمق الأساليب القتالية العراقية السابقة آخذة بعين الاعتبار الحيلولة دون زج قواتها في مناطق القتل العراقية المعدة مسبقا. لكن المؤكد بشكل أكبر أن العراق قد طور تلك الأساليب في الجبهة والعمق مظهرا تفوقا واضحا في العقلية العسكرية وأساليب خوض القتال وإدارة الحرب.

عراقيون يهزجون فرحين أمام طائرة أباتشي الأميركية التي أسقطها الفلاح العراقي منقاش ببندقيته القديمة
مظاهر تطوير أساليب القتال العراقية
واستفاد العراق من حرب الخليج الثانية وخاصة بما يتعلق باستمرار سيطرة القيادة على القوات النظامية واضعا في الاعتبار خوض الحرب ضمن أسوأ الظروف القتالية وأصعبها بما في ذلك احتمالات تدمير البنية التحتية العسكرية والمدنية وفي ظروف انقطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية آخذا بحسبانه خوض القتال لمدة طويلة دون اللجوء إلى إمداد وتموين قواته بمختلف مستلزمات القتال والحياة اليومية بل تعدى ذلك إلى تأمين المدنيين بالأغذية الناشفة لمدة أشهر وحفر الآبار في البيوت.

ومن خلال إستراتيجية "الرد المرن المتدرج" سمح العراق للقوات الأنغلوأميركية بالتوغل داخل الأراضي العراقية على الطرق المحاذية للصحراء بعمق يتجاوز 300 كلم. وقد ظهر فيما بعد أن القوات الأميركية استدرجت إلى هذا الأسلوب من القتال الذي برع العراقيون فيه وأظهروا تفوقا بخوضه في حروبهم السابقة مما أجبر القوات الأميركية على خوض الصراع البري بشروط غير ملائمة وحرجة، ويتجلى ذلك في طول طريق الإمداد المفرط من الحدود الكويتية حتى مشارف النجف وكربلاء، الأمر الذي ساعد بإيجاد الظروف الملائمة للقوات العراقية شبه النظامية لشن هجمات ناجحة على مؤخرة القوات الأميركية، وهو ما أدى إلى قطع طرق الإمداد عنها في كثير من الحالات أو جعل عملية الإمداد والإخلاء تمر بظروف صعبة محفوفة بالمخاطر، هذا إذا استثنينا الظروف اللوجستية المعقدة للقوات الأميركية والتي تمر بسلسلة من المحطات والدول قبل أن تصل إلى الأراضي العراقية.

ومن المعروف أن السيطرة على طرق الإمداد والإخلاء واستمرارها يشكل شريان الحياة بالنسبة لأي قوات عسكرية، وفقدانها كليا أو جزئيا يعرض الموقف العسكري لزعزعة حقيقية ويمنع القوات من تحقيق أهدافها بما يفسح المجال لإيجاد الظروف المناسبة لشن هجمات مضادة مستمرة أو متقطعة على جسم القوات الرئيسية.

إن هذا الأسلوب القتالي العراقي الذي يبدو حتى الآن أنه ناجح جدا إلى درجة كبيرة يؤدي بشكل شبه مؤكد إلى الحفاظ على "التماس المباشر" مع القوات المهاجمة وذلك بمنعها من استخدام أسلحة غير تقليدية في حربها لأن تأثير تلك الأسلحة سيمتد إلى القوات التي تستخدمها. وتعتبر العوامل الجوية عوامل مساعدة على زيادة تأثير الأسلحة غير التقليدية في جميع القوات المهاجمة والمدافعة على حد سواء.

ومن الواضح حتى الآن أن الأسلوب القتالي العراقي أدى مرحليا إلى بعثرة القوات الأنغلوأميركية على جبهة واسعة مما أضعف المجهود الحربي لهذه القوات وأصبحت في وضع قتالي يعتريه الكثير من الصعوبات على الأرض، فهي غير قادرة مرحليا على تطوير الهجوم نحو العاصمة، وغير قادرة على الانكفاء نحو الحدود الدولية لاعتبارات عسكرية ونفسية وسياسية مما يعني أن إدارة الحرب الأميركية ستلجأ إلى استمرار توجيه الضربات الجوية والصاروخية على التجمعات السكانية المدنية والبنى التحتية العراقية وذلك في محاولة لتلافي تعريض قواتها المبعثرة إلى حد ما لهجمات القوات العراقية المستمرة، خاصة وأن القوات الأميركية لم تدخل حتى الآن في مواجهة كبيرة مع القوات النظامية الرئيسية وخاصة قوات الحرس الجمهوري وذلك في إطار إستراتيجية "الرد المرن والمتدرج" التي فرضتها إدارة الحرب العراقية، وهذا يعزز مظاهر نجاح هذه الإدارة التي ما زالت تحتفظ بالاحتياط الأقوى والأهم من القوات.

وفي هذه الشروط القتالية الصعبة من المحتمل أن تلجأ القوات الأميركية إلى الدفاع عن موطئ قدم لها في جنوب العراق وتحتشد تدريجيا في مناطق كردستان العراق حيث تعمل مع المليشيات الكردية المتعاونة معها بعد أن وجهت ضربات جوية وصاروخية للمنظمات الكردية التي كان من المحتمل أن تعارض الوجود الأميركي شمال العراق، وسيكون الهدف الأساسي لتعديل الخطط الأميركية في الجنوب محاولة حماية خطوط الإمداد والإخلاء بالإضافة إلى تدعيم مناطق وقواعد الانطلاق في الكويت والخليج العربي بشكل شبه دائم.

وقد بدأت إدارة الحرب الأميركية بزج المزيد من قواتها في الحرب بما يعيد إلى الأذهان الحرب الفيتنامية وتداعياتها. ولا يستبعد في مرحلة لاحقة أن تنسحب القوات البريطانية المشاركة في الحرب تحت ضغط المطالب الشعبية المعارضة التي تتزايد يوما بعد يوم مع ازدياد الخسائر والإخفاقات في مسرح العمليات الحربية.

معادلات دولية جديدة
ولئن اقتصر التحليل والعرض السابق على الموقف العسكري من الناحية الفنية وتجنب الدخول في تحليل المواقف السياسية والاقتصادية والنفسية، فإن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى أن تزايد المعارضة الشعبية والرسمية على امتداد العالم للحرب الأنغلوأميركية سيعزز من الموقف العسكري العراقي فاتحا المجال أمام استقطاب دولي جديد يعيد للعلاقات الدولية توازنها.

وكما كانت حرب الخليج الثانية ترسيخا للنظام العالمي الجديد بقطبه الأوحد فربما تكون حرب الخليج الثالثة مؤذنة بانتهاء نظام القطب الواحد مع ما فيه من معايير مزدوجة وغطرسة واستبداد، وذلك يتعلق إلى حد كبير بمدى صمود العراق أمام العدوان مما يشجع بعض الدول التي كانت تصنف على أنها دول كبرى إلى استعادة مواقعها من جديد.
______________
محلل عسكري

المصدر : الجزيرة