بقلم/ مهنا الحبيل

في السنوات السبع الماضية أحدثت قناة الجزيرة في قطر انقلابا ضخما في حياة الشعوب العربية وكانت منعطفا تاريخيا في علاقة الوطن العربي والأمة الإسلامية بل الشرق المحتقر لدى الغرب بحضارته الاستعلائية التي كان يفاخر بها منذ الحرب العالمية الثانية، مع الإقرار بوجود نهضة حضارية عمرانيا وفكريا لدى الغرب. لكن الاختبار الأكبر كان في قناعته السماح للآخرين بالاستفادة من القيم والوسائل الفكرية والمادية التي هي في الأصل مشاعة بين الأمم، كما أنها نتاج عدد من الحضارات.


أصبحت الشعوب تلتقي وتتحاور، والتقى الإسلاميون والقوميون والعلمانيون في الكونغرس الفضائي كل يقول لصاحبه أسمعني من أنت لا ما يقوله الناس عنك، وعلى هذا نتفق أو نختلف
وفي كتابه الأخير "الفردوس والقوة" سجل روبرت كيغن بوضوح، وباعتراف صريح هذه المرة وبعيد عن النفاق السياسي للغرب، بأن الفردوس للأمة الغربية والقوة هي لغة التعامل مع الآخر بل وعلى أوروبا أن تعي ذلك حتى لا تزعج الحضاريين المتوحشين باعتراضاتها التي إن جاءت فهي على حياء.

لقد كان الإنسان العربي أسيرا للجغرافيا المحلية التي تكذب وتزور دون أي تردد، وعلى هذا الإنسان المسحوق الاستماع فحسب. وربما أدق ما يعبر عن هذا المعنى لوحة ضخمة نصبت في مدخل أحد المدن في الوطن العربي الكبير كتب عليها "أخي المواطن لا تفكر فنحن نفكر عنك"، هكذا يرمز هذا المعنى وبنسخ مكررة في وطننا العربي عن لغة التفاهم مع الشعوب قبل ظاهرة الجزيرة.

لقد تغير المعنى والمبنى بعد الانقلاب الفضائي عند الساسة العرب، ليس لأنهم اكتشفوا أن شعوبهم تعي وتفهم وتقرر كيف تعطي ولاءها، بل لأنهم لم يعد باستطاعتهم فرض الوصاية على هذه الشعوب لأن التقدم العلمي لم يخترع لهم لاقطا يحاصر موجات البث فيسحقها قبل أن تصل لشعوبهم المسكينة، فقرروا أن يسايروا هذا الحدث الإعلامي واللغة الواعية بالقدر الذي يجعلهم يسيطرون على مصالحهم ومقاعدهم قدر الإمكان.

بعثت هذه القناة مشاعر الوجدان الإنساني والحق الفطري في تفكير الناس التي فطر الله الناس عليها، وأصبحت أحاديث الحرية والحقوق والكرامة متاحة، وفهم أن الحكم عقد شراكة لا عقد تملك كما كان النظام الرسمي العربي يصوره في ذهن الشعوب ونظمها المزيفة بما في ذلك الديمقراطية المقننة لمصلحة النظام قبل أن تصل إلى الشعب.

وسقطت تلك الحجج عبر مئات الحلقات التي عرضت الفكر كما صدر من أصوله لا كما يصوره الحاكم، وطفق الناس أمام هذه الشاشة يبحثون عن هويتهم الذاتية، ووجدوا الإسلام غير الذي حدثهم المزوّرون عنه، ووجدوا العروبة قصة أخرى غير مذابح الثوار في خطاب الهجوم على الغرب أو في لغة الاستسلام المهين لثوار الأمس.

أصبحت الشعوب تلتقي وتتحاور، والتقى الإسلاميون والقوميون والعلمانيون في الكونغرس الفضائي كل يقول لصاحبه أسمعني من أنت لا ما يقوله الناس عنك وعلى هذا نتفق أو نختلف.


رغم الاستفزازات المتكررة للقناة التي تخرق الثوابت أحيانا عبر ضيوفها والإثقال على المشاهد العربي بوجبة ملزمة يومية للإدارة الأميركية فإن المشاهد العربي عاش مع الجزيرة وجدانيا لكن بلغة العقل
تنفس الناس رغم أن المصداقية كانت نسبية، والشعوب العربية واعية لم تصدق أن هذا الأمر جاء بناء على تقدم أو إبداع ذاتي للدولة المضيفة، لكنهم احترموا اللعبة وثمنوا المشروع ونجاحه لأصحابه وأرادوا أن يستفيدوا منه كما استفاد الآخرون.

ورغم الاستفزازات المتكررة للقناة التي تخرق الثوابت أحيانا عبر ضيوفها والإثقال على المشاهد العربي بوجبة ملزمة يومية للإدارة الأميركية وملحقها في إسرائيل، فإن المشاهد العربي عاش مع الجزيرة بل وتجاوز هيئتها الإدارية فعاش معها وجدانيا لكن بلغة العقل. فاحترم هؤلاء المهنيين الذين حرصوا على تقديم الحقيقة وإن لم تصف تماما، وعاش مع المراسلين، انهالت دموعه حين بكى مراسل الجزيرة ياسر أبو هلالة رفيقه الشهيد طارق أيوب في العراق، وأحس بما يعانيه مراسل الجزيرة في أفغانستان تيسير علوني في سجنه، وبات مراسلو فلسطين وكأنهم جزء من عائلة العربي الشخصية في كل مكان، وثمن لأمثالهم في مواقع أخرى تضحيتهم مقابل أن تصل الحقيقة للمشاهد.

واحترم المشاهد هذه الموسوعة الضخمة من المعارف والحقائق التي يقدمها المذيع أحمد منصور وسامي حداد ومعارك فيصل القاسم وإن بدت بعيدة عن اللغة الهادئة لوصول المعلومة، إلا أن فيصل كان ثورة في بيان القصور السياسي الضخم الذي تعيشه الأمة وإن خالفته، وآخرون.

ومع لغة الأدب الراقي وفلسفة الحكمة الشرقية كان أسعد طه يداعب القلب ويسقي العقل ولكن بلحن الحقيقة. ومن الصعب أن أعدد هذه البرامج الرائعة ومقدميها وإن كان ذلك من حقهم في مقابل أرتال من البرامج الموجهة ضدهم في كل الوطن العربي، لكنني أعتقد أن الحقيقة والحقيقة فحسب كانت سبب المخزون الفكري والوعي المعرفي الذي قدمته القناة في السنوات الماضية، فأحدثت ثورة في عقل الإنسان العربي وضميره وإن اختلفت واختلف معي آخرون حول بعض المواد أو الآراء.

أمام هذه الثورة الإعلامية الحقيقية التي قدمتها قناة الجزيرة في سنواتها الماضية كشفت تلقائيا ضخامة التضليل الذي أنشأته مشاريع الإعلام الغربي بلسان عربي، وهو الحاجز الآخر الذي كان يحاصر الشعوب العربية في أسرها الإعلامي.

فقد تبين للمواطن العربي أن تلك الإذاعات المنطلقة من جغرافيا المستعمر وإن اتخذت جزءا من الحقيقة والحيادية التي تميزها عن الجغرافيا المحلية للوطن العربي الكبير فإنها كانت معبأة بالإضافات والحذف مع كم ضخم من التحليل غير النزيه مطلقا، فتكون الوجبة مطابقة لما تريده الدكتاتورية الغربية لاستمرار الوصاية على هذا العربي المسكين حتى لا يزعجها فيكتشف أن قيم الديمقراطية الحقيقية تمنحه الحق في أن يدير قوته وثروته وفق مصالحه لا مصالح الأجنبي.

وهذه هي المساحة المحرمة التي سعى الغرب ويسعى عبر لسانه العربي الموجه لنا كي لا نصل لها عبر قدراتنا الذاتية ووفق مبادئنا الخالدة.


هل بدأت شخصية قناة الجزيرة بالانهيار؟ لا أستطيع الجزم بذلك، لكن انهيار الحياد يعني انهيار هذا المشروع الضخم الذي ارتبط بسمو الأمير لأن النسخ المحسنة بالمعيار الدولي المنحاز كثيرة ولم تصمد أمام ثقة المشاهد العربي
ومع الإنجاز الضخم للشقيقة الصغرى لقناة الجزيرة "الجزيرة نت" بدخولها بقوة ساحة الوعي الإعلامي والمعرفي باللغة الإنجليزية بعد أن حقق موقعها العربي نجاحا منقطع النظير بتحوله إلى مصدر أساسي للمعلومة عند الرواد العرب في شبكة الإنترنت بات الموقع الإنجليزي يشكل حقيقة لا وهما موسميا، وحلقة متقدمة في التنافس الحضاري حين ينجح الشرق ليس في تأمين مصدر معلومات حيادي إلى حد كبير لجمهوره بل ولشعوب العالم الغربي الذي اتضح مقدار التضليل الذي مورس عليه في حرب العراق الأخيرة رغم الحصار الذي تفرضه القيم الغربية المقننة على عالم الشرق المضطهد. فاستيقظ الكاهن الأكبر مرة أخرى وبدل سياسته وضغوطه لقمع الرأي وتوجيه الإعلام عبر التدخل المباشر هذه المرة.

إن الأجواء التي تعصف بالمنطقة بعد احتلال العراق والمستثمر الدولي لها باتت تضيق بهذه المساحة الحرة وإن أعطي له نصيب جزل منها إلا أنه يركله بأقدامه كي يستيقظ الشرقيون على أن أكذوبة التنافس الديمقراطي الحر وسباق الإنجاز الحضاري وهم وخديعة كانت تستخدم في أجواء الحرب الباردة أما الآن فقد قضي الأمر.

وأصبح المشاهد العربي بذكائه ووعيه يدرك انحسار الحياد في الفضاء العربي والجزيرة خاصة، وربما كان زجر عضو مجلس الحكم الانتقالي للزميل ياسر أبو النصر على الهواء مباشرة معتمدا على عصا واشنطن كان رمزا لما هو أكبر أدركناه في بدء تحول القناة عن نقل ولو بعض الحقيقة المعبرة عن الأصل لا النسخة المزورة للمشهد.

هل بدأت شخصية قناة الجزيرة بالانهيار؟ لا أستطيع الجزم بذلك، لكن انهيار الحياد يعني انهيار هذا المشروع الضخم الذي ارتبط بسمو الأمير القطري لأن النسخ المحسنة بالمعيار الدولي المنحاز كثيرة ولم تصمد أمام ثقة المشاهد العربي.

وأعتقد بأن تصريح سعادة وزير الخارجية القطري وصراحته في أن مجلس الإدارة كلف بإعادة تقييم الوضع بعد الضغوط الدولية لا يمكن أن يدعو للتفاؤل لأن الطرف القوي في المعادلة يرى أن التطور يجب أن يتوجه للبيت الأبيض لا للوطن العربي وإن كان ذلك على حساب الحقيقة بل وقتلها.
ــــــــــــــــــ
* كاتب سعودي

المصدر : غير معروف