بقلم/ معتز الخطيب

- محددات التغيير في الخطاب السياسي
- طبيعة التغيير.. وانكشاف وعي السياسي
- السياسي.. والإمساك بالمعرفي
- سوءات تسييس المعرفي

الإشكالات التي أحاطت بهجمات التغيير الأميركية يمكن أن تسري أيضا على قضية تغيير "المناهج الدينية"، وذلك لأسباب متعددة، منها أن زاوية المقاربة واحدة لم تزل، وتحت مسماها يدور كل هذا الذي يحدث منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وحتى الآن، ومنها أن هذه الحرب الموسومة بصورة "حرب الأفكار" -بتعبير الإدارة الأميركية– ترفع الشعارات الفكرية في مواجهتنا، وتحتل المسألة الثقافية (بما فيها الدين والتعليم) مكانة مهمة فيها. ومنها مركزية الدين في صراع التغيير الأميركي في جدله وتداخله مع السياسي، بحجة أن الإرهاب المحارب هو "ديني/ إسلامي".

وهذا كله ولد جملة من الصراعات التي اتخذت عناوين متعددة وفي ساحات مختلفة، من الديني إلى السياسي والثقافي وغيرهما، والمثير هنا أن هذا يتم في ظل ظروف استثنائية منها تردي النظام العربي، وفي ظل جمود سياسي وانعدام حراك على المستويين الداخلي والخارجي، وفي مستوى الاستجابة لهذه التحديات التي نواجهها.

كان من اللافت اختلاف نوع الاستجابة السياسية لهذه التحديات، وعلى وجه التحديد لنقارن بين طريقة التعاطي مع مطلب "تغيير مناهج التعليم الديني" ومطلب الديمقراطية والإصلاح السياسي سنجد أن الفارق مختلف نوعيا، ربما لأن الأنظمة الحاكمة تعودت طاعة الإملاءات الأميركية في ما لا يمس بها وبامتيازاتها مباشرة، وربما اعتبرت التعليم ساحة لإدارة الصراع مع أميركا يمكن أن يخفف من حدة الضغط ويرفع منسوب الرضا.

ورغم نفي عدد من المسؤولين لوثة الاستجابة للضغوط الأميركية في تغيير المناهج فإن الممارسات العملية التي تمت في بعض دول الخليج والأردن مثلا تعكس هامشية حضور المسألة الثقافية في خطاب وممارسة تلك الأنظمة بقدر مركزيتها في خطاب الحرب الأميركي.

أحسب أن فض الاشتباك في العديد من الإشكالات والالتباسات التي أحاطت بموضوع المناهج يجب أن يبدأ من تحرير منطق المعالجة لهذه القضية، وكيف تم التعامل معها؟ فالتمييز بين دوافع التغيير لدى كل طرف من شأنه أن يوجه طبيعة هذا التغيير المراد وزاوية النظر ومحدداته.

محددات التغيير في الخطاب السياسي


شخصت الرؤية الأميركية مشكلة مناهجنا الدينية بكونها تحض على كراهية الغرب ونشر ثقافة العنف، وأن أي منهاج دراسي يسير في هذا الاتجاه يجب تغييره
فالرؤية الأميركية شخصت مشكلة مناهجنا الدينية بكونها "تحض على كراهية الغرب ونشر ثقافة العنف"، فـ"لا توجد فسحة من الآن فصاعدا للكراهية وعدم التسامح والتحريض، ونحن نحاول أن نعيش معا، وأي منهاج دراسي لا يسير في هذا الاتجاه يجب تغييره" على حد قول ألينا رومانسكي (مسؤولة ما سمي "برامج مبادرة الشراكة الأميركية- الشرق أوسطية").

بالمقابل كانت الاتفاقية التي وقعها وزراء الداخلية في الدول الأعضاء بمجلس التعاون الخليجي في ختام القمة الخليجية الرابعة والعشرين (22-12-2003) تدعو إلى "التعاون الأمني وتبادل المعلومات ودعم أجهزة الأمن وتجفيف منابع الإرهاب علاوة على تعديل مناهج دراسية".

وكان عبد الرحمن العطية (الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي) قد أوضح قبيل القمة الخليجية أنه ستطرح على القمة "مقترحات خاصة بإلغاء مادة من المقررات الدراسية ينظر إليها باعتبار أنها تحرض على كراهية الغرب"، ومن جانبه شدد الدكتور يعقوب حياتي عضو الهيئة العليا لمجلس التعاون الخليجي على "أهمية مراجعة المناهج التعليمية وتنقيتها مما يشوبها من أفكار إرهابية ومناهج متطرفة، لحقت بها جراء تمكن بعض الإسلاميين في الخليج من الوصول إلى مواقع وضع المناهج".

أما الحكومة الأردنية فقد أقرت إدخال تعديلات على مناهج التعليم من 90 صفحة تطاول مفاهيم لها علاقة بنبذ العنف تدخل ضمن خمس مساقات، هي اللغتان العربية والإنجليزية والتربية الوطنية والتربية الإسلامية والتاريخ. كما شرعت في توزيع وثيقة تحمل اسم "وثيقة السلام" على جميع المدارس الحكومية بالمملكة الأردنية تدعو فيها إلى نبذ العنف والتركيز على تدريس الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الداعية للسلام للطلبة بمختلف المراحل التعليمية.

يتضح من هذا تطابق الرؤيتين، بل خضوع الرؤية السياسية الرسمية للتشخيص الأميركي بالنظر في مناهج التعليم الدينية من زاوية توليد الإرهاب (فقط)، ودمج قضية تغيير المناهج بالمسألة "الأمنية"، التي يختص بها وزراء الداخلية، وأن طبيعة هذا التغيير هو حذف ما يرون أن له صلة بالإرهاب وتعليم التسامح.

فالتغيير لا يتعلق بالتطورات العلمية والتقنية كالحاسوب والفيزياء والرياضيات ولا حقوق الإنسان والحريات العامة، ومع هذا نجد التصريحات التمويهية تلح على نفي الربط بين التغيير والمطالب الأميركية، بل إن وكيل وزارة التربية الكويتي حمود السعدون صرح بأن تعديل المناهج يتم "لأغراض التطوير الأكاديمي وليس تحت وطأة أي ضغوط سياسية"!.

طبيعة التغيير .. وانكشاف وعي السياسي


تحول منطق معالجة قضية تغيير المناهج من المعرفي إلى السياسي التكتيكي لتتم إدارة الصراع مع الداخل والخارج من خلاله، والخاسر الوحيد فيه هو القضية نفسها التي يتم الاصطراع عليها
لكن الأهم هنا هو كيف يفهم الخطاب السياسي الرسمي موضوع تغيير المناهج؟ إن تأمل هذا الخطاب يعكس صورة مرمزة عن الوعي بالمناهج ومكانتها وكيفية التعاطي معها، سواء لجهة الرفض ومبرراته أم لجهة القبول وكيفية الاستجابة بهدف تثبيت وضعٍ ملائم ومريح لهذا النظام أو ذاك.

لنتأمل التصريحات السياسية في هذا المجال، فأي شيء يتعارض مع التسامح "يجب تغييره" (رومانسكي)، ومراجعة المناهج الدينية هي من أجل "تنقيتها مما يشوبها من أفكار إرهابية ومناهج متطرفة" (الكويت)، و"وثيقة السلام" الأردنية تدعو إلى "نبذ العنف والتركيز على تدريس الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الداعية للسلام"، و"حذف بعض الآيات والأحاديث النبوية"، و"ما نقدمه من آيات قرآنية وأحاديث وقطع أدبية وغيرها يجب ألا تؤدي بالنشء إلى أن يفكر تفكيرا متعصبا يؤدي إلى أخذ مبادرات عدوانية أو أن ينمي فيه كره الناس والشعوب والأديان.

هذه الجوانب إن كانت موجودة فيجب التخلص منها، وتشكيل لجان "إعادة كتابة الكتب المدرسية بهدف إزالة كل ما من شأنه أن يدعم الإرهاب أو التطرف" (وزير التربية الكويتي رشيد الحمد).

ومقابل ذلك يكون علينا "إدخال الكثير من المفاهيم، مثل التسامح واحترام الرأي الآخر وتقدير الشعوب والأديان" (وثيقة السلام الأردنية ووزير التربية الكويتي).
إن هذه التصريحات السياسية تكشف عن مدى سطحية وعي السياسي (الأميركي والمحلي على السواء)، فلو مضينا مع أن المناهج تنتج الإرهاب فعلا، (مع أن زعيمي تنظيم القاعدة والجهاد ليسا من خريجي المدارس الدينية) فإن تلك الخطابات تتعامل مع "الإرهاب" بمنطق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، بمعنى أنه محسوس ويمكن الإمساك به، و"إزالته" و"التخلص منه"، و"تنقية" الكتب في منطقة الشرق الأوسط منه!!.

هكذا يتم فهم تغيير المناهج بوصفه عملية "أمنية"، وإقرار هذا التغيير الأمني إنما يتم باتخاذ قرار سياسي فوقي خضوعا لمطالب السياسي الأميركي، مرتهنا للحدث السياسي (الحرب على الإرهاب). وهكذا يتم التصريح علنية بتوظيف (أيديولوجي– سياسي) للآيات والأحاديث لنشر ثقافة التسامح والسلام في سياق الصراع مع الآخر الحضاري والاستعمار الجديد.

السياسي .. والإمساك بالمعرفي!
إن "تغيير المناهج" عملية تنموية مطلوبة باستمرار، على اعتبار المعرفة متطورة ومتراكمة، وعملية التغيير تتناول المحتوى المعرفي وطرق التدريس وتقنياته ونظامه، لكن يتم تسميمها حين تكون محكومة لحدث سياسي عابر، وحين تختزل في المناهج الدينية فقط، ومن زاوية الإرهاب فقط!!. وحين تقوم بقرار سياسي، لا بناء على نتيجة بحثية للمؤسسة الثقافية ولأهداف معرفية.

هذا التشويه يتم حين يمسك السياسي بالمعرفي وفق توازنات السياسة ومصالحها، فيتم تصور أن ما يحذف من المناهج يتم شطبه كلية من ثقافة المجتمع، وكأن المدرسة والجامعة هي مصدر التلقي الوحيد للمعرفة والتشكيل الثقافي، بل كأن ما يضاف إلى المناهج يتم تَمثله في ثقافة المجتمع بقرار سياسي، فيعم الأمن والتسامح.

إن السياسة ما دخلت –في بلداننا على الأقل– في شيء إلا أفسدته، لأنها نتاج أزمة مفهوم الدولة عندنا، وتَعطل وظائفها، وفقدان شرعيتها، فهي بالمحصلة أداة لتحقيق رغبات أفراد أو فئة متنفذة لا تتورع عن سلوك أي سبيل يرعى مصالحها الذاتية ويحافظ على مكاسبها، وهنا –لا بد- أن تخضع لمنطق المساومات والمصالح، في ظل هذا يغدو بدهيا أن يتحول قرار تعديل المناهج إلى قرار سياسي بعد أن كان من اختصاص المؤسسات الثقافية فقط وبناء على أسس معرفية بحتة.

وإذا كان القرار السياسي بالأمس غير البعيد مرتهنا بتوظيفات أيديولوجية لمصلحة هذا النظام أو ذاك وانحيازا لأيديولوجيته الخاصة التابعة لـ"الحزب القائد"، فإنه الآن ارتهن لإرادة "القوة العظمى القائدة" حين تم النظر في المناهج وفق إرادتها.

سوءات تسييس المعرفي
بذلك يتم تحويل منطق معالجة القضية من المعرفي إلى السياسي التكتيكي لتتم إدارة الصراع مع الداخل والخارج من خلاله، والخاسر الوحيد فيه هو القضية نفسها التي يتم الاصطراع عليها، لأن التغيير نفسه يكتسب دلالات أخرى في هذا السياق، مشبعة بالسلبية، سواء لجهة السياسي أم لجهة فئة دون أخرى، فأي صراع لا بد فيه من رابح وخاسر.

فمثلا أي تغيير سيحمل دلالة على أنه عملية تآمرية أو استجابة ذليلة لمطالب خارجية، أو تحريف وعدوان على معتقد الأمة أو ما شابه، لذلك يقترب هنا الاعتراف بالخطأ من الجريمة لأنه يصب في مصلحة الخصم، فما بالك بمعالجة الخطأ نفسه؟!.


مع خضوع الداخل السياسي للخارج الأميركي تتحول قضية المناهج إلى طابع رمزي يستمد رمزيته من صميم أزمة الكرامة الإسلامية والعربية
ومع خضوع الداخل السياسي للخارج الأميركي تتحول قضية المناهج إلى طابع رمزي يستمد رمزيته من صميم أزمة الكرامة الإسلامية والعربية، ويتسع الرمز ليملأ ساحة الصراع على التغيير، حتى يتحول فعل مقاومة "التغيير" والثبات على الموجود إلى عمل بطولي مقدس، وهو ما نلحظ تجلياته لدى بعض الخطابات الدينية.

في ساحة صراع الرموز تتقلص مساحة التعقل ويعطل الرمز إدراك الأبعاد المعرفية، حتى يصبح التغيير –في ذاته- جريمة دينية ووطنية، حتى لو كانت هناك مشاكل حقيقية.

ففي الخطاب السعودي "تحذير من تغيير المنهاج"، "إن إحداث هذا التغيير يمثل اعترافا منا للعدو المتربص بأن مناهجنا تنتج الإرهاب..."، مع أن أخطاء المناهج السعودية -حسب دراسة- تؤذي علاقة المسلمين بعضهم ببعض أكثر من تحريضها على غير المسلمين، ما يعني أن هناك بعض المشكلات الجوهرية في تقرير المسائل الدينية والموقف من الآخر المسلم قبل الآخر الحضاري.

ومع رمزية الصراع التي تجعل من الموقف نفسيا لا معرفيا تتعملق فكرة الهوية المهددة من جراء هذا التغيير المطلوب، وتصبح مقاومته مهمة مقدسة، تطيح بكل محاولة لمناقشته أو تفهمه، خصوصا مع توافر عدم الثقة بالسياسي وموقفه الحقيقي –لا المعلن- من المطالب الخارجية.

فكرة الهوية المهددة هذه تجعل من المحذوف أو المراد تغييره في الإطار الثقافي أمرا مقدسا أو الحقيقة التي يراد اغتيالها فيتم أسطرتها (من الأسطورة)، وتطلبها من مصادر أخرى غالبا ما تكون مسرفة في توجهها المناهض وهكذا نشأت ثقافة الجماعات المتطرفة.

لا يمكن الإصغاء للمنطق المعرفي في معالجة مشاريع التغيير في ظل هذا الجو العدائي والمتشنج الذي يشحن به العالم كله يوميا تحت مسمى الحرب على الإرهاب ونشر الحرية.

ومع غلبة المنطق السياسي في المعالجة لا يمكن الإصغاء إلى المشاكل الحقيقية –وهي كثيرة- التي نعاني منها، لأن بعضها يصب في المياه الأميركية، وتوطيد الموقع الأميركي في عالمنا العربي قد يتحول إلى عتبة لهيمنة كونية مخيفة، وكيف يمكن إقناع المتطرفين بنبذ العنف في ظل الإرهاب الذي يمارسه الخطاب التبسيطي الذي يشيعه "المحافظون الجدد".
__________________
كاتب سوري

المصدر : غير معروف